حب في زمن الحرب 163

خيوطُ الماضي المتشابكة

بقلم فاطمة النجار

كانَ الصمتُ يلفُّ منزلَ السيدِ أحمدِ، صمتٌ ثقيلٌ لا يعكسُ سوى اضطرابٍ داخليٍّ عميقٍ. لمْ تعدْ الأحاديثُ اليوميةُ تحملُ الضحكاتِ التي كانتْ تملأُ المكانَ، بلْ أصبحتْ مقتضبةً، محملةً بالترددِ والقلقِ. بعدَ لقاءِ الأستاذِ خالدِ، شعرتْ نورُ ببعضِ الأملِ، لكنَّها كانتْ تدركُ جيداً أنَّ المشكلةَ لمْ تُحلَّ بالكاملِ. جدتُها، الحاجةُ فاطمة، كانتْ تمثِّلُ العقبةَ الأكبرَ، بشخصيتِها العنيدةِ ورؤيتِها للعالمِ التي تتسمُ بالحذرِ الشديدِ.

في تلكَ الليلةِ، بينما كانتْ الأسرةُ مجتمعةً حولَ مائدةِ العشاءِ، شعرتْ نورُ بأنَّ الهواءَ مشحونٌ بالتوترِ. والدُها كانَ يُقلِّبُ طعامَهُ بصمتٍ، وجدَّتُها كانتْ تُحدِّقُ في الفراغِ، وكأنَّها تفكرُ في أمورٍ بعيدةٍ. زينبُ كانتْ صامتةً، تتجنبُ النظرَ إلى أحدٍ، وشعرتْ نورُ بمسؤوليةٍ إضافيةٍ لتهيئةِ الأجواءِ. "كيفَ كانَ يومُكِ يا جدتي؟" سألتْ نورُ بصوتٍ حاولتْ أنْ تجعلَهُ سعيداً. نظرتْ إليها جدتُها ببرودٍ. "كالطبيعيِّ. لا جديدَ." "أتذكرينَ أنَّ الحاجةَ أمينةَ، جارتَنا القديمةَ، قدْ أرسلتْ لي دعوةً لحضورِ حفلِ زفافِ حفيدتِها الأسبوعَ القادمَ؟" قالتْ، محاولةً تغييرَ الموضوعِ. "وهلْ ستذهبينَ؟" سألتْ جدتُها، بنبرةٍ لا تخلو منَ الشكِّ. "طبعاً، يا جدتي. إنَّها عزيزةٌ عليَّ. وربما سنقابلُ فيها بعضَ الأصدقاءِ القدامى."

كانتْ نورُ تعلمُ أنَّ هذهِ الدعوةَ قدْ تكونُ فرصةً للقاءٍ معَ والدةِ الأستاذِ خالدِ. لقدْ علمتْ منْ والدِها أنَّ الحاجةَ أمينةَ كانتْ تعرفُ السيدةَ عائشةَ منذُ زمنٍ طويلٍ، وأنَّ هناكَ علاقةً صداقةٍ قديمةً بينَ العائلتينِ.

في اليومِ التالي، وبينما كانتْ نورُ تُرتِّبُ أوراقَها في مكتبِ والدِها، دخلَ السيدُ أحمدُ، يبدو عليهِ بعضُ القلقِ. "يا بنيتي، لقدْ تحدثتُ معَ والدةِ الأستاذِ خالدِ، السيدةَ عائشةَ." قالَ، وبداَ عليهِ بعضُ الإرهاقِ. "وماذا قالتْ؟" سألتْ نورُ، وهيَ تشعرُ بقلبِها يخفقُ. "لقدْ كانتْ لطيفةً جداً. شرحتُ لها الأمرَ، وأنَّ زينبَ مجردُ فتاةٍ مجتهدةٍ، وأنَّ الأستاذَ خالدَ كانَ يساعدُها في عملِها. لكنَّها... بدتْ مترددةً قليلاً." "لماذا؟" "لأنَّها قالتْ إنَّ جدتَكِ، الحاجةَ فاطمةَ، قدْ تحدثتْ معَها قبلَ أنْ أتصلَ أنا. لقدْ سمعتْ منْ جدتِكِ شيئاً مختلفاً تماماً." قالَ السيدُ أحمدُ، وقدْ ارتسمَ على وجهِهِ خيبةُ أملٍ واضحةٌ. "جدتُكِ، يا نورُ، بصراحةٍ، لقدْ نقلتْ لها صورةً لا أعلمُ منْ أينَ أتتْ بها. صورةٌ تجعلُ الأمرَ يبدو خطيراً."

شعرتْ نورُ بالضيقِ. لقدْ كانتْ تعلمُ أنَّ جدتَها قدْ تكونُ قاسيةً، لكنَّها لمْ تتوقعْ منها أنْ تُسببَ كلَّ هذا الأذى. "ماذا قالتْ جدتي للسيدةِ عائشةَ؟" "لمْ تُعطِني تفاصيلَ دقيقةً، لكنَّها ألمحتْ إلى أنَّ هناكَ تاريخاً في العائلةِ يجعلُها حذرةً جداً منْ أيِّ شبهةٍ. يبدو أنَّ جدتَكِ لا تزالُ تحملُ ضغينةً قديمةً." "ضغينةً قديمةً؟" استغربتْ نورُ. "عنْ أيِّ ضغينةٍ تتحدثُ؟" "لا أعرفُ بالضبطَ. لكنَّها ذكرتْ شيئاً عنْ والدتِها، وكيفَ تأذتْ في الماضي بسببِ سوءِ سمعةٍ. يبدو أنَّها تُسقطُ ماضيها على حاضرِنا."

بدأتْ نورُ تشعرُ بأنَّ الأمورَ أكثرُ تعقيداً مما كانتْ تتخيلُ. لمْ يكنْ الأمرُ مجردَ سوءِ فهمٍ بسيطٍ، بلْ كانَ متجذراً في تاريخِ العائلةِ. تذكرتْ قصصاً كانتْ تسمعُها عنْ جدةِ جدتِها، وكيفَ أنَّها تعرضتْ لظلمٍ كبيرٍ في شبابِها، مما أثرَ على سمعتِها وسمعةِ عائلتِها. يبدو أنَّ هذهِ الذاكرةَ المؤلمةَ كانتْ لا تزالُ تُسيطرُ على تفكيرِ جدتِها.

"أبي، هلْ يمكنُ أنْ نطلبَ منْ السيدةَ عائشةَ أنْ تتحدثَ معَ جدتي مباشرةً؟" اقترحتْ نورُ. "ربما إذا سمعتْ أنَّ الأمورَ قدْ تفاقمتْ، قدْ تُعيدُ النظرَ في مواقفِها." "فكرةٌ جيدةٌ. سأحاولُ ذلكَ. لكنْ كنْ مستعداً، يا نورُ، ربما لنْ تتجاوبَ جدتُكِ بسهولةٍ."

في تلكَ الأثناءِ، كانتْ زينبُ قدْ أصبحتْ أكثرَ انطواءً. كانتْ تقضي معظمَ وقتِها في غرفتِها، تقرأُ الكتبَ أوْ ترسمُ. كانتْ نورُ تحاولُ أنْ تُقربَ المسافاتِ بينَهُما، لكنَّ زينبَ كانتْ تبدو وكأنَّها غارقةٌ في عالمِها الخاصِّ. "زينبُ، هلْ تريدينَ الذهابَ معنا إلى السوقِ غداً؟" سألتْ نورُ ذاتَ مساءٍ. "لا، أختي. أفضلُ البقاءَ هنا." أجابتْ زينبُ، وعيناها تبدوانِ باهتتينِ. "لماذا؟ هلْ تشعرينَ بأنَّكِ وحدكِ؟" "أشعرُ بأنَّ الجميعَ ينظرُ إليَّ بشكلٍ مختلفٍ. أشعرُ بأنَّني أصبحتْ شخصاً مختلفاً في أعينِ الجميعِ." "هذا غيرُ صحيحٍ، يا حبيبتي. أنتِ زينبُ التي نعرفُها، زينبُ الطيبةُ والمجتهدةُ." "لكنَّ جدتي... إنَّها لا تزالُ تنظرُ إليَّ بغضبٍ." "جدتي، قدْ تكونُ متأثرةً ببعضِ الأمورِ. لكنَّها تحبُّكِ. كلُّ ما في الأمرِ أنَّنا نحتاجُ إلى بعضِ الوقتِ لتوضيحِ الأمورِ."

كانتْ نورُ تشعرُ بمسؤوليةٍ كبيرةٍ تجاهَ أختِها. كانتْ تعلمُ أنَّ هذهِ التجربةَ القاسيةَ قدْ تركتْ آثاراً عميقةً في نفسِ زينبَ، وأنَّ عليها أنْ تكونَ سنداً لها.

في الأيامِ التاليةِ، ازدادتْ حالةُ التوترِ في المنزلِ. كانتْ جدةُ نورِ، الحاجةُ فاطمة، قدْ بدأتْ تُظهرُ علاماتِ الاستياءِ والغضبِ بشكلٍ علنيٍّ. كانتْ تتحدثُ بصوتٍ عالٍ عنْ "انحرافِ الأخلاقِ" و "تدهورِ القيمِ"، وكانتْ تُلمِّحُ إلى أنَّ هذهِ المشاكلَ قدْ تكونُ سبباً في "نحسٍ" يصيبُ العائلةَ.

أكثرُ ما آلمَ نورَ هوَ رؤيةُ والدِها يتألمُ. كانَ السيدُ أحمدُ يحاولُ جاهداً أنْ يُصلحَ بينَ والدتِهِ وابنتِهِ، لكنَّهُ كانَ يشعرُ بأنَّهُ عالقٌ في دوامةٍ لا مخرجَ منها. "يا أبي، ألا يوجدُ حلٌّ؟" سألتْ نورُ ذاتَ يومٍ، وهيَ تجلسُ في غرفتِهِ. "حاولتُ كلَّ شيءٍ، يا بنيتي. جدتُكِ عنيدةٌ جداً. يبدو أنَّها قررتْ أنَّ زينبَ مخطئةٌ، ولنْ تتغيرَ عنْ رأيِها بسهولةٍ." "لكنَّ هذا ليسَ عدلاً. هذا يضرُّ بنا جميعاً." "أعلمُ يا نورُ. لكنَّ في بعضِ الأحيانِ، لا نستطيعُ تغييرَ الناسِ، بلْ يجبُ أنْ نُحاولَ التأقلمَ معَهم، وأنْ نحافظَ على سلامِنا الداخليِّ."

كانتْ تلكَ الكلماتُ بمثابةِ صدمةٍ لنورٍ. هلْ يعني هذا أنَّها يجبُ أنْ تستسلمَ؟ أنْ تقبلَ الظلمَ الواقعَ على أختِها؟ استشعرتْ في تلكَ اللحظةِ أنَّ عليها أنْ تكونَ أقوى، وأنَّ الصمتَ ليسَ حلاً.

في مساءٍ أحدِ الأيامِ، بينما كانتْ نورُ تُرتِّبُ أوراقَها، سمعتْ صوتاً قادماً منْ غرفةِ جدتِها. كانَ صوتُ جدتِها، يتحدثُ معَ سيدةٍ على الهاتفِ. انتبهتْ نورُ إلى بعضِ الكلماتِ التي كانتْ تُقالُ، وبدأتْ تدركُ أنَّ جدتَها كانتْ تتحدثُ عنْ ماضيها، عنْ قصةٍ قديمةٍ مؤلمةٍ.

"لا، لمْ أستطعْ أنْ أغفرَ لهُ أبداً... لقدْ دمرَ سمعتَنا... وكانَ يجبُ أنْ أحميَ ابنتي منْ هذهِ الحياةِ القاسيةِ..." كانتْ كلماتُ جدتِها تحملُ الكثيرَ منَ الألمِ والغضبِ.

أدركتْ نورُ في تلكَ اللحظةِ أنَّ جدتَها لمْ تكنْ تُحاسبُ زينبَ على فعلٍ ارتكبتْهُ، بلْ كانتْ تُعيدُ تمثيلَ جرحٍ قديمٍ، وتُحاولُ أنْ تُحمِّيَ عائلتَها بطريقتِها الخاصةِ. لكنَّ هذهِ الطريقةَ كانتْ مؤذيةً.

شعرتْ نورُ بأنَّ عليها أنْ تفعلَ شيئاً. لمْ يكنْ منْ الممكنِ أنْ تسمحَ لخيوطِ الماضي المتشابكةِ بأنْ تُدمِّرَ حاضرَهم. كانَ عليها أنْ تجدَ طريقةً لمواجهةِ جدتِها، ليسَ بالعنادِ، بلْ بالفهمِ والتفهمِ، لعلهُ يكونُ هناكَ طريقٌ للشفاءِ.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%