حب في زمن الحرب 163

همساتٌ في أروقة القدر

بقلم فاطمة النجار

كانت رياحُ الشتاءِ تلفحُ وجهَ المدينةِ الساكنةِ، تحملُ معها برودةً تتسللُ إلى العظامِ، لكنَّ قلبَ نورٍ كانَ يشعُّ بدفءٍ داخليٍّ لم تستطعْ رياحُ البردِ أنْ تطفئَهُ. منذُ تلكَ الليلةِ المشؤومةِ، التي اقتحمتْ فيها الأصواتُ المرتفعةُ والاتهاماتُ الباطلةُ أسوارَ منزلِها، لم تعدْ الأيامُ كما كانت. لقدْ اكتشفتْ هشاشةَ اليقينِ، ومرارةَ الظلمِ، وصعوبةَ الدفاعِ عنْ نفسٍ بريئةٍ وسطَ غابةٍ منْ الشكوكِ.

في تلكَ الليلةِ، عندما وقفَ والدُها، السيدُ أحمد، شاحبَ الوجهِ، وعيناهُ تلمعانِ بمزيجٍ منْ الغضبِ والحزنِ، أمامَ أعينِها، شعرتْ وكأنَّ الأرضَ انشقتْ وتبلعتْها. كلماتُ جدتِها، الحاجةَ فاطمة، كانتْ كحدِّ السكينِ، تقطِّعُ خيوطَ الثقةِ التي نسجتْها السنينُ. "لقدْ رأيتُهُ بنفسي، يا ابنتي. الشابُّ الغريبُ يخرجُ منْ غرفةِ أختِكِ." كانتْ تلكَ الجملةُ، بريئةً في ظاهرِها، لكنَّها حملتْ معها حملاً ثقيلاً منْ سوءِ الفهمِ والتفسيراتِ الخاطئةِ.

لمْ يكنْ سهلاً على نورٍ أنْ تفهمَ لماذا أسرعتْ جدتُها إلى استنتاجٍ كهذا. كانتْ تعلمُ علمَ اليقينِ أنَّ زينب، أختَها الصغرى، لمْ تفعلْ ما يُلامُ عليهِ، وأنَّ وجودَ الشابِّ، وهوَ زميلُها في العملِ، كانَ لسببٍ وجيهٍ. لكنَّ جَدَّتَها، بصرامتها المعهودةِ وقلبِها الذي لا يرحمُ الأخطاءَ، كانتْ قدْ حكمتْ بالفعلِ.

أما والدُها، الذي كانَ دائماً ملاذَها الأولَ، فقدْ بداَ عليهِ الارتباكُ. لمْ يكنْ يصدقُ كلماتِ جدتِها بسهولةٍ، لكنَّهُ أيضاً لمْ يستطعْ أنْ يتجاهلَ اتهامَها الصريحَ. كانَ عالقاً بينَ ولائِه لابنتِه وبينَ احترامهِ لوالدتِهِ. كانَ يرى في عيني نورٍ براءةً لا تُنكرُ، لكنَّهُ لمْ يجدْ الكلماتِ المناسبةَ ليُسكتَ بها جَدَّتَهُ.

اليومَ، وبعدَ مرورِ أيامٍ على تلكَ الحادثةِ، كانتْ نورُ تجلسُ في غرفتِها، تحدِّقُ في كتابٍ مفتوحٍ دونَ أنْ تقرأَ حرفاً واحداً. كانتْ تشعرُ بثقلِ المسؤوليةِ يقعُ على عاتقِها. كانتْ زينبُ، على الرغمِ منْ صغرِ سنِّها، تشعرُ بالخجلِ والذنبِ، وكأنَّها هيَ منْ ارتكبَ الخطأَ. كانتْ تبتعدُ عنْ نورٍ، وعيناها تحملانِ نظرةَ اعتذارٍ صامتٍ.

"زينبُ، يا حبيبتي." نادتْها نورُ بصوتٍ حنونٍ، حاولتْ أنْ تُظهرَ فيهِ كلَّ الاطمئنانِ. التفتتْ زينبُ، وعيناها تلمعانِ بالدموعِ. "نعمْ، أختي؟" "لا تبكي، يا غاليتي. أنتِ لمْ ترتكبي أيَّ خطأٍ." "لكنَّ جدتي... لقدْ قالتْ..." بدأتْ زينبُ، صوتُها يرتعشُ. "جدتي، أحبُّها، لكنَّها لمْ تفهمْ." أكملتْ نورُ، وهيَ تُمسكُ بيدِ أختِها. "لمْ تفهمْ أنَّكَ كنتِ تتحدثينَ معَ زميلِكِ في العملِ حولَ مشروعٍ هامٍّ، وأنَّهُ كانَ يجبُ عليكِ إنهاءُ العملِ متأخراً. وهذا كلُّ ما في الأمرِ."

كانتْ نورُ تشعرُ بأنَّ عليها أنْ تكونَ صخرةً صامدةً، ليسَ فقطْ منْ أجلِ زينبِ، بلْ منْ أجلِ سمعةِ العائلةِ بأكملِها. كانتْ تعلمُ أنَّ والدتَها، السيدةَ ليلى، كانتْ تشعرُ بالضيقِ أيضاً، لكنَّها كانتْ منْ النوعِ الذي يُفضِّلُ الصمتَ وتجنبَ المواجهةِ.

في تلكَ الأثناءِ، وصلَ والدُها إلى غرفتِها، حاملاً معه كوبينِ منَ الشايِّ. وضعَ أحدهما أمامَ نورِ، وجلسَ بجانبِها. "كيفَ حالُكِ يا بنيتي؟" سألَ بصوتٍ مرهقٍ. "بخيرٍ، يا أبي." أجابتْ نورُ، لكنَّ صوتَها كانَ يحملُ نبرةً منَ الحزنِ. "أنا آسفٌ، يا نورُ." قالَ والدُها، وعيناهُ تلتقيانِ بعينيها. "آسفٌ لأنَّني لمْ أستطعْ حمايتَكِ منْ تلكَ الاتهاماتِ. جدتُكِ... تعرفينَها." "أعلمُ يا أبي. لكنَّني لمْ أكنْ أتوقعُ هذا منْ جدتي." "إنَّها تحبُّكِ، يا نورُ. لكنَّها في بعضِ الأحيانِ تنظرُ إلى الأمورِ منْ زاويةٍ ضيقةٍ." قالَ، وهوَ يُقلِّبُ كوبَ الشايِّ ببطءٍ. "هلْ يمكنُ أنْ تشرحي لي الأمرَ مرةً أخرى؟ بصراحةٍ، لمْ أكنْ أستوعبُ كلَّ ما حدثَ في تلكَ الليلةِ."

بدأتْ نورُ تسردُ القصةَ مجدداً، بصوتٍ هادئٍ وواضحٍ. شرحتْ كيفَ أنَّ المشروعَ الذي كانتْ تعملُ عليهِ زينبُ كانَ يتطلبُ جهداً إضافياً، وكيفَ أنَّ زميلَها، الأستاذَ خالد، كانَ يساعدُها في إنهاءِ بعضِ التفاصيلِ التقنيةِ. أكدتْ على أنَّهُ لمْ يكنْ هناكَ أيُّ شيءٍ خارجَ إطارِ العملِ. استمعَ إليها والدُها باهتمامٍ، وكانَ يرى في عينيهِ مزيداً منَ الاقتناعِ. "هلْ تعرفُ السيدةَ عائشةَ، والدةَ الأستاذِ خالد؟" سألَ فجأةً. استغربتْ نورُ السؤالَ. "لا، لمْ أقابلْها." "أظنُّ أنَّني سأزورُها غداً. ربما يمكنُ أنْ نتحدثَ معَها. إنَّها سيدةٌ فاضلةٌ، وأعتقدُ أنَّها ستُقدرُ الوضعَ." قالَ والدُها، وعيناهُ تلمعانِ بنورٍ جديدٍ منَ الأملِ. "علينا أنْ نُعيدَ الأمورَ إلى نصابِها."

كانتْ تلكَ بدايةَ الخيطِ الذي بدأتْ نورُ تشدُّهُ، أملاً في إظهارِ الحقيقةِ. كانتْ تعلمُ أنَّ الطريقَ ليسَ سهلاً، وأنَّ جدتَها قدْ تكونُ عنيدةً، لكنَّها لمْ تستطعْ أنْ تسمحَ لهذهِ الشبهةِ بأنْ تُلوِّثَ سمعةَ أختِها، أوْ أنْ تُفسدَ العلاقاتِ العائليةَ.

وفي صباحِ اليومِ التالي، وبينما كانتْ أشعةُ الشمسِ الذهبيةِ تخترقُ نوافذَ المنزلِ، كانتْ نورُ تُرتِّبُ أوراقَ العملِ استعداداً ليومِها. طرقَ بابُ غرفتِها بهدوءٍ. "تفضَّلْ." قالتْ. دخلَ الأستاذُ خالد، بوجهٍ بشوشٍ ونظرةٍ تحملُ احتراماً عميقاً. كانَ يرتدي زياً رسمياً أنيقاً، وشعرتْ نورُ بالارتياحِ لوجودِهِ. "صباحُ الخيرِ، يا أستاذةَ نورُ." قالَ. "صباحُ الخيرِ، أستاذَ خالد. تفضَّلْ." "أتيتُ لأعتذرَ عنْ أيِّ إزعاجٍ قدْ سببهُ هذا الموقفُ لزينبِ ولكمْ." قالَ، وعيناهُ تنظرانِ إليها مباشرةً. "لمْ أكنْ أتوقعُ أنْ تتحوَّلَ مساعدةٌ بسيطةٌ إلى هذا الحدِّ منَ المشاكلِ. لقدْ تحدثتُ معَ والدتي، وأخبرتْني أنها سمعتْ بعضَ الهمساتِ. لقدْ شعرتُ بأسفٍ شديدٍ."

"لا عليكَ، أستاذَ خالد. الأمورُ ليستْ دائماً كما تبدو." قالتْ نورُ، وهيَ تُشيرُ لهُ بالجلوسِ. "نحنُ نقدرُ مساعدتَكَ لزينبِ. المشكلةُ ليستْ فيكَ، بلْ في سوءِ الفهمِ." "أتفهمُ تماماً." أجابَ. "هلْ هناكَ أيُّ شيءٍ يمكنُ أنْ أفعلهُ لتوضيحِ الأمرِ؟ أنا على استعدادٍ تامٍّ." "لقدْ تحدثتُ معَ والدي. وسيقومُ بزيارةِ والدتِكَ قريباً. ربما الحديثُ معَها سيكونُ مفيداً." "بالتأكيدِ. سأكونُ سعيداً جداً بذلكَ. والدتي تحترمُ جداً العائلاتِ التي تُقدرُ القيمَ. وأنا متأكدٌ أنها ستُقدرُ تفسيرَكُم."

شعرتْ نورُ ببعضِ الارتياحِ. كانَ وجودُ الأستاذِ خالد، وصراحتُهُ، ودعمُ والدِها، كلُّها أمورٌ تُبشِّرُ بخيرٍ. لكنَّها كانتْ تعلمُ أنَّ هذا مجردُ بدايةٍ. الجدَّةُ كانتْ عقبةً كبيرةً، والخوفُ منْ تكرارِ الأخطاءِ الماضيةِ كانَ يتربصُ بها. كانتْ ترنو إلى يومٍ تعودُ فيهِ الثقةُ إلى قلوبِ أفرادِ عائلتِها، ويعودُ الهدوءُ إلى أروقةِ منزلِها.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%