حب الأبرار 162
عبور الجسر وصدى المشاعر
بقلم ليلى الأحمد
وصلت أمينة إلى الحديقة وهي تشعر بأن خطواتها أصبحت أثقل. كانت الشمس قد بدأت تميل نحو الغرب، وتلقي بظلال طويلة عبر الممرات المرصوفة بالحصى. الهواء كان دافئاً، يحمل رائحة الزهور البرية التي تنمو على جوانب المسارات. وجدت أحمد جالساً على المقعد الخشبي تحت الشجرة العتيقة، يتأمل حركة الأطفال في الملعب القريب. كان يرتدي قميصاً أبيض بسيطاً، يبدو عليه بعض التعب، لكن عينيه كانتا تلمعان بترقب.
"السلام عليكم"، قالت أمينة بصوت هادئ، وهي تقترب منه. "وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته"، رد أحمد وهو يقف لاستقبالها. "أتيتِ بسرعة، أشكركِ." جلست أمينة بجانبه، وشعرت بأن الصمت الذي خيّم بينهما لم يكن صمتاً مريحاً، بل صمتاً مليئاً بالأسئلة غير المعلنة. "كنت أفكر في أمور كثيرة"، بدأ أحمد حديثه، وصوته بدا متوتراً بعض الشيء. "في العمل، وفي حياتنا." "وأنا أيضاً"، ردت أمينة، وهي تنظر إلى يديها المضمومتين في حجرها. "شعرت بأن هناك شيئاً يجب أن نتحدث عنه."
"أعلم أننا لم نعرف بعضنا البعض منذ زمن طويل، ولكنني شعرت تجاهكِ بشيء مختلف، يا أمينة. شعرت بالراحة، بالانسجام. وعندما بدأت أفكر في مستقبلي، فيمن أريد أن أشاركه حياتي، كنتِ دائماً في مقدمة تفكيري." أخذ نفساً عميقاً، ثم تابع: "أعلم أن طلب الزواج قد يبدو مفاجئاً، خاصة بعد كل ما مررتِ به. ولكنني أريدكِ أن تعرفي، أنني جاد تماماً. أريد أن أتقدم لخطبتكِ رسمياً."
توسعت عينا أمينة، وشعرت بأن قلبها يكاد يقفز من صدرها. كانت تتوقع حديثاً مشابهاً، ولكن سماعه بهذه الصراحة تركها مذهولة. "أحمد..." بدأت، ولكن الكلمات تجمدت في حلقها. "أنا... أنا لا أعرف ماذا أقول." "لا بأس"، قال أحمد بابتسامة لطيفة. "أعلم أن الأمر كبير. ولكنني أريد أن أقدم لكِ ما في قلبي. أنا لا أعدكِ بحياة خالية من المشاكل، فهذه مستحيلة. ولكنني أعدكِ بأن أبذل قصارى جهدي لأكون لكِ سنداً، وشريكاً. أن أحترمكِ، وأقدّركِ، وأن أسعى جاهداً لإرضائكِ، وإرضاء الله في علاقتنا."
"ولكن... عائلتي..." قالت أمينة بتردد. "والدي... هو الداعم الوحيد لي الآن. لا أريد أن أثقل عليه أكثر." "أتفهم ذلك تماماً"، قال أحمد. "والدي ووالدتي يكنّان لكِ احتراماً كبيراً. سنذهب أنا وهما لزيارة والدكِ في أقرب وقت ممكن، لنتحدث معه رسمياً. وأيضاً، أردت أن أؤكد لكِ، أنني سأدعمكِ في كل قراراتكِ، وسأقف بجانبكِ في كل خطوة تخطينها. مستقبلكِ مهم لي، وأنا معكِ."
استقامت أمينة في جلستها، وشعرت بأن ثقلاً كبيراً قد أزيح عن صدرها. كلمات أحمد كانت دليلاً على نضجه، وعلى جديته. شعرت بأنها قادرة على أن تثق به. "أحمد"، قالت، وهي تنظر في عينيه مباشرة. "أنا أيضاً... شعرت بشيء تجاهك. لم أكن أتوقع ذلك، ولكنني شعرت براحة كبيرة في صحبتك. وأحترمك كثيراً." ابتسم أحمد ابتسامة واسعة، وامتدت يده ليضعها فوق يدها. شعرت أمينة بدفء غريب يسري في جسدها. "وهل هذا يعني...؟" سأل بترقب. "نعم يا أحمد"، قالت أمينة، وشعرت بدموع سعادة تتجمع في عينيها. "نعم. أقبل خطبتك."
لم يصدق أحمد ما سمعه. عانقها بحذر، ثم ابتعد لينظر في عينيها. "الحمد لله. لقد أسعدتني كثيراً يا أمينة." "وأنا أيضاً يا أحمد. شعرت بقلبي يطمئن."
دار الحديث بينهما حول المستقبل، حول رؤيتهما للزواج، وكيف سيتعاملان مع المسؤوليات. تحدث أحمد عن خططه لتوسيع شركته، وكيف يريد أن تكون أمينة شريكته في النجاح. تحدثت أمينة عن أحلامها بأن تفتتح مكتباً للاستشارات القانونية، وأن تساعد النساء المحتاجات.
"هذا رائع يا أمينة!" قال أحمد بحماس. "أنا أؤمن بقدراتكِ، وأعلم أنكِ ستكونين ناجحة جداً." "وأنا أؤمن بك يا أحمد. وأعلم أنك ستصل إلى ما تحلم به."
قبل أن ينهيا حديثهما، رآى أحمد شخصاً يقترب منهما. كان عماد، زميله في العمل. بدا على وجهه بعض الارتباك. "أحمد؟ هل يمكنني التحدث معك لدقائق؟" سأل عماد. "بالتأكيد"، قال أحمد، وشعر بأن موجة من القلق اجتاحته. "تفضّل."
توجه أحمد وعماد إلى جانب، بينما بقيت أمينة جالسة، تشعر بشيء من التساؤل. "ما الأمر يا عماد؟" سأل أحمد بصوت خفيض. "لقد... لقد علمت أن هناك مشاكل في المشروع الجديد"، قال عماد بتردد. "لقد تسربت بعض المعلومات الحساسة. والمساهمون يشعرون بالقلق."
شعر أحمد بالصدمة. "كيف؟ ومن؟" "لا أعرف بالتحديد. ولكنهم يتحدثون عن خيانة من الداخل." قال عماد، ونبرته تحمل قلقاً حقيقياً.
نظر أحمد إلى أمينة، التي كانت تراقبهم بعينين تتساءلان. شعر بأن عالمه الذي كان يبدو مستقراً قبل لحظات، بدأ يهتز مرة أخرى. هل كانت هناك قوى تعمل ضده؟ هل كان هذا المشروع الذي يعتمد عليه مستقبله، في خطر؟
"عليّ أن أذهب يا أمينة"، قال أحمد لعماد، وهو يشعر بأن عقله يعج بالأفكار. "شكراً لك." "لا مشكلة. لكن كن حذراً." قال عماد، ونظر إلى أمينة بعينين تحملان بعض الشفقة.
نهض أحمد، واقترب من أمينة. "آسف يا حبيبتي، ولكن يجب أن أذهب. هناك أمر طارئ يتعلق بالعمل." "لا بأس يا أحمد. هل كل شيء على ما يرام؟" سألت أمينة، تشعر بقلق واضح. "سأخبركِ لاحقاً. سأتصل بكِ." قال وهو يبتسم لها ابتسامة متوترة، ثم غادر مسرعاً.
بقيت أمينة جالسة، تشعر بخيبة أمل ممزوجة بالقلق. كان قد بدا كل شيء مثالياً، ثم فجأة، ظهرت سحابة رمادية. هل كانت هذه مجرد عقبة مؤقتة؟ أم بداية لمشاكل أكبر؟ نظرت إلى الشجرة القديمة، وشعرت بأنها تذكرها بالصبر، وبالقوة. ولكن في تلك اللحظة، كانت تشعر بأن طريق الحب الذي اختارته، ليس مفروشاً بالورود فقط.