الفصل 4 / 25

حب الأبرار 162

ظلال الشوق في أروقة الروح

بقلم ليلى الأحمد

كان الهواء في تلك الليلة أثقل من المعتاد، محمّلاً بشكوى لا تفصح عن ذاتها، وبوحدة تلفُّ روحَ "نور". لم تنمْ في تلك الليلة كثيراً، والحديث بينها وبين "عمر" يوم أمس ظلَّ يدور في رحاها كأنّه طيفٌ لم يفارقها. لقد لامست كلماته عمقاً لم تتوقعه، شعوراً بالضياع المختلط بحنينٍ غريبٍ إلى ماضٍ لم تعشه، إلى زمنٍ طاهرٍ لم تعبث به زخارف الدنيا وتقلبات الأيام. وقفت أمام مرآة غرفتها، تتأمل انعكاس صورتها الشاحبة. هالتها تلك الهالات السوداء تحت عينيها، شواهد صامتة على سهرٍ طويلٍ وقلقٍ مستمر. كانت تدرك أنَّ أمر "عمر" قد أحدث في قلبها رجّةً لم تكن مستعدة لها، رجّةً كسرت روتين حياتها الهادئ، وأشعلت فيها أسئلةً قديمةً كانت قد دفنتها في زوايا ذاكرتها.

"ماذا تريدين مني يا دنيا؟" همست لنفسها، والصوت يكاد يكون مسموعاً. "لماذا تضعينني في اختباراتٍ كهذه؟"

كانت "نور" دائماً تؤمن بالوضوح، بالمسار المستقيم. حياتها كانت منظمة، أيامها مرسومة بدقة. ولكنَّ "عمر" أتى كإعصارٍ لطيف، يحمل معه رائحة المطر الأول بعد طول جفاف، ويُسقط في أرض روحها بذرةَ شوقٍ بدأت تنمو خفيةً، تشقُّ طريقها بصعوبةٍ نحو النور. لم تكن تعرف كيف تفسر هذه المشاعر المتضاربة. كان الاحترام لـ"عمر" يقف حاجزاً أمام أيِّ شعورٍ أعمق، ولكنَّ لطافته، ونقاء روحه، حديثه العذب الذي ينساب كالنهر، كلُّ ذلك كان ينحت في صخرة عزلتها، ويُذيب جليد قلبها البارد.

نزلت إلى المطبخ، حيث كانت والدتها تعدُّ فطوراً خفيفاً. رائحة الهيل والقهوة العربية تعبق في المكان، تبعث طمأنينةً بسيطةً في نفسها.

"صباح الخير يا أمي." قالت بصوتٍ خفيض، محاولةً إخفاء تعبها.

"صباح النور يا حبيبتي." أجابتها والدتها، ثمَّ وجهت نحوها نظرةً تحليلية. "هل نمتِ جيداً؟ تبدين متعبةً."

ارتسمت ابتسامةٌ باهتةٌ على شفتي "نور". "كنتُ أفكر قليلاً. لا أكثر."

"التفكير الزائد لا يفيد يا ابنتي. خاصةً عندما يتعلق الأمر بمستقبلك." قالت الأم بحنان، ثمَّ أكملت وهي تسكب القهوة في فنجان "نور". "أتمنى أن يكون لقاؤكما بالأمس قد أوضح لكِ الأمور. "عمر" شابٌ طيبٌ، وأخلاقه حميدة، وعائلته كريمة. ما الذي تبحثين عنه أكثر من ذلك؟"

لم تجب "نور" على الفور. كانت تعرف أنَّ والدتها تقصد خيراً، وأنَّ سعيها هو سعادة ابنتها. ولكنَّ قلباً كقلب "نور" لا يستطيع أن يتزوج لمجرد "المواصفات". كان يتوق إلى ما هو أعمق، إلى ارتباطٍ روحيٍّ، إلى ألفةٍ حقيقيةٍ. "أعلم يا أمي." قالت أخيراً. "ولكنَّ الأمر يتعلق بمستقبلٍ، وبقرارٍ كبير. أحتاجُ بعض الوقت لأستوعب كلَّ شيء."

قضت "نور" بقية الصباح تتنقل بين مهامها الاعتيادية، محاولةً أن تبدو طبيعية. ولكنَّ عقلها ظلَّ معلّقاً بخيطٍ رفيعٍ يربطها بـ"عمر". في كلِّ مرةٍ كانت تتذكر فيها ابتسامته الهادئة، أو الطريقة التي كان ينظر بها إليها، كان قلبها ينتفض بعنف. كان هناك شيءٌ في عينيه، شيءٌ من الشفافية والصدق، ولكنه أيضاً يحملُ ألماً دفينًا، جرحاً لم يلتئم. تساءلت إن كان هذا الألم هو ما جذبها إليه، أم هو ما جعلها تخشاه.

في الظهيرة، تلقت رسالةً نصيةً من "عمر". لم تكن سوى بضع كلماتٍ بسيطة: "صباح الخير يا نور. أتمنى أن يومكِ مبارك. أردتُ فقط أن أطمئن عليكِ بعد لقائنا البارحة. لا تضغطي على نفسكِ كثيراً في اتخاذ قرارك. الوقت كفيلٌ بأن يكشف ما في القلوب."

قرأت الرسالة مراراً وتكراراً. شعرت بشيءٍ من الدفء يسري في عروقها. لم يكن يفرض عليها شيئاً، بل كان يقدم لها المساحة التي تحتاجها. تذكرت في تلك اللحظة إحدى خصال "عمر" التي أثارت إعجابها: حسه المرهف، وقدرته على فهم الآخرين دون الحاجة لكثيرٍ من الكلام.

ردت عليه برسالةٍ مماثلة: "شكراً لك يا عمر. يومك مبارك أيضاً. سأفعل."

وفي مساء ذلك اليوم، بينما كانت "نور" تجلس في غرفتها، تحاول التركيز في كتابٍ تقرأه، سمعت صوتاً يناديها من الخارج. كانت والدتها.

"نور! هناك ضيفٌ بالأسفل."

تسمرت في مكانها. من عسى أن يكون في هذا الوقت المتأخر؟ نزلت بهدوءٍ، وقلبها يقرع جرس الإنذار. عندما رأت "عمر" واقفاً في صالة الضيوف، يرتدي ملابس بسيطة ولكن أنيقة، يحمل في يده سلةً من الفاكهة الطازجة، شعرت بارتباكٍ شديد.

"مساء الخير يا أستاذة نور." قال بابتسامةٍ لطيفة. "أتمنى ألا أكون قد أزعجتكِ. أردتُ أن أزوركم لنتحدث مع والدتكِ قليلاً."

تبادل "عمر" ووالدة "نور" أطراف الحديث. كانت "نور" تجلس جانباً، تستمع إلى حوارهم، وتراقب "عمر" بعينين سريعتين. كانت أفكارها تتطاير بين مشاعر الانجذاب إليه، والخوف من هذا الانجذاب. هل كانت تتعلق بـ"عمر" أكثر مما ينبغي؟ هل كانت تفتح باباً قد لا تستطيع إغلاقه؟

كان "عمر" يتحدث بهدوءٍ واحترام عن عائلته، عن قيمه، وعن أحلامه. وفي كلِّ كلمةٍ كان يقولها، كان "نور" تشعر بأنَّ خطوط الصورة ترتسم بوضوحٍ أكبر. كان رجلاً يبني حياته على أسسٍ قوية، وعلى إيمانٍ راسخ. ولكنَّ ما كان يشغل بال "نور" هو ذلك الجزء الغامض في شخصيته، الأثر الخفيّ للألم الذي لمحتْه في عينيه. هل كان هذا الألم مجرد ذكرى عابرة، أم أنه كان جرحاً لا يزال ينزف؟

خلال حديثهم، انقطع التيار الكهربائي فجأةً، وأظلمت الصالة. ارتفع صوتٌ خافتٌ من "نور" تعبيراً عن دهشتها.

"اهدئي يا ابنتي، ربما هو عطلٌ بسيط." قالت والدتها.

في الظلام الدامس، سمعت "نور" صوتاً قريباً منها. كان "عمر".

"هل أنتِ بخير يا أستاذة نور؟" سأل بصوتٍ هادئٍ ومليءٍ بالقلق.

"نعم، أنا بخير." أجابت بصوتٍ مرتعشٍ قليلاً.

شعر "عمر" بيدها وهي تتحرك بعفويةٍ بالقرب منه. دون تفكيرٍ، مدَّ يده ليمسك بيدها. لم تكن لحظةً رومانسيةً مخططاً لها، بل كانت ردة فعلٍ إنسانيةٍ في لحظةِ مفاجأةٍ وخوفٍ. شعرت "نور" ببرودة يده، ثمَّ بدفءٍ سريٍّ يسري فيها. لم تسحب يدها. كان ذلك التلامس عابراً، ولكنَّ تأثيره كان عميقاً. كان إقراراً صامتاً، وبدايةً لرحلةٍ ربما كانت أطول وأعمق مما تخيلت.

في تلك اللحظة، وفي الظلام، لم تفكر "نور" في المستقبل، ولا في القلق. كانت تفكر فقط في دفء يد "عمر" التي أمسكت بيدها، وفي الطمأنينة التي شعرت بها في تلك اللحظة. ولكنَّ ذلك الدفء كان حقيقياً، والظلام كان مؤقتاً. وعندما عاد التيار الكهربائي، وابتعدت أيديهما، تركت لحظةً سريعةً بصمةً عميقةً في روح "نور"، بصمةً حملت معها مزيجاً من الشوق، والخوف، والأمل. كانت تدرك أنَّ هذا الشوق قد أصبح كالإدمان، شيئاً لا تستطيع السيطرة عليه، شيئاً بدأ يتغلغل في أعماق كيانها.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%