حب الأبرار 162
أصداءُ المأذنةِ ورائحةُ القهوة
بقلم ليلى الأحمد
انقضى الليلُ مسرعًا، ولم تستطعْ ليلى أنْ تغفو بسهولة. كانتْ صورُ زينَ تتداعى في مخيلتها: عينانِ تحملانِ حزنَ ألفِ عام، صوتٌ عميقٌ يخفي أسرارًا، ووقفةٌ توحي بالكرامةِ والشجاعة. غدًا، سيكونُ لقاؤهما في بيتِ والدها. كانتْ مشاعرُ مختلطةٌ تعصفُ بها؛ فضولٌ لا يُقاوم، وحذرٌ طبيعيٌّ من الغريب.
معَ بزوغِ خيوطِ الفجرِ الأولى، علتْ أصواتُ المؤذنينَ في أرجاءِ القرية، تدعو المسلمينَ إلى صلاةِ الفجر. نهضتْ ليلى مسرعةً، وتوضأتْ، ثمّ توجهتْ إلى مصلى البيت. كانتْ السكينةُ تعمُّ المكان، ولا يكسرُها إلا تراتيلُ القرآنِ ودعواتُ الخشوع. وبعدَ أنْ أنهتْ صلاتَها، توجهتْ إلى المطبخ، لتُعدَّ لفطورِ ضيفِهم الجديد.
كانتْ السيدةُ نورة، والدةُ ليلى، قد استيقظتْ بالفعل، وبدأتْ بتجهيزِ القهوةِ العربيةِ الأصيلة. كانَ aroma العودِ والبهاراتِ يملأُ المكان، ويعطي شعورًا بالدفءِ والترحيب.
"صباحُ الخيرِ يا أمي"، قالتْ ليلى، وقد اعتلتْ وجهَها ابتسامةٌ هادئة.
"صباحُ النورِ يا ابنتي"، ردتْ السيدةُ نورة، وهي تُقلِّبُ حبوبَ الهيلِ في دلةِ القهوة. "لم تنامي جيدًا، أرى ذلكَ في عينيكِ."
"كانَ هناكَ الكثيرُ لأفكرَ فيهِ يا أمي"، قالتْ ليلى، واكتفتْ بذلك. لم تكنْ تريدُ أنْ تُثقلَ قلبَ والدتها بأفكارٍ قد لا تكونُ في محلها.
"أتمنى أنْ يكونَ ضيفُنا زينُ على ما يرام"، قالتْ السيدةُ نورة، وهي تُراقِبُ ليلى وهي تضعُ البلحَ والتمرَ في طبقٍ كبير. "رجلٌ يأتي في جوفِ الليل، ولا يعرفُ أحدٌ عنه شيئًا. قلبي يشعرُ بنبأٍ عظيمٍ منْ ورائه."
"إنّهُ رجلٌ طيبٌ يا أمي"، قالتْ ليلى، واثقةً منْ حدسِها. "والشيخُ سليمانُ سيُحسنُ استقباله."
بعدَ قليل، وصلَ الشيخُ سليمان، بجبّتهِ البيضاءِ وعمامتهِ المنسقة. كانَ وجهُهُ مُشرقًا، وإنْ كانتْ آثارُ السنينِ قدْ خطّتْ تجاعيدَ عميقةً عليه.
"صباحُ الخيرِ يا شيخَنا"، قالتْ ليلى بابتسامةٍ واسعة.
"صباحُ الخيرِ يا ابنتي"، ردَّ الشيخُ سليمان، وقبّلَ رأسَها. "يبدو أنّ ضيفَنا قدْ وصل. سأذهبُ لأستقبلهُ بنفسي."
توجهَ الشيخُ سليمانُ نحو بيتِ جدةِ ليلى، برفقةِ اثنينِ منْ رجاله. بينما همْ خارجَ البيت، كانتْ ليلى تُعدُّ صينيةً منْ كعكِ العيدِ المصنوعِ حديثًا، لتُقدمَها للضيف.
بعدَ فترةٍ وجيزة، عادَ الشيخُ سليمانُ برفقةِ زين. كانَ زينُ يرتدي ثوبًا أبيضَ ناصعًا، يبدو أنّهُ قدْ جهّزهُ لهُ الشيخُ سليمان. كانتْ عيناهُ لا تزالانِ تحملانِ ذلكَ البريقَ الغامض، لكنّ ابتسامتهُ الهادئةَ كانتْ تُخففُ منْ وطأةِ حزنهِ الظاهر.
"يا مرحبًا بكَ يا زين"، قالَ الشيخُ سليمانُ بصوتهِ الرخيم. "لقدْ سمعتُ منْ ابنتي ليلى عنْ ضلالِكِ في الصحراء. بيتُنا بيتُكَ، ونحنُ في خدمتك."
"شكرًا لكَ يا شيخَنا"، ردَّ زين، وانحنى قليلاً بتقدير. "كرمُكمُ يفوقُ ما تخيلت."
"لا شكرَ على واجب"، قالَ الشيخُ سليمان، وأشارَ إلى داخلِ البيت. "تفضلْ، فقدْ جهزتُ لكَ طعامَ الفطور. رائحةُ القهوةِ العربيةِ تنتظرُك."
جلسَ زينُ معَ الشيخِ سليمانِ والسيدةِ نورة. كانتْ ليلى تُقدِّمُ القهوةَ والكعكَ، وتُراقبُه بعينٍ فضولية. لم يكنْ حديثُ زينَ عشوائيًا. كانَ يتكلمُ بطلاقةٍ وفصاحة، ويُبدي اهتمامًا كبيرًا بتاريخِ المنطقةِ وعاداتِ أهلِها.
"يقولونَ أنّ هذهِ الأرضَ شهدتْ الكثيرَ منَ القصصِ والأحداث"، قالَ زين، وهوَ يُقلِّبُ فنجانَ القهوةِ بينَ أصابعه. "شهدتْ مرورَ القوافلِ التجارية، ورحلاتِ الحجّ القديمة، وأصواتَ الأذانِ التي انطلقتْ منْ مآذنَ لم يبقَ منها إلا الأثر."
"نعم، وادي النخيلِ أرضٌ مباركة"، قالَ الشيخُ سليمان. "لقدْ حافظَ أهلُها على إرثِ الأجدادِ، وعلى تقاليدِ الضيافةِ والكرم. لقدْ مرَّتْ علينا أزمنةٌ عصيبة، لكنّ الإيمانَ والصبرَ كانا دائمًا سفينتنا."
"ولكنّي أشعرُ أنّ هناكَ شيئًا ما أعمقَ منْ مجردِ التاريخِ المكتوب"، قالَ زين، ونظرَ إلى ليلى. "أشعرُ أنّ هذهِ الأرضَ تحملُ أسرارًا، وأنّ الأرواحَ فيها تتحدثُ بلغةٍ خاصة."
شعرتْ ليلى بأنّ كلماتِ زينَ تُخاطبُها مباشرة. كانتْ دائمًا تشعرُ بأنّ هناكَ شيئًا مخفيًا في هذهِ الصحراءِ الشاسعة، شيئًا يتجاوزُ فهمَ العقلِ البشري.
"ربما يا زين، كلُّ أرضٍ في هذا العالمِ لها قصتُها الخاصة"، قالتْ ليلى، بصوتٍ هادئ. "ونحنُ، كبشر، لسنا إلا جزءًا صغيرًا منْ تلكَ القصة."
"ولكنّ بعضَ الأجزاءِ تبدو أكثرَ لمعانًا وتأثيرًا منْ غيرها"، قالَ زين، بعينينِ تلمعانِ بذكاء. "وأنتم، أهلُ هذا الوادي، تملكونُ لمعانًا خاصًا، لمعانَ البساطةِ والرضا."
تابعتْ ليلى الحديثَ معَ زين، ولاحظتْ كيفَ كانَ ينصتُ باهتمامٍ كبيرٍ لكلِّ كلمةٍ تُقال. لم يكنْ مجردَ رجلٍ ضلَّ طريقه، بل كانَ يبدو وكأنّهُ يبحثُ عنْ شيءٍ ثمينٍ جدًا.
بعدَ الفطور، اقترحَ الشيخُ سليمانُ على زينَ أنْ يُريهِ القريةَ ويُعرّفُه على معالمِها. وافقتْ ليلى على مرافقتِهما، فقدْ شعرتْ بأنّ وجودَها بجانبهِ يُشعرُها بنوعٍ منَ الأمانِ والفضولِ المتبادل.
تجولوا بينَ بساتينِ النخيلِ الوارفة، واستمعوا إلى صوتِ خريرِ الماءِ في الساقية. تحدثَ الشيخُ سليمانُ عنْ تاريخِ القريةِ وعنْ شجرِ النخيلِ الذي كانَ مصدرَ رزقِهم. بينما كانوا يسيرون، كانَ زينُ يُراقبُ كلَّ شيءٍ بعينٍ خبيرة، يسألُ أسئلةً ذكيةً تُظهرُ معرفتهُ العميقة.
"هذهِ المزرعةُ تبدو قديمةً جدًا"، قالَ زين، مشيرًا إلى قطعةٍ منَ الأرضِ قريبةٍ منَ الوادي. "هل هيَ جزءٌ منْ تاريخِ القريةِ القديم؟"
"نعم"، أجابَ الشيخُ سليمان. "كانتْ هذهِ المزرعةُ في السابقِ جزءًا منْ أراضٍ كانتْ تُزرعُ فيها أعشابٌ نادرةٌ تُستخدمُ في العلاج. لكنّ شحَّ المياهِ جعلَها تُتركُ مهجورةً منذُ زمن."
"أعشابٌ نادرةٌ للعلاج؟" قالَ زين، بعينينِ تلتمعانِ بفضول. "هل تعرفُ أيّ نوعٍ منها؟"
"لا أذكرُ الأسماءَ تحديدًا"، قالَ الشيخُ سليمان. "لكنّ أجدادَنا كانوا يعرفونَ كلَّ شيءٍ عنْ أسرارِ الأرضِ وفوائدِ نباتاتِها."
بعدَ جولتِهم، عادوا إلى البيت. كانتْ ليلى تشعرُ بأنّ زينَ ليسَ غريبًا عنها. كانتْ هناكَ ألفةٌ غريبةٌ تربطُ بينهما، وكأنّهما قدْ عرفا بعضهما منذُ زمنٍ بعيد.
"لقدْ أخبرتني ابنتي ليلى بأنّ بيتَ جدتِها فارغٌ وآمن"، قالَ الشيخُ سليمانُ لزين. "هل تفضلُ البقاءَ هناكَ، أمْ تودُّ أنْ تكونَ ضيفًا في بيتنا؟"
"أنا ممتنٌ جدًا لعرضِكمُ الكريم"، قالَ زين. "لكنّي أشعرُ براحةٍ أكبرَ في بيتِ جدتِكِ يا ليلى. هدوءُ المكانِ يُذكّرُني بأشياءَ جميلة."
نظرتْ ليلى إلى زين، وشعرتْ بقلبها يخفقُ بسرعة. "سأُساعدُكَ في تجهيزِ البيتِ إذا أردتَ"، قالتْ ليلى، بصوتٍ خافت.
"هذا سيكونُ لطفًا كبيرًا منكِ"، قالَ زين، وعيناهُ تلمعانِ بالشكر.
في ذلكَ المساء، بعدَ صلاةِ العشاء، ذهبتْ ليلى معَ زينَ إلى بيتِ جدتها. كانَ المكانُ هادئًا، وتفوحُ منهُ رائحةُ الترابِ الرطبِ والياسمين. أضاءتْ ليلى شموعًا، وشعرتْ بأنّها تعودُ إلى طفولتها.
"هل أنتَ بخيرٍ يا زين؟" سألتْ ليلى، وهي تُرتّبُ بعضَ الوسائد.
"أنا بخيرٍ جدًا"، قالَ زين، وجلسَ على كرسيٍ قديم. "هنا، أشعرُ بأنّي أستطيعُ أنْ أتنفسَ بعمق. وكأنّ هذهِ الجدرانَ تحملُ قصصَ أرواحٍ قديمة، أرواحٍ تشبهُ روحي."
نظرتْ ليلى إلى زين، ورأتْ في عينيهِ صدىً لشعورها. كانَ هناكَ رباطٌ خفيٌّ يجمعُ بينهما، رباطٌ ينمو في صمتٍ، ويحملُ وعدًا بمستقبلٍ لا تدركُ ملامحَه بعد.
"ربما أنتَ تبحثُ عنْ بيتٍ لم يعدْ موجودًا إلا في الذاكرة"، قالتْ ليلى، وهمستْ، "مثلما أفعلُ أنا."
توقفتْ ليلى عنْ الكلام، وشعرتْ بحرارةٍ تتصاعدُ في خديها. لقدْ كشفتْ عنْ شعورٍ دفينٍ لم تكنْ تنوي البوحَ به.
نظرَ زينُ إليها، وفي عينيهِ مزيجٌ منَ الدهشةِ والتقدير. "ربما يا ليلى. وربما… قدْ وجدنا بعضَنا البعض."
شعرتْ ليلى بأنّ الهواءَ قدْ توقفَ عنْ الحركة. كلماتُ زينَ كانتْ كنسيمٍ عليلٍ يداعبُ روحَها، لكنّها كانتْ تحملُ أيضًا مسؤوليةً كبيرة. هل كانَ هذا اللقاءُ مجردَ لقاءٍ عابر، أمْ بدايةَ قصةٍ ستُكتبُ بماءِ الذهبِ في صحراءِ الأقدار؟