حب في زمن الحرب 163

أصداء الماضي وعقد الثأر

بقلم فاطمة النجار

تغلغلَ ضوءُ الصباحِ الرماديُّ عبرَ نوافذِ القصر، ليُلقي بظلالٍ خافتةٍ على وجهِ خالدٍ المتعب. لمْ ينمْ تلكَ الليلة، كانتْ كلماتُ ليلى تدورُ في رأسه، كصدىً لأصواتٍ قديمةٍ لمْ يسمعها منْ قبل. "حسابٌ قديمٌ... ثأرٌ... وعدٌ مسلوب." كانتْ هذهِ العباراتُ كقطعِ فسيفساءَ متناثرة، يحاولُ جاهدًا أنْ يجمعَها ليُشكّلَ صورةً واضحةً لهذا الصراعِ الغامض.

لمْ يكنْ يزيدُ، الأميرُ المنافس، مجردَ طموحٍ سياسي؛ لقدْ أصبحَ الآنَ جزءًا منْ هذا اللغزِ الأكبر. هلْ كانَ يزيدُ يعرفُ شيئًا عنْ هذا "الظل" وعنْ تاريخِ الثأر؟ أمْ أنَّ طموحَهُ جعلهُ مجردَ بيدقٍ في لعبةٍ أكبر؟ تذكرَ كيفَ كانَ يزيدُ يتحدثُ دائمًا عنْ "استعادةِ مجدِ العائلة"، هلْ كانَ هذا المجدُ هوَ الحقُّ المسلوبُ الذي تتحدثُ عنهُ ليلى؟

استدعى خالدُ أخاهُ، الأميرَ منصورًا، ذلكَ الرجلُ الهادئُ الحكيمُ الذي لطالما كانَ سندًا له. دخلَ منصورٌ القاعةَ الكبرى، ورائحةُ البخورِ الشرقيِّ تفوحُ منْ ثيابِهِ.

"صباحُ الخير، أخي،" قالَ منصورٌ بابتسامةٍ خفيفة، لكنَّ عينيهِ تحملانِ قلقًا واضحًا. "أرى أنَّ الليلَ لمْ يكنْ هادئًا."

"لمْ يكنْ هادئًا على الإطلاق، منصور،" أجابَ خالد، وتلا عليهِ ما سمعهُ منْ ليلى، وعنْ "الظل" والتاريخِ القديم.

استمعَ منصورٌ بصمتٍ، وعلاماتُ الدهشةِ تتوالى على وجههِ. عندما انتهى خالد، قالَ منصورٌ بعدَ تفكيرٍ عميق: "إنَّ ما تتحدثينَ عنهُ يا ليلى، لهُ صلةٌ بأساطيرَ قديمةٍ تتناقلها الأجيالُ في حكاياتِنا. كانتْ هناكَ عائلتانِ عظيمتانِ في الزمنِ الغابر، إحداهما ساعدتْ الأخرى في استعادةِ حقوقِها، ولكنْ، معَ مرورِ الزمن، اختلطَ الحقُّ بالباطل، والخيرُ بالشر. ويُقالُ إنَّ هناكَ "عقدَ ثأرٍ" قديمًا، لمْ يُوفَ بهِ أبدًا."

"عقدُ ثأرٍ؟" رددَ خالد، كأنَّ الكلمةَ ثقيلةٌ على لسانه. "وما هوَ هذا العقد؟"

"المعلوماتُ نادرةٌ جدًا، يا خالد. ولكنْ، يُقالُ إنَّ العقدَ كانَ يتضمنُ تسليمَ قطعةٍ أثريةٍ ثمينةٍ، ذاتِ قوةٍ روحانيةٍ عظيمة، إلى العائلةِ التي ساعدتها. قطعةٌ تُعرفُ باسمِ "جوهرةِ الشمس"، وهيَ تُمكنُ حاملَها منْ استعادةِ التوازنِ بينَ البشرِ والطبيعة. ويُقالُ إنَّ جدّكَ، الذي كانَ قائدًا عظيمًا، حصلَ على هذهِ الجوهرةِ لحمايةِ الأرضِ منْ شرورٍ عظيمة. ولكنْ، بدلًا منْ تسليمِها، أخفاها، خوفًا منْ أنْ تستغلَ في الشر."

"إذًا، "الظل" يسعى لاستعادةِ هذهِ الجوهرة؟" سألَ خالد، وعيناهُ تلمعانِ بشيءٍ منَ الأملِ الممزوجِ بالحذر.

"قدْ يكونُ الأمرُ كذلك،" أجابَ منصور. "ولكنْ، هناكَ رواياتٌ أخرى تقولُ إنَّ هذهِ الجوهرةَ لمْ تكنْ شيئًا ماديًا، بلْ كانتْ رمزًا لوعدٍ بالسلامِ والوئام. وإذا كانَ الأمرُ كذلك، فالظلُ ليسَ باحثًا عنْ جوهرة، بلْ عنْ ثأرٍ عميقٍ لكسرِ ذلكَ الوعد."

في هذهِ الأثناء، دخلتْ ليلى الغرفة، وقدْ سمعتْ بعضَ حديثِهم. "يا خالد، هناكَ شيءٌ آخرُ يجبُ أنْ تعرفه. لقدْ استطعتُ أنْ أتعقبَ بعضَ تحركاتِ "الظل" منْ خلالِ شبكةٍ منَ المخبرينَ الذينَ أعملُ معهم. لقدْ كانَ يلتقي بالأميرِ يزيدَ سرًا في الأيامِ الماضية."

كانتْ هذهِ المعلومةُ كالصاعقة. "يزيد؟" صرخَ خالد، وعيناهُ تضيقانِ غضبًا. "إذًا، يزيدُ هوَ منْ كانَ يُسلّمُ معلوماتِنا؟"

"لا، يا خالد،" قالتْ ليلى بهدوء. "يزيدُ ليسَ هوَ منْ يُسلّمُ المعلومات. بلْ هوَ منْ يُحاولُ الحصولَ على هذهِ الجوهرةِ بنفسهِ. يبدو أنَّ "الظل" استغلَّ طموحَ يزيد، ووعدهُ بمساعدتهِ في الحصولِ على الجوهرةِ مقابلَ تقديمِ الدعمِ لهُ في صراعِهِ على العرش. ولكنْ، "الظل" لديهِ خططٌ أكبرَ منْ مجردِ دعمِ يزيد. إنَّهُ يريدُ استخدامَ الجوهرةِ لتحقيقِ غاياتهِ الخاصة."

شعرَ خالدُ بأنَّ كلَّ شيءٍ يتجمعُ في صورةٍ واحدة. يزيدُ، ذلكَ الطامعُ بالسلطة، أصبحَ أداةً في يدِ قوةٍ أكثرَ ظلامًا. "الظل" يستغلُّ ضعفَ يزيد، ويُقدّمُ لهُ وعودًا كاذبة، بينما يسعى هوَ لاستعادةِ جوهرتهِ الخاصة، أوْ تحقيقِ انتقامِهِ.

"وماذا عنْ هذا الوعدِ الذي نسيَهُ جدي؟" سألَ خالد.

"الوعدُ كانَ بأنْ يُعيدَ جدّكَ، بعدَ استعادةِ حقوقِ عائلةٍ أخرى، شيئًا ذا قيمةٍ عظيمة. لمْ يُفصحْ التاريخُ عنْ طبيعةِ هذا الشيء، ولكنْ، يُقالُ إنَّهُ كانَ مفتاحَ السلامِ بينَ القبائلِ المتحاربة. ربما كانتْ "جوهرةُ الشمس" هيَ هذا الشيء، أوْ ربما كانتْ مجردَ رمزٍ لهذا الوعد."

"إذًا، "الظل" يعتقدُ أنَّ جدي خانَ عائلتهُ، وأنَّهُ أخذَ ما كانَ يجبُ أنْ يُعادَ؟"

"هذا ما يبدو، يا خالد. ولكنْ، في الواقع، ربما كانَ جدّكَ يحاولُ حمايةَ هذهِ الجوهرةِ منْ الوقوعِ في الأيديِ الخاطئة. ربما كانَ يعلمُ أنَّ "الظل" أوْ سلفهُ، كانَ سيستخدمُها في الشر."

"وهلْ تعرفينَ أينَ توجدُ هذهِ الجوهرة؟" سألَ خالد، وعيناهُ تثبتانِ في عيني ليلى.

ترددتْ ليلى قليلًا، ثمَّ قالت: "الأسطورةُ تقولُ إنَّها مدفونةٌ في مكانٍ مقدسٍ، بالقربِ منَ النهر، في مكانٍ لا يعرفهُ إلا منْ يحملُ مفتاحَ السر. ويُقالُ إنَّ المفتاحَ ليسَ ماديًا، بلْ هوَ معرفةٌ قديمةٌ تُنقَلُ عبرَ الأجيال."

"ومعرفةٌ قديمةٌ... هلْ تعتقدينَ أنَّكِ تملكينَ هذهِ المعرفة؟"

ابتسمتْ ليلى ابتسامةً غامضة. "لقدْ تعلمتُ الكثيرَ منْ جدتي، وجدتي تعلمتْ منْ جدتها. هناكَ رموزٌ وألغازٌ مدفونةٌ في قصائدِنا القديمةِ وفي نقوشِ معابدِنا المندثرة. ربما، فقطْ ربما، أستطيعُ فكَّ رموزِها."

"إذًا، نحنُ في سباقٍ معَ الزمن،" قالَ خالد، وقدْ تجددَ في قلبهِ تصميمٌ جديد. "يجبُ علينا أنْ نصلَ إلى الجوهرةِ قبلَ "الظل"، وقبلَ يزيد."

"ولكنْ، هناكَ خطرٌ أكبر، يا خالد،" قالتْ ليلى. "إذا كانتْ الجوهرةُ بالفعلِ تحملُ قوةً عظيمة، فإنَّ وقوعَها في يدِ "الظل" يمكنُ أنْ يُحدثَ دمارًا لا يمكنُ تخيله. قدْ لا يكونُ هدفهُ مجردَ الثأر، بلْ قدْ يسعى لإعادةِ خلقِ العالمِ على هواهُ."

شعرَ خالدُ بثقلِ المسؤوليةِ يتضاعف. لمْ يعدْ الأمرُ يتعلقُ بسلطتهِ أوْ بسلطةِ يزيد، بلْ بمصيرِ الأرضِ بأسرها. لقدْ تحولَ هذا الصراعُ إلى معركةٍ أسطورية، تتشابكُ فيها الخيانةُ والأحقادُ والوعودُ القديمة.

"سنذهبُ معًا،" قالَ خالد، وأمسكَ بيدِ ليلى. "سنواجهُ هذا "الظل"، وسنُعيدُ الحقَّ إلى نصابه. وسنُثبتُ أنَّ الحبَّ، مهما كانَ الثمن، أقوى منَ أيِّ ثأرٍ قديم."

نظرتْ ليلى إليهِ، وعيناها تلمعانِ بتصميمٍ مماثل. "سنفعل، يا خالد. ولكنْ، كنْ مستعدًا، فالمعركةُ الحقيقيةُ بدأتْ للتو، والأشباحُ القديمةُ لها مخالبُ حادة."

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%