الفصل 5 / 25

حب الأبرار 162

سكونٌ قبل العاصفة

بقلم ليلى الأحمد

كانت الأيام التي تلت زيارة "عمر" لـ"نور" ووالدتها تحملُ في طياتها هدوءاً ظاهرياً، يخفي تحت سطحه عاصفةً قادمة. لم تنمْ "نور" تلك الليلة بعد لقائهما بـ"عمر" تلك الليلة، فقد تملكها شعورٌ غريبٌ بالاضطراب. اللمسة التي جمعت بينهما في لحظة انقطاع التيار الكهربائي، كانت بسيطةً في ظاهرها، لكنها تركت أثراً عميقاً في نفسها. لم تسحب يدها، ولم يبادر هو بالتمسك بها، كان مجرد تلامسٍ عفويٍّ، ولكنه حملَ في طياته ثقلاً غير متوقع. كانت تتساءل كيف لرجلٍ لم تعرفه إلا مؤخراً أن يترك كلَّ هذا الأثر في روحها؟

في الصباح، وبينما كانت تساعد والدتها في ترتيب المنزل، قالت الأم بعينين تلمعان بالرضا: "ما رأيكِ يا ابنتي بـ"عمر"؟ شابٌ أصيلٌ، وذو أخلاقٍ رفيعة. والدته تحدثت معي طويلاً، وهي امرأةٌ فاضلةٌ ومحترمة. يبدو أنَّ العائلتين ستكونان على وفاقٍ تام."

ابتسمت "نور" ابتسامةً آليةً، محاولةً إخفاء قلقها. "نعم يا أمي. هو رجلٌ طيبٌ. ولكنَّني ما زلتُ أحتاجُ بعض الوقت للتفكير."

"التفكير الزائد يضيع الفرص يا نور. الحياة أقصر من أن نضيعها في التردد. "عمر" رجلٌ نادرٌ في هذا الزمان، ذو دينٍ وخلقٍ. فاستخيري الله، ودعي الأمور تسير ببركتِهِ."

كانت كلمات والدتها منطقيةً، ولكنَّ قلب "نور" لم يكن يريد الاستماع للعقل وحده. كانت تشعر بأنَّ هناك شيئاً ما، لم تستطع تحديده، يشغل بالها. كانت تحلم بـ"عمر" في تلك الليلة، ليس حلماً رومانسيًا، بل حلماً مليئاً بالغموض. كانت ترى يديه، عينيه، والشيء الذي يحمله في داخله، شيءٌ من الوجع، أو ربما من الشوق.

في الأيام التالية، لم يتردد "عمر" في التواصل معها، لكنَّ تواصله كان بحذرٍ ورقيٍّ. يرسل لها رسائل نصيةً قصيرةً، يسألها عن أحوالها، أو يشاركها اقتباساً جميلاً من الشعر، أو يذكرها بحديثٍ نبويٍّ جميل. كلُّ ذلك كان ينمُّ عن اهتمامٍ حقيقيٍّ، وعن رغبةٍ في التقرب منها بأخلاقٍ ودين. وكانت "نور" تردُّ عليه، ولكنَّ كلماتِها كانت دائماً أقصر، تحملُ نفساً من التحفظ.

كانت "نور" قد اعتادت على حياةٍ هادئةٍ، خاليةٍ من المفاجآت. وكانت تشعر في بعض الأحيان بأنَّ هذا الهدوء قد تحول إلى رتابةٍ قاتلة. وفجأةً، أتى "عمر" ليُدخل إلى حياتها لمسةً من الحياة، لمسةً من الأمل، ولمسةً من الشك. كانت تشعر برغبةٍ دفينةٍ في التقرب منه، في فهم ما يدور في عالمه، ولكنَّ مخاوفها كانت تقف لها بالمرصاد.

في إحدى الأمسيات، بينما كانت "نور" تجلس مع صديقتها المقربة "ليلى" في مقهى هادئ، دار حديثٌ بينهما عن حياتهما ومستقبلهما. "ليلى"، التي كانت تعيش قصة حبٍ قويةٍ مع خطيبها "سامي"، كانت دائماً مصدراً للنصيحة والدعم لـ"نور".

"يا نور، ألا تشعرين أنَّ حياتكِ بحاجةٍ إلى بعض التغيير؟" قالت "ليلى" وهي ترتشفُ قهوتها. "تتحدثين عن "عمر" وكأنَّكِ تصفين رجلاً خيالياً، ولكنه موجودٌ أمامكِ. أين التردد؟"

تنهدت "نور". "لا أعرف يا ليلى. أشعرُ بأنَّه رجلٌ استثنائيٌّ، ولكنَّني أخشى أن أتعلق به كثيراً، ثمَّ أكتشف أنَّ الأمر ليس كما أظن. هناك شيءٌ في عينيه، شيءٌ يحملُ حزناً لا أفهم سببه."

ضحكت "ليلى". "يا نور، لا يوجد إنسانٌ كاملٌ خالٍ من الهموم. الحزن جزءٌ من تجربة الحياة. ربما هو يحتاجُ إلى يدٍ حانيةٍ لتُعينهُ على تجاوزها. هل فكرتِ في أنَّ هذا هو ما جعلهُ رجلاً عميقاً بهذا الشكل؟"

"ولكنَّني لا أعرف شيئاً عن ماضيه." قالت "نور" بصوتٍ يرتجفُ قليلاً. "ماذا لو كانت لديه أسرارٌ لا أستطيع تحملها؟"

"يا حبيبتي، كلُّ إنسانٍ لديه أسرار. الأهم هو كيفية التعامل معها. "عمر" يبدو رجلاً صادقاً، وإذا كان هناك شيءٌ يؤلمه، فسيظهرُ مع الوقت، بالصدق والحب. أنتِ يا نور، لم تعيشي الحبَّ حقاً. أنتِ تعيشين خيالاً، ولكنَّ "عمر" يبدو أنَّه يمثلُ الواقع الذي تحتاجين إليه."

بعد حديثها مع "ليلى"، شعرت "نور" بشيءٍ من الوضوح. ربما كانت "ليلى" على حق. ربما كانت مبالغةً في حذرها. ربما كان هذا الشعور العميق الذي ينتابها نحو "عمر" هو بدايةً لشيءٍ جميلٍ، شيءٍ يستحقُّ المخاطرة.

في تلك الليلة، تلقت "نور" رسالةً من "عمر" لم تكن كالعادة. كانت رسالةً طويلةً، تحملُ في طياتها كلماتٍ عميقةً وصادقة. كتب لها: "نور، لا أعرف كيف أصفُ ما أشعرُ به تجاهكِ. منذُ أن قابلتكِ، شعرتُ بأنَّ هناك خيطاً يربطُ بين قلبينا. ولكنَّني أخافُ من أن أدخلَ إلى عالمكِ بشيءٍ من الماضي الذي لم أتجاوزه بعد. ولكنَّني سأكونُ صريحاً معكِ. في حياتي، كنتُ قريباً جداً من فقدانِ أغلى ما أملك. وهذا الألمُ تركَ بصمةً عميقةً. ولكنَّني لم أدعْهُ يثنيني عن البحثِ عن الأملِ، وعن السعادةِ. وأنا أرى فيكِ ذاك الأمل، وتلك السعادة. لا أريدُ أن أفرضَ عليكِ شيئاً، ولكنَّني أتمنى أن تكوني صبورةً معي. وأعدكِ بأنَّني سأكونُ صادقاً معكِ في كلِّ شيء."

عندما قرأت "نور" الرسالة، شعرت وكأنَّ قلباً صغيراً قد نما في صدرها. كان "عمر" قد كشف لها جزءاً من عالمه الداخلي، جزءاً من معاناته. لم تكن مفاجأةً سلبية، بل كانت تأكيداً على ما كانت تشعر به: أنَّ هذا الرجل يحملُ في داخله الكثير.

لم تفكر "نور" طويلاً. فور أن قرأت الرسالة، أعدتُ له رداً. كتبت: "عمر، أشكرك على صراحتك. الصدق هو أساس كلِّ علاقةٍ قوية. لا تقلق، أنا أقدرُ مشاعركَ. كلُّ إنسانٍ لديه ماضٍ، والأهم هو كيفية بناء المستقبل. أنا هنا لأستمع، ولأفهم."

كانت هذه الكلمات، التي بدت بسيطةً، بمثابةِ جسرٍ تمَّ بناؤه بين قلبيهما. كانت "نور" تشعر بأنَّ شوقها لـ"عمر" يزدادُ، وأنَّ هذه المشاعر التي بدأت تنمو بداخلها، أصبحت كالإدمان، لا تستطيع التخلص منها، بل بدأت تعيشُ عليها. كانت تدرك أنَّ قرارها لم يعد مجرد تفكيرٍ، بل أصبحَ خياراً، خياراً يتطلبُ منها الشجاعة، والثقة.

في تلك الليلة، نظرت "نور" إلى النجوم عبر نافذة غرفتها. كانت تشعر وكأنَّها تقفُ على عتبةِ مرحلةٍ جديدةٍ في حياتها. كانت تعرف أنَّ هناك تحدياتٍ قادمة، وأنَّ الطريق لن يكون سهلاً. ولكنَّها كانت مستعدةً للمواجهة، مدعومةً بكلماتِ "عمر" الصادقة، وبشوقٍ بدأ يتغلغلُ في أعماق روحها، شوقٍ لم يكن مجرد إعجاب، بل كان إدماناً صامتاً، إدماناً على الأمل، وعلى إمكانيةِ بناءِ مستقبلٍ مشرقٍ.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%