حب في زمن الحرب 163
همسات الماضي وصدى الحاضر
بقلم فاطمة النجار
عادت ليلى إلى بيتها وقلبها مثقلٌ بالمشاعر المتضاربة. كلمات أحمد كانت ترن في أذنيها كجرسٍ خفيّ، يوقظ فيها ذكرياتٍ قديمة، ويحمل في طياته آمالاً جديدة، لكنها مشوبةٌ بالحذر. هل يوسف يحاول العودة حقاً؟ وهل ما زال يشعر بشيءٍ تجاهها؟ الأسئلة كانت تتلاحق في ذهنها، تشكل سحابةً كثيفةً تحجب رؤيتها بوضوح.
تسللت إلى غرفتها، وجلست على طرف سريرها، تتأمل انعكاس صورتها في مرآةٍ معلّقةٍ على الحائط. وجهٌ شاحب، وعينان تحملان ثقل الأيام، لكنها مع ذلك، رأت فيهما بريقاً من التحدي، إصراراً صامتاً على المضي قدماً. تذكرت لقاءها الأخير بيوسف، تلك اللحظة التي تركت فيها قلبها يتحدث، لتجد كلماتها تصطدم بجدارٍ صامت. هل كانت قسوتها هي السبب في رحيله؟ أم أن الظروف كانت أقوى من حبّهما؟
مرّت الأيام، وكل يومٍ يمر كان يحمل معه مزيداً من الأخبار المتباينة. بعضها يبشر بانتصاراتٍ عسكريةٍ صغيرة، وأخرى تنذر بزيادةٍ في حدة المعارك. المدينة نفسها كانت تتأرجح بين الهدوء الزائف والتوتر المستمر. كان الناس يتكيّفون مع الواقع، لكن الخوف كان كالظل يلازمهم أينما حلّوا.
في أحد الأيام، بينما كانت ليلى تساعد والدتها في إعداد الطعام، دخل عليهما والدها، وقد بدا عليه الانشغال. "ليلى، ابنتي، هل سمعتِ ما يدور حول "بيت آل السعيد"؟" سأل والداها.
"بيت آل السعيد؟ ماذا به؟" سألت ليلى، وقد شعرت بقلقٍ مفاجئ. كانت تعرف آل السعيد، عائلةً مرموقةً في المدينة، كانت تربطها بها صلاتُ معرفةٍ طيبة.
"لقد انتشرت شائعاتٌ بأنهم تعرضوا لضغوطٍ كبيرة. بعضهم يخشى أن يكون لديهم علاقةٌ بما يحدث، أو أنهم قد يكونون هدفاً لأطرافٍ تسعى لإثارة الفوضى." قال والدها، مضيفاً: "هذا الوضع يثير القلق، فكلما زادت الاضطرابات، زادت المخاطر على الجميع."
تذكرت ليلى يوسف، فقد كان يوسف من عائلة آل السعيد. هل هذا الضغط متعلقٌ به؟ هل عودته هي سبب ما يحدث؟ بدأت خيوط القلق تتشابك في عقلها.
لم يمضِ وقتٌ طويلٌ حتى تلقت ليلى زيارةً غير متوقعة. كانت "فاطمة"، زوجة عم يوسف، تقف على باب منزلهم، وقد بدت عليها علامات الضيق. استقبلتها ليلى بحرارة، ودعتها للدخول.
"يا ابنتي ليلى، لقد جئتكِ بقلبٍ مثقل." قالت فاطمة، وقد بدت ملامح الحزن واضحةً عليها. "الأمور في بيت السعيد ليست على ما يرام. هناك من يضغط علينا، ويحاول أن يجعلنا نبدو مسؤولين عما يحدث. والأكثر من ذلك، أن البعض يلمّح بأن السبب هو "يوسف"."
شعرت ليلى بقلبها يتجمد. "يوسف؟" سألت بصوتٍ خافت. "ولكن، لم أكن أعرف أنه... أنه متورطٌ في شيءٍ كهذا."
"يا بنيتي، هو ليس متورطاً في شيءٍ سيء. بل على العكس، يبدو أن هناك من يحاول أن يجعله يبدو كذلك. هناك من لا يريد له أن يعود، ومن يحاول عرقلة كل ما يقوم به." قالت فاطمة، وعيناها تترقرق بالدموع. "لقد سمعتُ أن يوسف يحاول العودة، وأن لديه بعض الاتصالات التي قد تساعده. ولكن، هذه الاتصالات نفسها بدأت تتعرض لضغوط. الأمر معقدٌ جداً."
"وهل هذه الضغوط لها علاقةٌ بما يحدث في المدينة؟" سألت ليلى.
"لا يمكنني الجزم. ولكن، هناك من يقول أن هناك جهاتٍ تسعى إلى إثارة المزيد من البلبلة، واستغلال أي فرصةٍ لزيادة الفوضى. وقد يكون يوسف، بطريقةٍ ما، هدفاً لهذه الجهات." أجابت فاطمة. "أنا قلقةٌ عليه، وعلى عائلتنا. نحن بحاجةٍ إلى دعم، إلى من يفهم الوضع."
نظرت ليلى إلى فاطمة، ورأت فيها صورةً مصغرةً عن قلقها هي نفسها. بدأت تدرك أن الأمور ليست مجرد مشاعر شخصية، بل هي متشابكةٌ مع واقعٍ أكبر، مع صراعاتٍ قد تتجاوز الحدود الشخصية.
"أنا معكِ يا خالة فاطمة. وسأفعل ما بوسعي للمساعدة." قالت ليلى، وهي تشعر بمسؤوليةٍ جديدةٍ تلقى على عاتقها.
بعد رحيل فاطمة، جلست ليلى وحدها، تفكر في كل ما سمعته. همسات الماضي، التي كانت تعتقد أنها انقضت، عادت لتتردد في صدى الحاضر، تحمل معها تحدياتٍ أكبر، ومخاطرَ غير متوقعة. هل كان على يوسف أن يعود؟ وهل كانت مشاعرها تجاهه، والتي حاولت جاهدةً أن تكبتها، هي نفسها التي تدفعها الآن إلى اتخاذ موقف؟
بدأت تتساءل عن طبيعة هذه الجهات التي تعيق يوسف. هل هم من قوى الشر التي تسعى لتدمير كل ما هو جميل؟ أم أن هناك أسبابا أخرى، خلف الكواليس، لا تراها هي؟
شعرت بأنها في مفترق طرق. أما أن تستسلم للخوف، وتترك الأمور تأخذ مجراها، وأما أن تتحرك، لتدافع عما تؤمن به، ولتساعد من يحتاج إلى المساعدة. نظرت إلى يديها، ثم رفعت رأسها إلى السماء.
"يا رب، أنتَ عالمٌ بما في القلوب. امنحني القوة لأفعل ما هو صواب." دعت ليلى في سكون.
لم تكن تعرف ما سيحمله الغد، ولكنها أدركت شيئاً واحداً: أن صمتها لم يعد خياراً. كان عليها أن تتكلم، أن تتحرك، أن تبحث عن الحقيقة، وأن تدافع عن الأمل، حتى في قلب هذا الزمن العاصف.