حب في زمن الحرب 163
غيمة الأمل وعاصفة الشك
بقلم فاطمة النجار
جلستَ ليلى على حافة النافذة، تراقبُ النجومَ الباهتةَ التي تخترقُ سماءَ بغدادَ المغبرة. كانتْ رائحةُ البارودِ والترابِ تملأُ الأرجاء، وهمسُ الخوفِ يعلو فوقَ ضجيجِ المدينةِ المنكوبة. لمْ تكنْ حربُ الممالكِ بعيدةً عنها، بلْ كانتْ تضربُ بجذورِها في كلِّ بيتٍ، وتُلقي بظلالِها على كلِّ قلبٍ. تنهدتْ بعمق، تتذكرُ الوعودَ التي انتزعتْها منْ قلبِها، تلكَ الوعودُ التي كانتْ تبدو يومًا كضوءٍ في آخرِ النفق، والآنَ أصبحتْ عبئًا ثقيلاً يكادُ يطحنُ روحَها.
في الجهةِ المقابلةِ منَ المدينة، كانَ خالدٌ يقفُ في شرفةِ قصرهِ القديم، يتأملُ ذاتَ السماءِ المتلبدةِ بالغبار. كانَ وجههُ يشي بالهمِّ والتفكير، وعيناهُ تبحثانِ عنْ إجاباتٍ لا تجدُها في كتبِ التاريخِ أوْ خططِ المعارك. لقدْ واجهَ الكثيرَ منَ التحدياتِ في حياتهِ، لكنَّ هذا الصراعَ كانَ مختلفًا. كانَ صراعًا يدورُ في أعماقِ النفس، بينَ الواجبِ الذي يفرضه عليهِ النسبُ والولاء، وبينَ صوتِ القلبِ الذي يهمسُ باسمِها، باسمِ ليلى.
لقدْ أرسلتْ لهُ ليلى رسالةً بخطِّ يدها المرتعش، رسالةً لمْ تحملْ سوى كلماتٍ قليلةٍ، لكنها كانتْ كصاعقةٍ نزلتْ على رأسه. "خالد، لا تستسلمْ. الأملُ موجودٌ دائمًا، حتى في أحلكِ الظروف. أنتَ أقوى مما تظن." كانتْ كلماتها كبلسمٍ لجرحٍ قديم، لكنها في الوقتِ نفسهِ زرعتْ بذورَ الشك. ما الذي تعرفهُ ليلى؟ ما الذي تراهُ ولا يراهُ هو؟ هلْ كانتْ تشيرُ إلى قوةٍ كامنةٍ فيه، أمْ إلى خطرٍ يتربصُ به؟
كانَ يعرفُ أنَّ ليلى فتاةٌ ذكيةٌ وفطنة، وأنَّ كلماتها ليستْ مجردَ مواساةٍ عابرة. كانتْ دائمًا ترى ما لا يراهُ الآخرون، وكانتْ لديها بصيرةٌ نافذةٌ تتجاوزُ الزمانَ والمكان. تذكرَ كيفَ حذرتهُ منْ مؤامراتِ الأميرِ يزيد، وكيفَ استطاعتْ بذكائها أنْ تكشفَ عنْ خيوطِ دسائسِهِ. والآنَ، يبدو أنَّ ليلى تملكُ مفتاحًا آخرَ لحلِّ هذا اللغزِ المعقد.
فجأةً، انقطعَ تفكيرهُ بقرعٍ عنيفٍ على الباب. كانَ حارسهُ الشخصي، "رائد"، يدخلُ والغبارُ يغطي ثيابَهُ، وعيناهُ تلمعانِ بالقلق. "سيدي، وصلَ رسولٌ منْ قبيلةِ بني أسد. يحملُ خبرًا عاجلاً."
تصلبَ خالد، وشعرَ ببرودةٍ تسري في عروقه. قبيلةُ بني أسد لمْ تكنْ مجردَ قبيلةٍ تقليدية، بلْ كانتْ تمتلكُ تاريخًا طويلاً منَ التحالفاتِ الغامضةِ وعلاقاتٍ متجذرةٍ معَ قوىً قديمة. كانتْ كلمتهمْ تُسمعُ في أركانِ الأرضِ التي لا تصلُ إليها أصواتُ السلاطين.
"ما هوَ الخبرُ يا رائد؟" سألَ بصوتٍ خفيض، يرتجفُ قليلاً.
"لقدْ عقدوا اجتماعًا سريًا معَ قادةِ القبائلِ المتمردةِ في الصحراء، سيدي. وكانَ منْ بينَ الحاضرينَ شخصٌ غريبٌ، يرتدي ثيابًا سوداءَ كاملة، ولا يكشفُ عنْ وجههِ. ويُقالُ إنَّ هذا الشخصَ هوَ منْ أعطاهمْ خططَ معاركِنا القادمة، بالإضافةِ إلى خريطةٍ تفصيليةٍ للأماكنِ التي نعتزمُ تحصينَها."
اتسعتْ عينا خالدِ بدهشةٍ ممزوجةٍ بالرعب. لمْ يكنْ مجردَ تسريبٍ بسيطٍ للمعلومات، بلْ كانَ خيانةً منظمة، وخيانةً تأتي منْ مصدرٍ مجهولٍ يملكُ وصولاً إلى أعمقِ أسرارِهم. كانَ هذا يعني أنَّ عدوهمْ لمْ يكنْ فقطْ قوةً بشرية، بلْ كانَ هناكَ منْ يدعمهمْ منْ وراءِ الستار، منْ يستغلُ ظروفَ الحربِ ليزيدَ منْ دمارِهم.
"ومنْ أينَ أتتْ هذهِ المعلوماتُ يا رائد؟" سألَ خالد، وعيناهُ تضيقانِ في محاولةٍ لفهمِ ما يحدث.
"لقدْ كانَ هناكَ أحدُ جواسيسِنا، سيدي، تسللَ إلى الاجتماع. لكنهُ لمْ يتمكنْ منْ الاقترابِ أكثرَ منَ اللازم، ومنْ شدةِ الخوفِ، لمْ يستطعْ رؤيةَ وجهِ ذلكَ الرجلِ الغامض. لكنهُ سمعَهمْ يتحدثونَ عنْ "حسابٍ قديمٍ" وأنَّ "الدمَ سيُغسلُ بالدم".
"حسابٌ قديم؟" تمتمَ خالد، يفركُ صدغهُ بيده. منْ كانَ هذا الرجلُ الغامض؟ وما هوَ هذا الحسابُ القديم؟ وهلْ كانَ لهذا كلهِ علاقةٌ بليلى؟ تسارعتْ دقاتُ قلبهِ. هلْ كانتْ رسالتها، كلماتها عنْ الأمل، محاولةً لتحذيره، أمْ أنها كانتْ تعرفُ الحقيقةَ كاملة، وكانتْ تحاولُ حمايتهُ بطريقةٍ لمْ يفهمها؟
عادَ بذهنهِ إلى لقائهِ الأخيرِ معَ ليلى، إلى اللحظةِ التي أقسمَ فيها أنهُ سيحميها، وأنَّ مصيرَهمْ واحد. هلْ كانتْ تلكَ اللحظةُ وهمًا؟ هلْ كانَ قلبُها ينبضُ بالولاءِ لشخصٍ آخر؟ وهلْ كانتْ هذهِ المعلوماتُ التي حصلَ عليها بنو أسدِ بتلكَ السهولةِ دليلًا على أنَّ هناكَ منْ كانَ يعملُ ضدّهُ منْ الداخل؟
"رائد، استدعِ الأميرَ منصورًا حالًا. وأرسلْ فريقًا منْ أفضلِ رجالِكَ للبحثِ عنْ أيِّ أثرٍ لهذا الرجلِ الغامض. وأكثرَ منْ ذلك، ابدأْ في التحققِ منْ ولاءِ كلِّ منْ حولنا. لا يمكنُنا الثقةُ بأحدٍ في هذهِ اللحظة."
خرجَ رائدُ مسرعًا، تاركًا خالدَ وحيدًا في أفكارهِ المتشابكة. كانَ يشعرُ بأنَّ الأوراقَ قدْ انقلبتْ عليه، وأنَّ اللعبةَ قدْ أصبحتْ أكثرَ تعقيدًا وخطورة. لمْ يعدْ الأمرُ مجردَ صراعٍ على السلطةِ أوْ الأرض، بلْ كانَ يبدو وكأنهُ صراعٌ ذو أبعادٍ أعمق، صراعٌ قدْ يكونُ مدفوعًا بأحقادٍ قديمةٍ وأسرارٍ دفينة.
وفي تلكَ اللحظة، انفتحَ البابُ ببطء، ودخلتْ ليلى. كانتْ ترتدي ثوبًا بسيطًا، وعيناها تبدوانِ مرهقتين، لكنها تحملُ نظرةَ ثباتٍ لمْ يعهدها فيها منْ قبل.
"لقدْ كنتُ أنتظرُ هذهِ اللحظة، يا خالد،" قالتْ بصوتٍ هادئ، لكنهُ حملَ قوةً خارقة.
وقفَ خالد، وقلبهُ يخفقُ بعنف. "ليلى... ماذا تعرفين؟"
اقتربتْ منهُ خطوة، وتوقفتْ أمامه. "أعرفُ أنَّ الحربَ التي نخوضُها ليستْ بالحربِ التي تظنها، وأنَّ الأعداءَ ليسوا دائمًا منْ يرتدونِ الدروعَ ويحملونَ السيوف."
"ماذا تقصدين؟" سألَ، ولمْ يعدْ يستوعبُ شيئًا.
"لقدْ سمعتُ ما سمعتُ، يا خالد. لقدْ سمعتُ عنْ هذا الرجلِ الغامض، وعنْ خططه. ولكنْ، ما لمْ يسمعهُ رجالُكَ، هوَ أنَّ هذا الرجلَ لمْ يأتِ منْ فراغ. لقدْ كانَ هناكَ تاريخٌ طويلٌ منَ الخيانةِ والأحقادِ تجاهَ عائلتك، تجاهَ جدّك."
"عائلتي؟" ذهلَ خالد. "لمْ يخبرني أبي شيئًا عنْ ذلك."
"هناكُ أمورٌ كثيرةٌ لمْ تخبركَ بها الأجيالُ السابقة، يا خالد. خوفًا عليك، أوْ ربما لعدمِ رغبتهمْ في إثارةِ الفتن. لكنَّ هذا الرجلَ، الذي يسميهِ هؤلاءِ المتمردونَ "الظل"، هوَ سليلُ عائلةٍ ثأرتْ منْ جدّكَ قبلَ عقود. لقدْ سرقَ منهمْ شيئًا، شيئًا ذا قيمةٍ عظيمة، شيئًا لمْ يُفصحْ عنه أبدًا. والآنَ، يعودُ ليأخذَ ما يظنُّ أنَّهُ حقٌ له."
تساءلَ خالدُ في دهشةٍ: "وما هوَ هذا الشيءُ الذي سرقهُ جدي؟"
ابتسمتْ ليلى ابتسامةً حزينة. "هذا هوَ الجزءُ الأكثرُ تعقيدًا، يا خالد. لأنَّ هذا الشيءَ ليسَ مادةً، بلْ هوَ روح، هوَ وعد. وعدٌ قطعَهُ جدّكَ على سليلِ عائلةٍ أخرى، وعدٌ بأنْ يُعيدَ لهمْ حقًا مسلوبًا. ولكنْ، معَ مرورِ السنين، نُسيَ هذا الوعد، وضاعتْ معالمه. والآنَ، يبدو أنَّ "الظل" يسعى للانتقامِ ليسَ فقطْ منْ أجلِ السرقة، بلْ منْ أجلِ نسيانِ هذا الوعدِ وتنكّره."
شعرَ خالدُ بأنَّ كلَّ ما يعرفهُ قدْ تهدم. كانتْ ليلى تفتحُ أمامهُ عالمًا جديدًا، عالمًا منَ الأسرارِ المدفونةِ والأحقادِ العميقة. كانَ يفهمُ الآنَ لماذا كانتْ كلماتها تحملُ هذا القدرَ منَ القوة. إنها لمْ تكنْ مجردَ مواساة، بلْ كانتْ تحذيرًا. تحذيرًا منْ أنَّ هذا الصراعَ يتجاوزُ حدودَ السياسةِ والحرب، ليصلَ إلى جذورِ التاريخِ والأعراف.
"إذًا، أنتِ تعرفينَ منْ هوَ "الظل"؟" سألَ، وعيناهُ تركزانِ عليها، بحثًا عنْ أيِّ إشارة.
"أعرفُ وجههُ، ولكنْ ليسَ هويتهُ الحقيقية. لقدْ رأيتُهُ منْ قبل، قبلَ سنوات. كانَ يتسللُ في الظلام، ويُخططُ في الظل. ولكنهُ لمْ يكنْ يومًا هدفًا مباشرًا لي. حتى الآن."
"وكيفَ عرفتِ كلَّ هذا؟"
"لأنني أراقبتُ، يا خالد. لأنني استمعتُ، ولأنني استمعتُ لأكثرَ منْ صوت. والصوتُ الذي يتحدثُ عنْ الثأرِ، يتحدثُ عنْ أنَّ هذا هوَ الوقتُ المناسب. الوقتُ الذي تكونُ فيهِ مملكةُ بغدادِ أضعفَ ما تكون. الوقتُ الذي تكونُ فيهِ أنتَ مشتتَ البال."
نظرَ خالدُ إلى ليلى، ووجدَ في عينيها نورًا غريبًا، نورًا لمْ يكنْ مجردَ أمل، بلْ كانَ تحديًا. تحديًا لهذهِ القوى الخفيةِ التي تحاولُ تدميرَ كلِّ شيء.
"وماذا تريدينَ مني أنْ أفعل؟" سألَ، وقدْ استعادَ بعضًا منْ رباطةَ جأشه.
"أريدكُ أنْ تفهمَ، يا خالد. أنْ تفهمَ أنَّ الحربَ الحقيقيةَ ليستْ بالسيوفِ والرماح، بلْ بالحكمةِ والصبر. وأنَّ الأعداءَ ليسوا دائمًا منْ يظهرونَ في ساحةِ المعركة. هناكَ منْ يزرعُ بذورَ الخرابِ في الخفاء."
"وهلْ لديكِ الحل؟"
"ربما. ولكنْ، الخطوةُ الأولى هيَ أنْ تؤمنَ. أنْ تؤمنَ بأنَّ هناكَ ما هوَ أكبرُ منَ الحربِ الظاهرة. وأنَّ الأسرارَ القديمةَ لها دائمًا ثمنٌ باهظٌ. لقدْ حانَ الوقتُ لكَ، يا خالد، لتواجهَ ماضيك، ولتُعيدَ بناءَ مستقبلٍ لا يُبنى على الأسرارِ والخيانة."
نظرتْ ليلى إلى خالد، ثمَّ التفتتْ نحوَ النافذة، حيثُ كانتْ النجومُ قدْ بدأتْ تتلألأُ أكثرَ في السماءِ الصافية. شعرَ خالدُ بأنَّ هذهِ اللحظةَ هيَ نقطةُ اللاعودة. لقدْ كُشفتْ لهُ أسرارٌ عظيمة، وبدأتْ معركةٌ جديدة، معركةٌ تتطلبُ منهُ ليسَ فقطْ الشجاعةَ والقوة، بلْ الحكمةَ والبصيرة.