حب في زمن الحرب 163
رياح التغيير ووشوشات القدر
بقلم فاطمة النجار
في عصرٍ غاب فيه دفء الأمان، وصار الأمن فيه سلعة نادرة، وحيث تعصف رياح الحرب بلا هوادة، كانت القلوب تتشبث بخيوط الأمل لتنير دروبها المظلمة. في ذلك الزمن المضطرب، وسط صخب المدينة الذي لم يهدأ قط، كانت "ليلى" تلملم شتات روحها، تحاول أن تجد لها موطئ قدم في عالمٍ بدا وكأنه يلفظ أنفاسه الأخيرة. بيتها، الذي كان ملاذها الآمن، أصبح الآن أشبه بقفصٍ فضفاض، تحده جدران الخوف من المستقبل المجهول.
كانت الأيام تمر ثقيلة، كل صباح يحمل معه قلقاً جديداً، وكل مساء يلقي بظلاله القاتمة على أحلامها. لم تكن مجرد حربٌ تدور رحاها في الخارج، بل كانت حربٌ خفية تعصف بداخلها، حربٌ بين الرغبة في الاستسلام لليأس، وبين شعلة الإيمان التي تتوقد بداخلها. كانت تبحث عن معنى، عن بصيص نورٍ في ذلك الظلام الدامس.
وذات ظهيرةٍ مشمسة، رغم غبار الحرب الذي يخنق الأنوف، قررت ليلى الخروج من دائرة عزلتها. لبست ثوبها الفضفاض، واحتشت حجابها بعناية، ثم انطلقت نحو سوق المدينة القديم، حيث يعج بالحياة، رغم كل شيء. كانت رائحة التوابل العطرة تختلط برائحة الدخان الخفيف، وأصوات الباعة المتجولين تملأ المكان، معلنةً عن صمودٍ وبقاء.
كانت تسير بخطواتٍ واثقة، عيناها تتأملان تفاصيل الحياة التي تحاول أن تتسلل إلى ما وراء جدران الدمار. مرت بمتجرٍ صغيرٍ لبيع الكتب العتيقة، جذبها غلافٌ قديمٌ مزينٌ برسومٍ هندسيةٍ دقيقة. فتحت الصفحة الأولى، لتستقبلها كلماتٌ نسجت ببراعة، تتحدث عن قصص حبٍ خالدة، وعن صبرٍ جميلٍ أثمر في نهاية المطاف. شعرت بقلبها يرتعش، وكأن تلك الكلمات وُجّهت إليها خصيصاً.
بينما كانت غارقةً في قراءة المقطع، سمعت صوتاً قوياً يناديها: "آنسة ليلى؟ هل أنتِ هنا؟"
التفتت ليلى، فوجدت "أحمد" يقف أمامها، يبتسم ابتسامةً دافئة، حملت معها شعوراً بالألفة والاطمئنان. أحمد، ذلك الشاب الذي عرفته منذ طفولتهما، والذي أصبح صديقاً مقرباً لها في أشد الأوقات صعوبة. كان يمتلك روحاً طيبة، وقلباً رحيماً، ورؤيةً ثاقبةً للحياة، وإن كانت تمر بظروفٍ قاسية.
"أهلاً بك يا أحمد. لم أتوقع أن أراك هنا اليوم." قالت ليلى، محاولةً أن تخفي اضطرابها الداخلي.
"وكم يسعدني أن أجدكِ في هذا المكان. أردت أن أتفقّد أحوالكِ، فقد مرّت أيامٌ منذ آخر لقاءٍ جمعنا." قال أحمد، وعيناه تبحثان في وجهها عن أي علامةٍ تدل على ضيقٍ أو حزن.
"الحمد لله، كل شيءٍ على ما يرام." أجابت ليلى، ولكن أحمد استطاع أن يقرأ ما وراء كلماتها.
"أعلم أن الظروف ليست سهلة، ولكنكِ دائماً ما تملكين قوةً بداخلِكِ. هل وجدتِ شيئاً يثير اهتمامكِ في هذا المتجر؟" سأل أحمد، مشيراً إلى الكتاب الذي بين يديها.
"هذا الكتاب يبدو مثيراً للاهتمام. إنه يتحدث عن قصصٍ تحمل في طياتها دروساً قيمة." قالت ليلى، ثم أضافت بصوتٍ خفيض: "أحتاج إلى مثل هذه الدروس الآن."
ابتسم أحمد وقال: "إذاً، لندخل ونتحدث قليلاً. لعلي أجد ما يساندكِ في هذه الكلمات. وأنا أيضاً، لديّ ما أودّ أن أشاركَكِ إياه، فبعض الأخبار قد تحتاج إلى أذنٍ صاغية وقلبٍ متفهم."
تسلل الشك إلى قلب ليلى. ماذا يمكن أن يكون لدى أحمد ليشاركه إياه؟ هل له علاقةٌ بالحرب؟ أم بشيءٍ آخر؟ نظرت إلى عينيه، فرأت فيهما صدقاً ورغبةً في المساعدة.
دخلا المتجر، وجلسا على كرسيين خشبيين قديمين. بدأ أحمد يتحدث عن بعض التحديات التي تواجه الأسرة في ظل الحرب، وعن الحاجة إلى تكاتف الجميع. ثم، بعد فترةٍ من الحديث العام، استجمع أحمد شجاعته وقال: "ليلى، هناك أمرٌ أودّ أن أتحدث عنه بصراحة. يتعلق الأمر بـ"يوسف"."
تجمدت ليلى في مكانها. اسم يوسف كان لا يزال يثير فيها خليطاً من المشاعر المعقدة. "ماذا عنه؟" سألت بصوتٍ متحشرج.
"لقد علمتُ مؤخراً، من خلال مصادر موثوقة، أن يوسف يحاول جاهداً، وبكل ما أوتي من قوة، إيجاد وسيلةٍ آمنةٍ للعودة إلى المدينة. لا يبدو أنه قد نسيَكِ، بل على العكس، فإن أفعاله تشير إلى أنه لا يزال يحمل لكِ مشاعر عميقة." قال أحمد، ناظراً إلى رد فعل ليلى.
شعرت ليلى بدقات قلبها تتسارع. هل هذا صحيح؟ هل ما زال يوسف يفكر فيها؟ تذكرت كلماته الأخيرة، ووعده الذي لم يكتمل. صمتت للحظات، تجمع أفكارها المتناثرة.
"ولكن... كيف؟ وكيف يمكن له ذلك في هذه الظروف؟" سألت ليلى، وعيناها تلمعان بنوعٍ من الأمل الممزوج بالحذر.
"هذا هو ما يقلقه هو أيضاً. الطريق مليء بالمخاطر، ولا يزال يبحث عن مسارٍ آمن. يبدو أنه وجد بعض المتعاونين الذين قد يساعدونه في التغلب على العقبات." أوضح أحمد. "ولكن، هناك أمرٌ آخر... لقد سمعتُ أيضاً أن هناك من يحاول عرقلة مساعيه، من يحاول منعه من العودة، ربما لأن عودته قد تغير بعض الموازين."
ارتسم القلق على وجه ليلى. "من؟ ومن يمكن أن يكون لديه مصلحةٌ في منعه؟"
"لا أعلم على وجه التحديد. ولكن، علينا أن نكون مستعدين لأي شيء. إذا كان يوسف يحاول العودة، فقد يحتاج إلى دعم. وقد نحتاج نحن أيضاً إلى اتخاذ بعض الاحتياطات." قال أحمد، بجديةٍ لم تعهدها ليلى من قبل.
انتهى اللقاء بليلى وأحمد وهما يتفكران في ما قاله أحمد. رياح التغيير بدأت تهب، ووشوشات القدر تزداد وضوحاً. هل ستكون هذه الأخبار فأل خيرٍ أم نذير شؤم؟ لم تكن ليلى تدري الأمور، ولكنها شعرت بأن شيئاً ما بدأ يتحرك، وأن حياتها على وشك أن تتخذ منحىً جديداً.