الفصل 19 / 25

حب الأبرار 162

أسرار في دهاليز الزمن

بقلم ليلى الأحمد

حين انقشعت غبرة الدهشة التي لفّت نور، بدأت الأفكار تتصارع في عقلها. لم تكن مستعدة لسماع هذا الكلام، لم تكن تتخيل أن الأحداث قد اتخذت منعطفاً كهذا. قاسم، الشاب الذي نشأت معه، الذي شاركته أفراح طفولتها وأحلام شبابها، يقف أمامها اليوم ليحدثها عن مؤامرات وظلم وسلب حقوق. كانت كلماته كصقيع شتوي، يلسع القلب ويجمد الدماء في العروق.

"قريب جداً؟" كررت نور، وعيناها الواسعتان تبحثان عن أي تعبير يدل على كذبة أو مجرد تخمين. "من تقصد يا قاسم؟ هل تعني...؟" لم تستطع أن تكمل جملتها. كان مجرد التفكير في الاحتمال كفيلاً بأن يثير في صدرها حمى من الخوف والاشمئزاز.

تنهد قاسم بعمق، وكانت نسمة هواء عليلة تلاعب ستائر النافذة. "لا أستطيع الجزم بعد يا نور. الأدلة تشير إلى احتمالات، واحتمالات مرعبة. ولكنني لست مجرد شخص يتبع الظنون. لدي وثائق، لدي شهادات، ولدي حقيقة أسعى للكشف عنها بكل الطرق المشروعة."

مد يده نحو الطاولة، وناولها ملفاً سميكاً. "هذا جزء مما جمعته. هذه الوثائق، هذه العقود، هذه الرسائل... كلها تشير إلى تلاعب كبير في ممتلكات العائلة، خاصة تلك التي كانت تخص والدي، والتي كان من المفترض أن تؤول إلينا وإلى عائلتك بشكل متساوٍ. ولكن، هناك فجوات، هناك تحويلات غامضة، وهناك أسماء تتكرر في أماكن لا ينبغي أن تكون فيها."

فتحت نور الملف بيدين مرتعشتين. بدأت تتصفح الأوراق، صور لوثائق قديمة، توقيعات، أرقام مالية، كلها مكتوبة بلغة قانونية معقدة، ولكنها بدأت تفهم شيئاً فشيئاً. كانت ترى كيف أن جزءاً من الأموال قد تم تحويله إلى حسابات أخرى، كيف أن عقوداً تم توقيعها بأسماء لم تسمع بها من قبل، وكيف أن كل هذا يبدو منظماً، مدروساً، كأنما خطط له بعناية فائقة.

"ولكن... كيف؟ من المستفيد؟" سألت، وهي تشعر بأن رأسها يدور. "المستفيد، هو من كان له القدرة على التلاعب بالوثائق، من كان له السلطة والنفوذ لفرض رؤيته. والمؤلم، أن كل هذا بدأ يحدث في الفترة التي كان فيها والدي مريضاً، في الفترة التي كنت فيها أنتِ صغيرة." قال قاسم، وبدت في صوته نبرة حزن عميق. "لقد استغلوا ضعفه، استغلوا غيابه، ليغيروا مجرى التاريخ، مجرى حياتنا."

تذكرت نور أيام مرض والدها، وكيف كان يحرص على لقاءات معينة، وكيف كان يتحدث عن مستقبلها ومستقبل أختها. لم تفهم حينها الأسباب العميقة وراء تلك الأحاديث، ولكنها الآن بدأت تشعر بأن هناك أمراً جللاً كان يحدث خلف الكواليس.

"وهل تحدثت مع عمي الحاج سالم عن هذا؟" سألت نور، وهي تتذكر صمت عمها وتصرفاته الغامضة. "لقد تحدثت معه. ولكنه، كما تعلمين، رجل يحمل أسراراًثقيلة. لم يفصح عن كل ما يعرفه، ولكنه أعطاني إشارة، إشارة إلى أن هناك حقائق يجب أن لا تندثر." قال قاسم، وهو ينظر إلى خارج النافذة، حيث كانت الشمس قد بدأت تميل نحو المغيب. "الأمر يتطلب شجاعة يا نور. شجاعة لمواجهة ما قد يكشف، وشجاعة لمواجهة من قد يكون المسؤول."

"وماذا عن عماد؟ هل يعرف شيئاً؟" سألت نور، وهي تفكر في ابن عمها، في طبيعته الحذرة، وفي علاقته بوالده. "عماد... عماد شخص طيب، ولكنه غالباً ما يتأثر بآراء والده. لم أستطع أن أخبره بكل التفاصيل، فالأمر معقد جداً، وقد يثير قلقه دون داعٍ. ولكنني واثق أنه إذا تأكدت الحقائق، سيكون بجانبنا." أجاب قاسم.

توقفت نور عن تصفح الأوراق، ورفعت رأسها لتنظر إلى قاسم. "قاسم، أنت تتحدث عن أشخاص قد يكونون مقربين. هل أنت متأكد مما تقول؟ ألا يمكن أن يكون هناك خطأ؟" "أتمنى ذلك يا نور. أتمنى لو كان مجرد خطأ، أو سوء فهم. ولكن الأدلة تتحدث عن نفسها. هناك شيء منظم، شيء كبير." قال قاسم، وبدت في صوته نبرة أسف. "والأمر لا يتعلق فقط بالمال، بل ربما يتعلق بسمعة عائلات، بسمعة أجيال."

كانت هذه هي النقطة الحاسمة. لم يعد الأمر مجرد خلاف عائلي، بل قضية أعمق، قضية تمس جذورهم وتاريخهم. شعرت نور بأنها أمام مفترق طرق، طريق يقود إلى الحقيقة المؤلمة، وطريق آخر يغرقها في بحر من الشك والوهم.

"وما هي خطوتك التالية؟" سألت نور، وقد استقرت نيتها. "سأواصل البحث، سأحاول الحصول على المزيد من الأدلة، سأتوجه إلى المحكمة، سأطلب مساعدة القضاء. ولكنني أحتاج إلى دعمك يا نور. أحتاج إلى أن تكوني معي في هذه الرحلة. لا يمكنني أن أخوض هذه المعركة وحدي." قال قاسم، وعيناه تلتقيان بعينيها، تحملان معاني عميقة من الأمل والثقة.

نظرت نور إلى قاسم، إلى الشاب الذي عرفته، الذي أحبته. رأته اليوم بشخص آخر، شخص يحمل مسؤولية كبيرة، شخص يسعى للحق. شعرت بأنها تكتسب قوة جديدة. "سأكون معك يا قاسم. سأكون معك حتى النهاية. مهما كان الثمن."

كانت هذه الكلمات بمثابة عهد، عهد مقدس بينهما. لقد تجاوزا حاجز الماضي، وحاجز سوء الفهم، وحاجز الخوف. الآن، هما معاً، في مواجهة مصير غامض، مصير يحمل معه أسراراً دفينة في دهاليز الزمن.

قبل أن تغادر نور، أضاف قاسم: "ولكن احذري يا نور. هذا الرجل، أو الأشخاص الذين يقفون وراء هذا، ليسوا بالسهلين. قد يحاولون منعنا، قد يحاولون إيقافنا. يجب أن نكون حذرين جداً." أومأت نور، وهي تشعر بأن قلبها يخفق بعنف. لقد بدأت رياح التغيير تهب بقوة، ولم يعد هناك مجال للتراجع.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%