حب في زمن الحرب 163
مفترقُ طرقٍ نحو النور
بقلم فاطمة النجار
كانتْ ليالي الشتاءِ الطويلةَ تُلقي بظلالِها على أرواحِ أبطالِنا، تزيدُ منْ وطأةِ الهمومِ وتُعمِّقُ منْ شعورِ العزلةِ. بعدَ أنْ أدركتْ نورُ مدى عمقِ جراحِ جدتِها، شعرتْ بحاجةٍ ملحةٍ إلى تغييرِ استراتيجيتِها. لمْ يعدْ الصمتُ أوْ المحاولاتُ المباشرةُ للتصحيحِ مجديةً. كانَ عليها أنْ تتعاملَ معَ الجذورِ، لا معَ الأعراضِ.
في صباحِ اليومِ التالي، وبعدَ أنْ أعدَّتْ والدتُها، السيدةُ ليلى، الفطورَ، جلستْ نورُ بجانبِ جدتِها، وهيَ تُمسكُ بيدِها الدافئةِ. "جدتي العزيزةُ،" بدأتْ نورُ بصوتٍ هادئٍ وحنونٍ. "لقدْ كنتُ أفكرُ كثيراً في الأيامِ الماضيةِ. وأدركتُ شيئاً." رفعتْ جدتُها حاجبيها، بفضولٍ مختلطٍ بالحذرِ. "أعلمُ أنَّكِ مررتِ بالكثيرِ منَ الصعابِ في حياتِكِ، وأنَّ هناكَ جروحاً عميقةً لمْ تلتئمْ بعدُ." تابعتْ نورُ، وهيَ تنظرُ إلى عيني جدتِها. "لكنَّ هذا لا يعني أنَّ الماضي يجبُ أنْ يُسيطرَ على حاضرِنا." "ماذا تقصدينَ؟" سألتْ الحاجةُ فاطمةُ، بصوتٍ بداَ أقلَّ قسوةً منَ المعتادِ. "أقصدُ يا جدتي، أنَّ زينبَ، أختي، ليستْ والدتَكِ. وأنَّ الظروفَ التي مرتْ بها والدتُكِ ليستْ هيَ الظروفُ التي تمرُّ بها زينبُ الآنَ." "لكنَّ المبادئَ تبقى هيَ هيَ." قاطعتْ جدتُها، بنبرةٍ لا تزالُ تحملُ شيئاً منَ العنادِ. "المبادئُ لا تتغيرُ، يا جدتي، ولكنَّ تطبيقَها يتطلبُ فهماً للواقعِ. زينبُ فتاةٌ طيبةٌ، تحاولُ أنْ تبنيَ مستقبلَها. وهيَ لا تستحقُّ أنْ تُعاقبَ على أخطاءٍ لمْ ترتكبْها، لمجردِ أنَّ هناكَ شبهاً بينَ ظروفِها وظروفِ والدتِكِ."
كانتْ كلماتُ نورُ مُغلفةً بالحبِّ والاحترامِ، ولمْ تحملْ أيَّ اتهامٍ مباشرٍ. كانتْ تُحاولُ أنْ تُوصلَ رسالةً مفادُها أنَّها تفهمُ ألمَ جدتِها، ولكنَّها لا تستطيعُ أنْ تسمحَ لهذا الألمِ بأنْ يُؤذيَ جيلاً جديداً.
نظرتْ الحاجةُ فاطمةُ إلى حفيدتِها، ورأتْ في عينيها صدقاً وحكمةً فاقتْ سنَّها. تنهدتْ بعمقٍ. "لقدْ عانيتُ كثيراً في شبابي، يا نورُ. لقدْ رأيتُ كيفَ يمكنُ لكلمةٍ، نظرةٍ، أنْ تُدمِّرَ حياةَ فتاةٍ. ولنْ أسمحَ لأيِّ أحدٍ أنْ يُكررَ ما حدثَ لوالدتي." "وأنا أقدرُ ذلكَ، يا جدتي. أقدرُ خوفَكِ على العائلةِ. لكنَّ عالمَنا اليومَ مختلفٌ. الناسُ لديهمَ وعيٌ أكبرُ. والأمورُ التي كانتْ تُعتبرُ عيباً في الماضي، قدْ تكونُ اليومَ أمراً طبيعياً. زينبُ، أختي، تعيشُ في هذا العالمِ. وعليها أنْ تستطيعَ أنْ تبنيَ حياتَها دونَ خوفٍ منْ حكمِ الآخرينَ."
لمْ تُجبْ الحاجةُ فاطمةُ فوراً. نظرتْ إلى الخارجِ، إلى حديقةِ المنزلِ التي بدأتْ تُزهرُ في بدايةِ الربيعِ، وكأنَّ الطبيعةَ تُعانقُها برسائلِ الأملِ. "أنا... أنا لا أعلمُ ما أقولُ." قالتْ أخيراً، وبداَ صوتُها أكثرَ ليناً. "لقدْ اعتدتُ على أنْ أرى الأمورَ بطريقةٍ معينةٍ." "وهذا طبيعيٌّ، يا جدتي. لكنَّ الحياةَ تتغيرُ، ونحنُ أيضاً يجبُ أنْ نتغيرَ معَها. هلْ يمكنُ أنْ نُعطيَ زينبَ فرصةً؟ أنْ نراها بعينِ الرحمةِ والقلبِ المتفهمِ؟"
كانتْ هذهِ الكلماتُ بمثابةِ المفترقِ. مفترقِ طرقٍ بينَ الماضي والحاضرِ، بينَ الجمودِ والتجديدِ. شعرتْ نورُ بأنَّها فتحتْ باباً، لكنَّها كانتْ تعلمُ أنَّ الخطوةَ التاليةَ هيَ الأكثرُ صعوبةً.
في تلكَ الأثناءِ، كانَ والدُها، السيدُ أحمدُ، يعملُ على خطةٍ أخرى. لقدْ قررَ أنْ يدعو والدةَ الأستاذِ خالدِ، السيدةَ عائشةَ، إلى حفلِ زفافِ ابنةِ الحاجةِ أمينةَ. كانَ يأملُ أنْ يكونَ هذا اللقاءُ فرصةً لتوضيحِ الأمورِ وجهاً لوجهٍ، في أجواءٍ أكثرَ هدوءاً واحتفالاً.
"أعتقدُ أنَّ هذا اللقاءَ قدْ يكونُ مفيداً،" قالَ السيدُ أحمدُ لنورٍ. "إذا استطعتُ أنْ أتحدثَ معَ السيدةِ عائشةَ، وأنْ أشرحَ لها الأمرَ بوضوحٍ، ربما يمكنُ أنْ تُقنعَ جدتَكِ." "أتمنى ذلكَ يا أبي. جدتي متأثرةٌ جداً بكلامِ السيدةِ عائشةَ، لأنَّها تثقُ برأيها." "نعم، ولهذا يجبُ أنْ نُعطيَ السيدةَ عائشةَ الصورةَ الكاملةَ، الصورةَ التي تُظهرُ براءةَ زينبَ، واجتهادَها."
بعدَ أيامٍ، جاءَ الردُّ منَ الحاجةِ أمينةَ. لقدْ وافقتْ على حضورِ السيدةِ عائشةَ لحفلِ الزفافِ. شعرَ السيدُ أحمدُ ببعضِ الارتياحِ. هذهِ كانتْ خطوةً نحو الأمامِ.
لكنَّ المفاجأةَ الكبرى جاءتْ منْ حيثُ لمْ تتوقعْها نورُ. في يومٍ منْ الأيامِ، وجدتْ زينبُ على مكتبِها في غرفتِها، ورقةً صغيرةً. كانتْ الرسالةُ مكتوبةً بخطِّ يدِ جدتِها، الحاجةِ فاطمةَ. "زينبُ، ابنتي. لقدْ علمتُ أنَّكِ فتاةٌ مجتهدةٌ. وإنْ كنتُ قدْ بالغتُ في حذري، فسامحيني. الغدُ أجملُ إذا بدأتْ شمسُهُ بالظهورِ. جدتُكِ."
كانتْ تلكَ الكلماتُ بمثابةِ انفجارٍ منَ المشاعرِ لزينبَ. لقدْ شعرتْ وكأنَّ عبئاً ثقيلاً قدْ أُزيحَ عنْ كاهلِها. بدأتْ عيناها تلمعانِ بالدموعِ، لكنَّ هذهِ المرةَ كانتْ دموعَ الفرحِ والارتياحِ.
أخذتْ الرسالةَ وركضتْ إلى نورٍ. "انظري، انظري يا نورُ!" صاحتْ، والصوتُ يرتعشُ منَ الفرحِ. قرأتْ نورُ الرسالةَ، وشعرتْ بفرحةٍ غامرةٍ. لقدْ أثمرتْ جهودُها، وأثمرَ تفهُّمُ والدِها. لقدْ نجحتْ في فتحِ بابٍ جديدٍ. "الحمدُ للهِ!" قالتْ نورُ، وهيَ تُعانقُ أختَها. "لقدْ فعلتِها يا زينبُ! لقدْ استطعتِ أنْ تُظهريَ لهمْ منْ أنتِ حقاً."
ابتسمتْ زينبُ، وكانتْ تلكَ أولَ ابتسامةٍ حقيقيةٍ تظهرُ على وجهِها منذُ فترةٍ طويلةٍ. "لقدْ كانَ حبُّكِ لي، ودعمُكِ، هوَ ما أعطاني القوةَ، يا نورُ."
كانتْ تلكَ لحظةً فارقةً. شعرتْ نورُ بأنَّها على وشكِ العودةِ إلى طبيعتِها، وأنَّ هذهِ التجربةَ، رغمَ قسوتِها، قدْ جعلتْهم أقوى وأكثرَ تماسكاً. لكنَّها كانتْ تعلمُ أنَّ الطريقَ لا يزالُ طويلاً، وأنَّ هناكَ خطواتٍ أخرى يجبُ اتخاذُها لترسيخِ هذا التغييرِ.