حب في زمن الحرب 163
خططٌ تتكشف ومخاطرٌ تلوح
بقلم فاطمة النجار
في الأيام التالية، لم تهدأ ليلى. كانت الأفكار تدور في رأسها، والأسئلة تتشعب. قررت أن تستجمع كل المعلومات الممكنة حول الوضع. بدأت تتواصل مع أحمد بشكلٍ أكثر انتظاماً، تسأله عن أي أخبارٍ جديدةٍ تتعلق بيوسف أو بوضع عائلته.
"أحمد، هل هناك أي مستجدات؟" سألت ليلى ذات مساء، عبر الهاتف، تحاول أن تخفي قلقها في نبرة صوتها.
"نعم يا ليلى، الأمور لا تزال متوترة." أجاب أحمد بصوتٍ خافت، مشيراً إلى أنه يتحدث من مكانٍ قد يكون فيه أحدٌ يسمعه. "لقد علمتُ أن هناك اجتماعاً سرياً سيُعقد قريباً، يضم بعض الوجهاء ورجال الأعمال، لمناقشة الوضع. وقد يكون هذا الاجتماع فرصةً لفهم ما يدور خلف الكواليس."
"اجتماع سري؟ ومن يحضره؟" سألت ليلى بلهفة.
"لا أعرف التفاصيل الكاملة، ولكن يقال إن هناك شخصياتٍ ذات نفوذٍ كبير. وقد يكون من الصعب اختراق هذا الاجتماع، أو حتى معرفة ما يدور فيه." قال أحمد. "لكن، هناك شخصٌ واحدٌ أعتقد أنه قد يكون لديه بعض المعلومات. إنه "خالد"، يعمل كمساعدٍ لأحد الوجهاء الذين حضروا الاجتماعات السابقة."
"خالد؟ هل تعرفينه؟" سألت ليلى.
"ليس عن قرب. ولكن، يقال إنه شابٌ أمينٌ، وقد يكون مستعداً للمساعدة إذا ما تأكد من صدق نوايانا." أجاب أحمد. "لكن، علينا أن نكون حذرين للغاية. هذه الأمور قد تكون خطيرة."
أدركت ليلى مدى خطورة ما أقدمت عليه. لم تكن مجرد فضولٍ نسائي، بل كانت محاولةً للتأثير على مسار الأحداث، وإن كان ذلك بصورةٍ غير مباشرة. شعرت بمسؤوليةٍ مضاعفة، ليس فقط تجاه نفسها، بل تجاه يوسف وعائلته، وتجاه المدينة بأكملها.
في غضون ذلك، كانت ليلى تلاحظ تغيراً في سلوك والدها. بدا أكثر قلقاً، وأقل حديثاً. في إحدى الليالي، بينما كانا يجلسان في الغرفة، سألته ليلى: "أبي، هل أنت بخير؟ تبدو مهموماً."
تنهد والدها وقال: "يا ابنتي، الأمور ليست بالبساطة التي تبدو عليها. هناك ضغوطٌ كبيرةٌ على تجار المدينة. بعضهم يتعرض لتهديداتٍ مباشرة، والبعض الآخر يجد صعوبةً في الحصول على البضائع. أنا قلقٌ على مستقبلنا."
"ولكن، هل لهذه الضغوط علاقةٌ بما يحدث مع عائلة آل السعيد؟" سألت ليلى، ربطت بين ما تسمعه وما تشعر به.
تردد والدها للحظة، ثم قال: "هناك كلامٌ يدور، ولكن ليس لديّ تأكيدٌ مؤكد. بعضهم يقول إن هناك أيادٍ خفيةً تحاول تقويض استقرار المدينة، من خلال استهداف شخصياتٍ أو عائلاتٍ معينة. وإذا كان يوسف عائداً، فقد يكون ذلك سبباً في إثارة قلق هذه الأيادي."
بدأت ليلى تتكوّن لديها صورةٌ أوضح، وإن كانت لا تزال ضبابية. هناك قوى تسعى لإحداث الفوضى، تستهدف عائلة آل السعيد، وربما يكون يوسف نفسه هدفاً. وهناك أيضاً ضغوطٌ على تجار المدينة، بما في ذلك والدها.
قررت ليلى أن تحاول الاتصال بخالد، الشاب الذي ذكره أحمد. لم يكن الأمر سهلاً، فقد كان عليها أن تجد طريقةً للتواصل معه دون إثارة الشبهات. بعد تفكيرٍ طويل، قررت أن تستغل لقاءً عائلياً قادماً، حيث من المتوقع أن يحضر خالد مع عائلته.
جاء يوم اللقاء العائلي، وكان الجو مليئاً بالضحكات والحديث. استغلت ليلى انشغال الجميع، وتسللت إلى حيث كان خالد يتحدث مع بعض الأقارب. اقتربت منه بحذر، وقالت بصوتٍ خافت: "سيدي خالد، هل لي بكلمةٍ خاصة؟"
نظر إليها خالد باستغراب، ولكنه رأى في عينيها جديةً ورغبةً في التحدث. "تفضلي يا آنسة..."
"اسمي ليلى. وأنا صديقةٌ لأحمد. وقد أرسلني إليكِ. لديّ أمرٌ مهمٌ أودّ مناقشته معك." قالت ليلى، وقد حاولت أن تخفي ارتعاش صوتها.
فهم خالد أن الأمر ليس عادياً. "حسناً. لنبتعد قليلاً." قال، وأخذها إلى زاويةٍ هادئةٍ في الحديقة.
"أحمد أخبرني أنك قد تكون مفتاحاً لفهم بعض الأمور المتعلقة بالاجتماع السري." بدأت ليلى. "لقد سمعتُ أن هناك ضغوطاً كبيرةً تتعرض لها عائلة آل السعيد، وأن السبب قد يكون محاولة يوسف للعودة. هل لديك أي معلوماتٍ حول هذا الموضوع؟"
نظر خالد إلى ليلى بتردد. كان يعرف أن ما تطلبه هو أمرٌ بالغ الحساسية. "آنسة ليلى، المعلومات التي أمتلكها قد تكون خطيرة. ومن يتحدث عنها قد يعرض نفسه للخطر."
"أعلم ذلك. ولكن، هناك أرواحٌ قد تتأثر، ومستقبلٌ قد يتحدد. أنا مستعدةٌ لتحمل المخاطر." قالت ليلى بصدق.
بعد لحظةٍ من التفكير، قرر خالد أن يثق بها. "حسناً. لقد علمتُ من خلال اجتماعاتٍ حضرتها، أن هناك جهةً تسعى لإحداث تغييراتٍ في موازين القوى داخل المدينة. وقد وجدوا في عائلة آل السعيد، وفي محاولة يوسف للعودة، نقطة ضعفٍ يستغلونها. إنهم يريدون أن يبدو يوسف شخصاً خطيراً، أو متورطاً في أمورٍ لا ينبغي له أن يكون فيها. وهذا يمنحهم المبرر لزيادة الضغط عليه وعلى عائلته."
"وهل لديهم أي سلطةٍ رسمية؟" سألت ليلى.
"ليس بالضرورة. ولكن، لديهم نفوذٌ قويٌ لدى بعض المسؤولين. وقد نجحوا في استمالة بعض الأطراف، مما يجعل الأمور صعبةً على آل السعيد." أجاب خالد. "الاجتماع السري الذي تحدث عنه أحمد، هو في الواقع محاولةٌ من بعض الوجهاء لإيجاد حلٍّ للأزمة، وللتصدي لهذه الجهات التي تسعى للفوضى. ولكن، هناك انقسامٌ بينهم، فبعضهم يرى أن التزام الصمت هو الأفضل، بينما يرى آخرون أن المواجهة ضرورية."
"وماذا عن يوسف؟ هل هناك أي خطةٍ لإعادته بأمان؟" سألت ليلى.
"هذا هو الجزء الأكثر صعوبة. يوسف لديه بعض الاتصالات، ولكنه يفتقر إلى الدعم الكافي. يبدو أن الجهة التي تعارضه قويةٌ جداً، ولديها القدرة على تعطيل أي محاولةٍ لإعادته." قال خالد. "إذا أردتِ مساعدته، فسيتعين عليكم إيجاد طريقةٍ لتغيير مسار الأمور، وربما كشف حقيقة هذه الجهات."
خرجت ليلى من تلك المحادثة وقد اكتسبت فهماً أعمق، ولكنه أيضاً حمل معها شعوراً متزايداً بالخطر. كانت خططٌ تتكشف، ولكن في المقابل، كانت المخاطر تلوح في الأفق، تهدد بابتلاع كل من يحاول تغيير الواقع.