حب الأبرار 162
اللقاء غير المتوقع في رياض الأحلام
بقلم ليلى الأحمد
ارتسمت ابتسامة خفيفة على شفتي أمينة وهي تتأمل لوحة السماء التي ازدانت بسحب بيضاء رقيقة، كأنها رسومٌ أبدعها فنانٌ عليم. كانت تجلس في شرفة منزلها الواسعة، المطلة على حديقة غناء تفوح منها رائحة الياسمين والورد البلدي. اليوم، كان قلبها يخفق بإيقاعٍ مختلف، إيقاعٌ يعزف لحنًا بين الرجاء والحذر. لقد مضى شهرٌ كاملٌ منذ لقائها الأخير بخالد، شهرٌ طواه النسيان في غمرة أحداث الحياة المتسارعة، ولكنه ظل محفورًا في ذاكرتها كذكرى لا تمحى.
لقد اختلفت حياتها كثيراً منذ تلك اللحظة التي التقت فيها بعينيه المرهفتين، عينين تحملان بريقًا لا تخطئه عين، ورزانةً تليق بمن حمل أمانةً في عنقه. كانت تأمل، في أعماق روحها، أن تتكرر تلك اللقاءات، أن تتجدد تلك الأحاديث التي فتحت لها أبواباً لم تكن لتتوقع وجودها. لكن القدر، في غرابته، كان يضعها في مواقف لا تخطر على بال.
اليوم، قررت أمينة أن تستمتع بنسمات الهواء العليل، وأن تستعيد بعضًا من هدوئها الداخلي الذي افتقدته في الأيام الماضية. كانت ترتدي ثوبًا فضفاضًا بلون السماء، تزينه زخارفٌ بسيطةٌ ذهبية اللون، وقد جمعت شعرها الداكن على هيئة كعكةٍ أنيقة. ركبت سيارتها، متوجهةً إلى "رياض الأحلام"، ذلك المنتجع الهادئ الواقع على مشارف المدينة، والذي لطالما أحبت روحه الهادئة وأجواؤه الفنية. كانت تخطط لقضاء بعض الوقت في الرسم، وهي هوايتها التي تنفست بها روحها منذ نعومة أظفارها.
بينما كانت تسير بين الممرات المرصوفة بالحجارة، تحت ظلال الأشجار الوارفة، كان صوت الموسيقى الهادئة ينساب في الأرجاء، مزامناً مع زقزقة العصافير. اختارت زاويةً هادئةً بالقرب من نافورةٍ صغيرةٍ تتراقص مياهها بألحانٍ خافتة. فتحت حقيبتها، واستخرجت لوحة الرسم وألوانها. بدأت يدها تتحرك بخفة، ترسم خطوطًا أولية، تلقي بظلالها على صفحة البياض.
وبينما هي غارقةٌ في عالمها الخاص، شعرت بحضورٍ مفاجئٍ بجانبها. رفعت رأسها ببطء، فجمد الدم في عروقها. كان واقفًا أمامها، يبدو أكثر هدوءًا ووقارًا مما اعتادت عليه. خالد.
"أمينة؟" نطق باسمها بصوتٍ فيه مزيجٌ من الدهشة والفرح. "خالد... ما هذا الصدفة؟" تمتمت، وقلبها يقرع طبول الفرح والغفلة معًا. "لم أكن أتوقع أن أراكِ هنا. إنه مكانٌ جميلٌ جدًا، أليس كذلك؟" قال وهو يومئ بيده ليشير إلى المكان. "نعم، إنه ملاذي الهادئ." أجابته، محاولةً استجماع رباطة جأشها. "كنتُ أتمنى أن ألتقي بكِ مجددًا. لم أتمكن من نسيان حديثنا الأخير." قال، ونظراته تركزت عليها.
كانت كلماته هذه بمثابة نسمةٍ منعشةٍ مرت على صحراء روحها. لقد كانت تنتظرها، بل كانت تتوق إليها. لكن هذا اللقاء المفاجئ، في هذا المكان الذي اختارته بعناية لقضاء وقتٍ خاصٍ بها، أثار في نفسها شعورًا بالارتباك.
"وأنا أيضًا، لم أنسَ." قالت بصوتٍ خفيض، تلتقط نظراته. "كنتُ أفكر كثيرًا في كل ما دار بيننا. في حديثك عن طموحاتك، عن رؤيتك لمستقبلك. إنه أمرٌ ملهمٌ حقًا." أضاف. "شكرًا لك. أحاول فقط أن أجد طريقي." أجابت، وتشعر بأن الكلمات تخرج منها سلسةً دون تكلف.
جلسا معًا، وبدأ الحديث يتدفق بينهما كجدولٍ صغيرٍ وجد طريقه بين الصخور. تحدث خالد عن عمله، عن مشاريعه المستقبلية، وعن التحديات التي يواجهها. كانت أمينة تستمع باهتمامٍ بالغ، تتلمس في كلماته عمقًا وحكمةً تتجاوز سنوات عمره. لقد كان شخصًا نادرًا، يجمع بين الشغف والمسؤولية، بين الطموح والإخلاص.
"وماذا عنكِ؟ ماذا تفعلين في هذا الصباح الجميل؟" سألها. "كنتُ أنوي الرسم. إنها هوايتي، وطريقتي للتعبير عن ما يدور في نفسي." أجابت، مشيرةً إلى لوحتها. "هل تسمحين لي برؤية ما ترسمين؟" قال بحماس. ترددت أمينة للحظة، ثم وافقت. كانت تخشى أن لا يرقى ما ترسمه إلى مستوى توقعاته، لكن دفء نظراته شجعها.
ناولته اللوحة، فاستقبلها بعنايةٍ فائقة. تأملها طويلاً، ثم قال بتقديرٍ صادق: "إنها رائعة. لديكِ موهبةٌ حقيقية. هذه الألوان، هذا التناغم... إنه يعكس روحًا جميلة." ابتسمت أمينة، شعورٌ بالامتنان غمر قلبها. لم تسمع مثل هذا الإطراء من قبل، وخاصةً من شخصٍ كخالد، الذي كان يعرف قيمة الفن والجمال.
"أتمنى أن أرى المزيد من أعمالكِ في المستقبل." قال. "إن شاء الله." أجابت، وشعرت بأن قلبها يخفق بقوة.
استمر الحديث بينهما حتى وقت الظهيرة. تحدثا عن الكتب التي يقرؤونها، عن الأفلام التي يشاهدونها، وعن أحلامهما الصغيرة والكبيرة. كانت اللحظات تمضي بسرعة، وكل لحظةٍ كانت تزيد من تقارب روحهما. لقد كان لقاءً لم يكن في الحسبان، لقاءً نسجه القدر بخيوطٍ من الصدفة، ولكنه ترك في قلبيهما أثرًا عميقًا.
عندما حان وقت الانصراف، شعر كلاهما بأسفٍ شديد. "كان لقاءً سعيدًا جدًا، أمينة." قال خالد، وعيناه تلمعان. "وأنا كذلك، خالد. لقد أنرتَ يومي." أجابت، وبداخلها شوقٌ للقاءٍ آخر.
"هل تسمحين لي بتحديد موعدٍ للقائنا مجددًا؟ في مكانٍ آخر، ربما؟" سأل بتردد. "بالتأكيد. سأكون سعيدةً بذلك." أجابته، بابتسامةٍ تضيء وجهها.
تبادلا أرقام الهواتف، ووعدها خالد بأن يتصل بها قريبًا. وبينما كانت تسير عائدةً إلى سيارتها، شعرت بأنها تحمل معها هديةً ثمينةً لا تقدر بثمن. لقد كان هذا اللقاء بدايةً جديدة، بدايةً ترسم ملامح مستقبلٍ مليءٍ بالأمل والسعادة. كانت تدرك أن الطريق لا يزال طويلاً، ولكنه بات يبدو أكثر إشراقًا.