الفصل 18 / 25

حب الأبرار 162

رياح التغيير العاتية

بقلم ليلى الأحمد

كانت نسمات المساء الأولى تحمل معها عبير الياسمين المتفتح في بستان منزل الحاج سالم، لكنها لم تستطع أن تطفئ لهيب القلق الذي كان يشتعل في صدر نور. جلست في شرفتها المطلة على الحديقة، وشعرها الأسود الداكن ينسدل كستار حريري على كتفيها، وعيناها تبحثان في الأفق الغائب عن إجابات كانت تراوغها. لم يكن الأمر يتعلق بالرسالة التي وصلت قبل أيام، تلك الرسالة التي تحمل بصمة قاسم، بل بما صاحبها من صمت مطبق من جانب الجميع.

قاسم. الاسم وحده كان كافياً لإثارة عاصفة في أعماقها. لم ترَ قاسم منذ ذلك اليوم المشؤوم في ساحة سوق المدينة القديمة، منذ ذلك الموقف الذي كاد أن يفقدها فيه الوعي، ليس خوفاً، بل صدمة. كانت كلماته حينها كالسهام، اختلط فيها العتاب بالاتهام، ولامس فيها الوجع ما استقر في قلبها من حنين. لقد اعتادت منه منذ الطفولة على الشفافية، على أن يكون مرآتها التي تعكس صدق المشاعر، ولكن ذلك اليوم، بدت صورته مشوهة، غريبة، لم تعد تعرف أي جزء منها ينتمي إلى قاسم الذي أحبته.

الرسالة كانت موجزة، كلمات مختارة بعناية، تحمل طياتها اعتذاراً مبطناً، ووعداً بلقاء لتوضيح الأمور. ولكن الأشد إيلاماً كان إغفال عمها الحاج سالم عن الأمر. لماذا لم يعلمها عمها؟ هل اكتشف هو الآخر شيئاً؟ هل كان هناك ما يخشى أن تصلها حقيقته؟ هذه التساؤلات كانت تنهش روحها، وتجعل ساعات الانتظار ثقيلة كعبء الجبال.

في الجهة الأخرى من المدينة، كان قاسم يغادر مكتب المحاماة، وقد أثقلته هموم لم يكن يتوقع أن يواجهها. كانت الأوراق المتناثرة على مكتبه شهوداً على معركة قانونية وشيكة، معركة لم يكن يريد لها أن تبدأ، ولكن يبدو أن القدر أبى إلا أن يفرض إرادته. لقد كان يضع نصب عينيه هدفاً واحداً: استعادة حقوق عائلته التي سُلبت غدراً وظلماً. والمفارقة أنه كان يعلم جيداً أن هذه الحقوق مرتبطة بشكل مباشر بمسيرة حياة نور، بمسيرة حياة كل من حولها.

لكن الأمر لم يكن سهلاً. كلما تعمق في الأوراق، كلما وجد خيوطاً متشابكة ومعقدة، خيوطاً تعود به إلى الماضي، إلى أحداث لم يكن قد فهمها بشكل كامل حينها. كانت هناك أسماء تظهر وتختفي، وعقود تبدو سليمة ظاهرياً ولكنها تخفي في طياتها سم الأفاعي. والمشكلة الكبرى كانت في شخصية رجل واحد، رجل كان يتستر على حقيقته، رجل قوي نافذ، كانت تحركاته أشبه بحركات الشطرنج، كل حركة محسوبة، كل خطوة تهدف إلى وضع خصومه في مأزق.

كان يتذكر تلك الليلة التي جلس فيها مع والده الراحل، وقد علا وجه الأب الشحوب، وقال له بصوت خفيض: "يا بني، هناك أسرار دفينة، أسرار تتعلق بماضينا، وبمستقبل أبناء عمنا. احذر ممن يبتسم في وجهك وقلبه يخفي غدراً. ثق بحدسك، وثق بالله". كانت تلك الكلمات بمثابة وصية، ولكن معناها لم يتبلور له إلا مؤخراً، مع تراكم الأدلة.

كان يشعر بوطأة المسؤولية تزداد. لم يعد الأمر يتعلق بشأنه الخاص فقط، بل بمستقبل عائلات بأكملها. كان يعلم أن مواجهته لهذا الرجل لن تكون سهلة، وأن الأخطار قد تحيط به من كل جانب. ولكن حبه لنور، وحرصه على ألا ترى ما رأى والده من ظلم، كانا أقوى من أي خوف. لقد اتخذ قراره. سيواجه الحقائق، مهما كان الثمن.

في منزل الحاج سالم، كانت الأجواء مشحونة. عماد، ابن عم نور، كان جالساً مع والده، وجهه عابس، وعيناه تتقدان بشيء من الغضب المكتوم. "لم أعد أفهم يا أبي. لماذا كل هذا الصمت؟ ولماذا يصر قاسم على إثارة هذا الموضوع الآن؟" قال عماد بلهجة فيها شيء من التحدي. ابتسم الحاج سالم ابتسامة خفيفة، خالية من المرح. "يا بني، هناك أمور لا نفهمها إلا حين يكشفها الزمن. قاسم لديه أسبابه، ولنا نحن أسبابنا." "ولكن هذه الأسباب تضر بنا. إنها تثير القلق، وتزرع الشكوك." قال عماد، مشيراً إلى أوراق كانت ملقاة على الطاولة. "هذه الأوراق التي حصل عليها قاسم، ما هي حقيقتها؟" "الحقيقة يا بني، قد تكون مؤلمة، وقد تكون مريحة. ولكن الأهم أن نتعامل معها بوعي وصبر." أجاب الحاج سالم، ثم نظر إلى ابنه نظرة فيها مزيج من الحنان والتوجيه. "كن مستعداً يا عماد. ربما الأيام القادمة تحمل لنا ما لم نتوقعه."

في تلك الأثناء، كانت نور قد قررت أن تتجاوز حاجز الصمت. لم تعد تحتمل هذه الهواجس. ارتديت حجابها، وخرجت متوجهة نحو منزل قاسم. كانت تعلم أنه قد يكون هو الحل الوحيد لهذه المعضلة. لم تكن تعرف ما الذي ستواجهه، ولكنها كانت متيقنة بأن الاختباء لن يجلب لها سكينة.

حين وصلت أمام باب منزل قاسم، ترددت للحظة. كان المنزل يبدو هادئاً، لكن قلبه كان ينبض بقوة، وكأنه يدرك أهمية هذه الزيارة. استجمعت شجاعتها، وطرق الباب. فتح الباب، ولم يكن أحد غيره. وقف قاسم أمامها، وعلى وجهه خليط من الدهشة والأسف. لم تكن هذه هي النظرة التي توقعتها. كانت نظرة تحمل ثقل اعتراف، أو ربما ثقل قرار. "نور؟" قال بصوت مرتجف قليلاً. "نعم، قاسم." أجابت بصوت ثابت، حاولت أن تخفي فيه رجفة الخوف. "أردت أن أتحدث معك." أومأ قاسم برأسها، وعينيه تفحصان وجهها بعمق، وكأنه يبحث عن شيء ما. "تفضلي بالدخول."

داخل المنزل، حيث كانت رائحة الكتب والقهوة تفوح، جلسا في صمت، صمت كان أبلغ من أي كلام. نور بدأت الحديث: "لماذا الرسالة؟ ولماذا كل هذا الصمت؟" نظر إليها قاسم طويلاً، ثم قال بصوت بدأ يكتسب ثباتاً: "هناك أمور يا نور، أمور كبيرة، تمس حياتنا، تمس ماضينا، وتمس حاضرنا. لم أرد أن أحدثك قبل أن أتأكد من كل شيء." "وما الذي تأكدت منه؟" سألت نور، وقلبها يخفق بعنف. "تأكدت أن هناك من حاول تضليلنا، من حاول سلب حقوقنا، من حاول التفريق بيننا." قال قاسم، وكلماته تنساب ببطء، وكأنها تخرج من أعماق بئر سحيق. "تأكدت أن القصة التي سمعناها عن وفاة والدي لم تكن كاملة. هناك تفاصيل مفقودة، وهناك أشخاص مسؤولون." شعرت نور بالدوار. " مسؤولون؟ عن ماذا؟" "مسؤولون عن اختفاء جزء من إرث والدي، وجزء من إرث عائلتك." قال قاسم، وهو يمد يده إلى كومة من الأوراق. "هذه الأوراق تثبت ذلك. ولكن هذا لا يكفي. نحتاج إلى دليل قاطع، نحتاج إلى مواجهة." "من هم هؤلاء الأشخاص؟" سألت نور، وقد بدأت تتكشف أمامها صورة قاتمة. "هذا هو السؤال الذي نحاول الإجابة عليه." أجاب قاسم. "ولكنني أخشى أن يكون الشخص الذي يقف وراء كل هذا، شخصاً قريباً جداً. شخصاً لم نتخيل أبداً أن يرتكب مثل هذا الظلم."

كانت الكلمات تتساقط كقطرات الندى، كل قطرة تحمل معها وزناً أثقل من سابقتها. شعرت نور بأنها تقف على حافة بئر عميق، لا ترى قاعه، ولكنها تسمع همساته الغامضة. كانت هذه هي نقطة اللاعودة. لم يعد هناك مجال للإنكار، لم يعد هناك مجال للتراجع. رياح التغيير كانت قد بدأت تهب، عاتية، تحمل معها قدرها ومصيرها.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%