حب في زمن الحرب 163
غبار البارود ونداء الواجب
بقلم فاطمة النجار
كانت السماء قد احتضنت بضع نجوم خجولة، فيما ارتسمت خيوط الفجر الأولى بلون البنفسج الباهت على أفق المدينة المكلومة. في قلب ذلك الصمت المشوب بالترقب، بزغ صوتٌ حادٌّ كحد السيف، اخترق سكون الليل المتربص. "يا جماعة، استعدوا!" صرخ صوتٌ رجوليٌّ أجش، يتردد صداه في أزقة حي "الخضراء" الذي اتخذ من أسواره القديمة درعاً واقياً.
كانت "ليلى"، الفتاة ذات العينين الواسعتين كالصحراء عند الشروق، وقلبٍ ينبض بعزيمةٍ فولاذية، قد لبست درعها الواقي، وفتلت شعرها الأسود الطويل تحت خوذتها، لتصبح كتلةً متجانسةً من الجندية العازمة. لم تكن سوى بضع سنواتٍ مرت على انضمامها إلى "كتيبة النور"، تلك المجموعة المسلحة التي وهبت نفسها لحماية الأبرياء في زمنٍ اضطربت فيه موازين العدل. كان زمن الحرب، زمنٌ لم يعد فيه للأمان وجودٌ إلا بما يصنعه الأبطال بعرقهم ودمائهم.
اليوم، كان ليلةً مختلفة. إنذاراتٌ متقطعةٌ تتناقلها أجهزة الراديو، وأخبارٌ عن تحركاتٍ مشبوهةٍ عند الحدود الشمالية. كان الخطر يلوح في الأفق، كظلٍّ ممتدٍّ يبث الرعب في القلوب. وقف "القائد مالك"، رجلٌ في منتصف العمر، وجهه محفورٌ بتجارب السنين، وعيناه تشعان بالثقة، يتفقد جنوده. كان "مالك" هو عمود "كتيبة النور" الفقري، الأب الروحي الذي احتضنهم جميعاً، وعلمهم أن الشجاعة ليست في خوض المعارك فحسب، بل في حماية الضعيف، وفي الحفاظ على شعلة الأمل متقدةً في أحلك الظروف.
"يا أبطال،" بدأ "مالك" بصوته الرصين، "ليلةٌ فاصلة. العدو يتربص، يريد أن يطفئ نورنا، أن يزرع اليأس في قلوب أهلنا. لكننا هنا لنقف له بالمرصاد. تذكروا، مهمتنا ليست فقط الدفاع عن أجسادنا، بل عن أرواحنا، عن قيمنا. كل فردٍ فينا هو درعٌ لأخيه، وكل ضربةٍ نحملها هي دفاعٌ عن شرفنا."
نظرت "ليلى" إلى وجوه رفاقها، رأت فيها مزيجاً من القلق والعزم. رأت "أحمد"، الفتى الذي لم يتجاوز العشرين، وعيناه ما زالتا تحملان براءة الطفولة، لكن يديه الآن تمسك بقوةٍ بسلاحٍ ثقيل. ورأت "فاطمة"، الأم التي تركت أطفالها في رعاية جيرانها، وقلبها معلقٌ بهم، لكن واجبها حتم عليها حمل السلاح. كانت "فاطمة" هي الأم الروحية للكتيبة، تواسي المتعب، وتشجع الخائف.
"ليلى،" نادى "مالك"، "معي. أريدكِ في رأس التشكيل." ارتعش قلب "ليلى" قليلاً. كانت تعرف أن العمل المباشر مع القائد يعني غالباً مواجهةً أشد خطورة. هزت رأسها إيجاباً، وشعرت بحرارةٍ تتسرب إلى وجهها. لم تكن مجرد جنديةٍ عادية؛ كانت لديها أحلامٌ خاصة، كانت تحمل في قلبها رجلاً أحبته بصمتٍ في زمنٍ لم يكن فيه للحب مجالٌ إلا بين صفوف الأمان.
قبل شهورٍ قليلة، في ذلك المخيم المؤقت للإغاثة، التقيت بـ"طارق". كان جريحاً، غارقاً في الدماء، لكن عينيه كانتا تحملان لمعاناً غريباً، لمعاناً يجمع بين الألم والأمل. كانت "ليلى" ضمن الفريق الطبي التطوعي، ووقعت يدها على جرحه لتضمد. في تلك اللحظات الأولى، في تلك اللمسة العابرة، شعرت بشيءٍ يتحرك في أعماقها، شيءٌ كانت قد ظنت أنه خبا إلى الأبد.
تحدثا قليلاً، بكلماتٍ قليلةٍ حملت الكثير. تحدث عن عائلته، عن حلمه ببناء مستقبلٍ آمنٍ لأطفاله، عن حبٍّ لوطنه لا يعرف الحدود. كانت "ليلى" تستمع، وقلبها يغوص في بحرٍ من المشاعر المكبوتة. كان "طارق" قد غادر بعد شفائه، ولم يعد لها منه سوى ذكرى، وصورةٌ احتفظت بها في جيب سترتها، صورةٌ باهتةٌ التقطت في يومٍ مشرق، قبل أن تلفهم غيوم الحرب.
"جهزوا السلاح،" أمر "مالك"، قاطعاً حبل أفكار "ليلى". بدأت الحركة. أصوات الأسلحة وهي تُعد، أصوات الخطوات المتناسقة، أصوات الهمهمات الخافتة. ارتفع صوت "مالك" مرةً أخرى: "تذكروا، نحن نحمل أمانة. أمانة هذا الشعب، أمانة هذا الوطن. فلنتوكل على الله، ونمضي قدماً."
تحرك التشكيل، بقيادة "ليلى" و"مالك". كانتا السنتان الأخيرتان أشبه بكابوسٍ متواصل. زلازلٌ سياسية، حروبٌ أهلية، ومجاعةٌ تضرب القلوب قبل الأجساد. ومع ذلك، استطاعت "كتيبة النور" أن تكون بصيص أملٍ في هذا الظلام. كانت "ليلى" قد شهدت الكثير، رأيت الموت بأم عينها، ورأيت الصمود يكسر قيود اليأس. لكن اليوم، كان شيئاً مختلفاً. كان هناك شعورٌ متزايدٌ بالخطر، بأن هذه الليلة قد تكون نقطة تحولٍ حقيقية.
وصلوا إلى نقطة المراقبة المتقدمة. كانت "ليلى" تراقب عبر منظارها، عيناها تبحثان في الظلام الدامس. كانت ترى الأضواء الخافتة للمدينة، وتتخيل البيوت التي ينام فيها أطفالٌ أبرياء، لم يذوقوا طعم الخوف بعد. تذكرت وجه "طارق"، وتمنت لو كان قريباً، لو كان معها في هذه الليلة. تذكرت وعودهم، الأحاديث التي دارت بينهم عن مستقبلٍ يجمعهم، مستقبلٍ بعيدٍ عن ضجيج الرصاص وصراخ الأيتام.
وفجأة، استقر المنظار على حركةٍ في الأفق. ظلالٌ تتحرك بسرعة، تتسلل عبر الأراضي الحرام. "القائد!" صاحت "ليلى" بصوتٍ خافتٍ ومستعد. "هناك شيءٌ يتحرك!"
شد "مالك" المنظار من يدها، وعاين بنفسه. كان صمته طويلاً، صمتٌ حمل أثقل من ألف كلمة. ثم قال بهدوءٍ قاتل: "إنهم يقتربون. استعدوا للمعركة."
ارتعشت "ليلى" مرةً أخرى، لكن هذه المرة لم يكن خوفاً، بل كانت طاقةً هائلةً تتجمع في عروقها. أمسكت بسلاحها بإحكام، ووضعت قلبها بين يديها. كانت مستعدة. مستعدةٌ لحماية ما تبقى، ومستعدةٌ للمضي قدماً، حتى لو كان طريقها مليئاً بالغبار والبارود، وحتى لو كان النداء في قلبها ينادي بشيءٍ آخر غير الحرب.