الفصل 8 / 25

حب الأبرار 162

نسيم الذكرى ورقة الأمل

بقلم ليلى الأحمد

كانت نسمة الهواء التي تغلغلت إلى قلب غرفة أمينة باردة، تحمل معها عبق الياسمين الممزوج برائحة تراب الأرض بعد مطر خفيف. جلست أمينة، وقلبها يخفق كطائر محبوس، تستعرض الصور القديمة المعلقة على جدار غرفتها. صورة قديمة لها ولأبيها، ابتسامة طفولية صافية، وشعرها الذي كان يتمايل مع نسمات الصيف. صورة أخرى مع والدتها، يدان متشابكتان، وضحكة رنانة تملأ الأرجاء. تنهدت بعمق، شعور بالفقد يلفها كشال ثقيل، لكنه مخلوط بحنين دافئ يذكرها بمن أحبها وأحبته.

في تلك اللحظة، طرق باب غرفتها برفق. لم تكن متوقعة أحداً، فقد اعتادت أمها أن تبلغها مسبقاً. نهضت، وشعرت ببعض الارتباك. فتحت الباب لتجد أمامها خالها، الحاج محمود، بابتسامته الدافئة وملامحه التي تحمل آثار السنين والحكمة. كان يحمل في يده صينية صغيرة مغطاة بقماش مطرز، تفوح منها رائحة البخور الحلو.

"السلام عليكم ورحمة الله وبركاته يا أمينة"، قال بصوت يحمل نبرة محبة. "وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته يا خالي"، ردت أمينة وهي تبادر بالعناق، تشعر بالراحة تغمرها بوجوده. "أتيت لأطمئن عليكِ، ورأيتكِ غارقة في الذكريات. هل كل شيء على ما يرام؟" سأل وهو يدخل الغرفة ويتفحص المكان بنظره الهادئ.

جلست أمينة على طرف السرير، وخالها بجانبها، وفتحت الصينية. كانت تحتوي على تمرات مغموسة بالعسل ومزينة بالمكسرات، ورائحة القهوة العربية الأصيلة تفوح منها. "الحمد لله يا خالي، كل شيء بخير. فقط بعض الذكريات القديمة التي أحب أن أتأملها." "الذكريات كنز يا ابنتي، فهي تجعلنا نحتفظ بمن نحب حاضرين في قلوبنا، حتى لو غابوا عن أعيننا." قال الحاج محمود وهو يقدم لها فنجاناً من القهوة.

دار الحديث بينهما حول أخبار العائلة، وبعض الأمور المتعلقة بالعمل، لكن أمينة لم تستطع أن تنسى الهم الذي يثقل صدرها. تحدثت عن قلقها بشأن مستقبلها، وعن الضغوط التي تشعر بها. "يا خالي، أشعر بأنني تائهة. كل ما بنيته من أحلام يبدو الآن صعب المنال. أريد أن أكون قوية، وأن أجد طريقي، لكنني لا أعرف من أين أبدأ." نظر إليها الحاج محمود بعينين تملؤهما الشفقة والتفهم. "يا ابنتي، الحياة لا تخلو من العقبات، ولكن الله سبحانه وتعالى ما ابتلى عبداً إلا ليقويه، وما اختبر قلباً إلا ليطهره. الأهم هو أن تحسني الظن بالله، وأن تسعي بجد، وتستعيني به."

أشار إلى الصورة القديمة لوالدها. "والدكِ كان مثالاً للقوة والصبر. لقد مر بالكثير، ولكنه لم ييأس أبداً. كان دائماً يقول لي: 'يا محمود، السحاب لا يدوم، والمطر لا ينقطع، والفجر يتبع الليل.' تعلمي منه يا أمينة."

ثم انتقل الحديث إلى موضوع الخطبة. "أعلم أنكِ تحملين في قلبكِ شيئاً تجاه الشاب أحمد، صحيح؟" احمر وجه أمينة خجلاً، وأومأت برأسها بصمت. "هو شاب طيب، ومن عائلة كريمة. والدته، الحاجة فاطمة، لها مكانة رفيعة في قلبي. لو أن الأمر يتعلق بي، لكانت موافقتي مضمونة. ولكن القرار في النهاية يعود لكِ، ولما يرضي الله ويقر عينكِ."

"أحمد رجل خلوق، وله مبادئ. هذا ما أراه فيه. ولكن..." ترددت أمينة، ثم استجمعت شجاعتها. "ولكن يا خالي، هل سيكون كافياً؟ هل سأكون سعيدة حقاً؟ أخاف أن أندم." "الحب يا أمينة ليس فقط شعوراً يطير بنا في السماء، بل هو أيضاً بناء وتفاهم وتنازل. هو أن تجدي من يقاسمكِ الطريق، ويسندكِ عند الضعف، ويفرح لفرحكِ. أحمد يبدو لي من هذه الفئة. ولكن عليكِ أن تتحدثي معه بصراحة، وأن تعرفي ما يدور في خلده أيضاً."

صمت الحاج محمود قليلاً، ثم تابع بنبرة أكثر جدية: "تذكرت، والدتكِ، رحمها الله، قبل أن تتزوج والدكِ، كان لديها شاب آخر في حياتها، كان تحبه كثيراً. ولكن الظروف حالت دون زواجهما. وعندما تقدم والدكِ، كانت مترددة. ولكنها استخارت الله، ورأت فيه رجلاً صالحاً. والحياة التي عاشتها معه كانت مباركة، وأنجبت من بعده أجيالاً. الله يا ابنتي مدبر الأمور، وله حكمة في كل شيء."

نظرت أمينة إلى خالها، وشعرت بأن غيمة القلق بدأت تنقشع. كلامه كان بلسمًا لروحها. أخذت نفساً عميقاً، وشعرت بأن هناك بصيص أمل جديد يسطع في قلبها. "شكراً لك يا خالي. كلامك أعاد إليّ التوازن. سأفكر ملياً فيما قلته. وسأحاول أن أتحدث مع أحمد."

"هذا هو المطلوب. وتذكري، أنا هنا دائماً من أجلكِ. وأي قرار تتخذينه، سأدعمكِ فيه، ما دام فيه رضى الله." قال الحاج محمود وهو ينهض ليغادر. بعد أن غادر خالها، عادت أمينة إلى الصور. نظرت إلى صورة والدتها، وقالت بصوت هامس: "يا أمي، هل ما أشعر به صحيح؟ هل أحمد هو الرجل المناسب؟" شعرت بسلام داخلي يغمرها. ربما لم تكن تعرف الإجابة النهائية بعد، ولكنها شعرت بأن الطريق لم يعد مظلماً تماماً. هناك ضوء خافت، يدفعها نحو الأمام.

في تلك الأثناء، كان أحمد يجلس في مكتبه، يقلب صفحات كتاب قديم. كان يحاول أن يجد بعض الإلهام، بعض الحلول للمشاكل التي تواجهه في العمل. كانت هناك صفقة كبيرة معلقة، تتطلب منه قرارات حاسمة، لكنه كان يشعر ببعض التردد. رفع رأسه، وتذكر حديثه مع والده في الليلة الماضية.

"يا بني، المال وحده لا يكفي. النجاح الحقيقي هو عندما تبني شيئاً يبقى، عندما تترك أثراً طيباً." قال والده. فكر أحمد في أمينة. كيف بدأت علاقتهما؟ كانت بداية غير متوقعة، ولكنها نمت وتطورت بطريقة لم يكن يتخيلها. كان يشعر بالراحة والطمأنينة في قربها. ولكن هل كان جاهزاً لتحديات الزواج؟ هل كان ما يشعر به حبّاً حقيقياً، أم مجرد إعجاب؟

شعر بأن هناك شيئاً ما يمنعه من اتخاذ الخطوة الحاسمة. ربما كان الخوف، أو ربما كانت المسؤولية. أو ربما كانت قلقة بشأن رد فعل أمينة. هل كانت تشعر بنفس الشيء؟ قرر أن الوقت قد حان للتحدث معها بصراحة. أن يكشف لها عن مشاعره، وأن يسمع منها ما في قلبها. وضع الكتاب جانباً، وأمسك هاتفه. وجد اسمها في قائمة الاتصال، ولكن يده ترددت.

"لن أنتظر أكثر"، قال لنفسه. ضغط على زر الاتصال. سمع رنين الهاتف، وقلبه يخفق بشدة. ماذا سيقول لها؟ كيف ستبدأ؟

من جانبها، كانت أمينة تجلس في غرفتها، تشعر ببعض الهدوء. نظرت إلى هاتفها، وبدأت تفكر في أحمد. هل كان يفكر بها؟ هل كان يشعر بنفس التردد الذي كانت تشعر به؟ وفجأة، بدأ هاتفها يرن. ظهر اسمها على الشاشة. قلبها قفز. "ألو؟" قالت بصوت مرتجف قليلاً. "أمينة؟" جاء صوت أحمد، يحمل نبرة تبدو وكأنها تحمل الكثير. "هل تسمحين لي أن أراكِ؟ أريد أن أتحدث معكِ في أمر مهم."

شعرت أمينة بأن خديها احمرا. "بالطبع يا أحمد. متى؟ وأين؟" "الآن، إذا أمكن؟ في الحديقة العامة، بجوار الشجرة القديمة التي نحبها؟" "حسناً. سأكون هناك."

أنهت أمينة المكالمة، وشعرت بموجة من الإثارة والقلق. هل كان هذا هو الوقت المناسب؟ هل كانت مستعدة؟ نظرت إلى صورة والدتها مرة أخرى، وكأنها تطلب منها الإذن. ابتسمت ابتسامة صغيرة، ثم نهضت لتستعد للقاء. نسمة الأمل بدأت تداعب روحها، تحمل معها وعوداً بمستقبل قد يكون جميلاً.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%