حب في زمن الحرب 163
رمالٌ متحركةٌ وأصداء الذكريات
بقلم فاطمة النجار
كانت الرياح الصحراوية تعزف لحناً حزيناً، تهبّ محمّلةً بذرات الرمال الناعمة التي تلسع الوجوه الحانية، وتكسو الأجسام الشاحبة. في قلب تلك العاصفة الصامتة، كانت "أميرة" تتأمل أفقاً ممتداً لا ينتهي، أفقٌ يمتد إلى ما لا نهاية، مثل أحلامها التي طالما بدت بعيدة المنال. كانت تجلس على صخرةٍ متآكلةٍ بفعل الزمن، في مكانٍ لا تزوره إلا القلوب التي تبحث عن سكينةٍ بعيدةٍ عن صخب الحياة.
"أميرة" لم تكن مجرد فتاةٍ ريفيةٍ بسيطة. كانت تحمل في عينيها بريق الذكاء، وفي حديثها فصاحةً تدهش من يسمعها. كانت قد نشأت في قريةٍ صغيرةٍ تعيش على أطراف الصحراء، حيث كانت الحياة تسير بوتيرةٍ بطيئة، حيث كانت تقاليد الآباء والأجداد هي المنظم الوحيد لحياتهم. كانت قد تعلمت من جدتها حكايات الأولين، وقصص البطولة والشرف، وأسرار العشق النقي الذي لا يعرفه إلا أهل القلوب الصادقة.
لكن اليوم، لم يكن يوم البحث عن السكينة. كان يوم البحث عن الإجابات. قبل أيامٍ قليلة، وصلتها رسالةٌ غامضة، تحمل توقيعاً مألوفاً، توقيعاً أشعل في قلبها نار الشوق والألم. كانت الرسالة من "سالم"، ابن عمها، الذي سافر منذ سنواتٍ إلى بلادٍ بعيدة، بحثاً عن رزقٍ وعمل. لم تسمع عنه شيئاً منذ رحيله، إلا الهمسات المتناثرة عن نجاحه، وعن ثروته التي جمعها.
"إلى ابنة العم العزيزة أميرة،" بدأت الرسالة، و"أميرة" تتذكر كلماتها بنبرةٍ حانيةٍ ومؤلمة: "أتمنى أن تكوني بألف خير. لقد حان الوقت لكي أعود. لا أدري ما تحمل الأيام، لكن قلبي يناديني. هل ما زلتِ هنا؟ هل ما زال حلمنا القديم حياً؟ أريدكِ أن تنتظريني. سأصل قريباً، لكي نجدد عهودنا، ولكي نبني مستقبلنا معاً، بإذن الله."
كانت "أميرة" قد خطت خطواتٍ ثقيلةٍ في طريق الحياة. كانت تعيش مع عائلتها الصغيرة، أبٌ أرمل، وأخٌ أصغرٌ يكافح من أجل إعالة أسرته. كانت تحلم بحياةٍ مختلفة، حياةٍ فيها أمانٌ واستقرار، حياةٍ تليق بالمرأة التي تحمل في قلبها نقاء الطهر وعفاف النفس. كانت قد خطبت لـ"سالم" قبل سنواتٍ طويلة، قبل أن يسافر. كانا طفلين، لكن الارتباط كان قد تم، والوعد قد عُقد.
"سالم" لم يكن مجرد خطيبٍ بالنسبة لـ"أميرة". كان صديقها، رفيق طفولتها، من يشاركها أحلامها الصغيرة. كان يحمل في عينيه دفء الشمس، وفي صوته حنان الربيع. كانت تنتظره، رغم مرور السنوات. كانت تثق بكلماته، وبصدق مشاعره.
لكن الأيام مرت، والسنوات تبللت بغياب "سالم". بدأت الهمسات تدور حوله، همساتٌ تتحدث عن تغييرٍ في طباعه، وعن انخراطه في أعمالٍ لا تليق برجلٍ مسلم. كانت "أميرة" ترفض تصديقها، كانت تدافع عنه بشدة، مؤمنةً بأن نقاء قلبه لم يتلوث.
الآن، وبعد هذه الرسالة، عادت كل الذكريات تتصارع في صدرها. هل ما زال "سالم" ذلك الشاب النقي الذي عرفته؟ أم أن سنوات الغربة قد غيرته؟ هل كان وعده صادقاً؟ وهل كانت مستعدةً لتقبل أي تغييرٍ قد حدث له؟
نهضت "أميرة"، والتفتت نحو القرية البعيدة. كانت الشمس قد بدأت تميل نحو المغيب، ملقيةً بظلالٍ طويلةٍ على الرمال. شعرت بوخزةٍ في قلبها، وخزةٌ تحمل مزيجاً من الأمل والقلق. لقد وعدها بالعودة، وقد حمل وعده أملاً جديداً. لكنها كانت تعلم أن طريق العودة ليس دائماً مفروشاً بالورود.
كانت "أميرة" قد تعلمت من جدتها درساً مهماً: "القلب إن كان صادقاً، فلن تخونه الأيام." هل كان قلب "سالم" صادقاً؟ هذا ما ستكشفه الأيام القادمة.
في طريق عودتها، رأت "أبو خالد"، شيخ القرية، جالساً أمام بيته. كان رجلاً حكيماً، ذا لحيةٍ بيضاء، وعينين تحملان نور التجربة. كانت "أميرة" تحترم "أبو خالد" كثيراً، وتستشيره في أمورها.
"مساء الخير يا شيخ،" قالت "أميرة"، بصوتٍ فيه بعض التردد. "مساء النور يا ابنتي،" أجاب "أبو خالد" بابتسامةٍ دافئة. "ما الذي يشغل بالك؟ أرى في عينيكِ هموماً لا تنام."
ترددت "أميرة" قليلاً، ثم قررت أن تشارك "أبو خالد" ما تشعر به. "لقد وصلتني رسالةٌ من سالم، يا شيخ. يقول إنه سيعود." اتسعت عينا "أبو خالد" قليلاً، ثم ارتسمت على وجهه علاماتٌ لا يمكن تفسيرها. "سالم؟ هل تقصدين سالم ابن خالد؟" "نعم يا شيخ." "لقد سمعنا عن أخبارٍ عنه... أخبارٌ لا تبشر بالخير." قال "أبو خالد" بصوتٍ منخفض، وكأنما يحاول أن يخفف من وقع كلماته. "يقال إنه اختلط بأصحاب السوء، وأنه انخرط في تجارةٍ مشبوهة."
شعرت "أميرة" ببرودةٍ تسري في عروقها. كان ذلك بالضبط ما كانت تخشاه. "لكن رسالته... كانت تحمل وعداً بالعودة، وذكرى لحلمنا القديم." تنهد "أبو خالد". "يا ابنتي، الذكريات شيء، والواقع شيءٌ آخر. قد يحاول أن يستعيد ما كان، لكنه ربما لم يعد هو نفسه. الطريق إلى الله طويل، ومن انحرف عنه قد يتعب في العودة. عليكِ أن تكوني حذرةً، وأن تدعي الله أن يرشدكِ إلى الصواب."
نظرت "أميرة" إلى "أبو خالد"، وفي عينيها مزيجٌ من الأسى والإصرار. "سأفعل يا شيخ. لكنني سأنتظره. سأعطيه فرصةً لكي يثبت لي أن قلبه ما زال نقياً."
ودعت "أميرة" "أبو خالد"، وعادت إلى منزلها. كانت الرمال التي غطت أحذيتها تحمل بصمات أقدامها، بصماتٍ تروي قصة امرأةٍ تقف على مفترق طرق، قصة امرأةٍ تتأمل في ماضيها، وتقلق على مستقبلها. كانت الرياح تهمس في أذنيها، تحمل معها أصداء الذكريات، وتدفعها نحو قرارٍ سيكون له أثرٌ كبيرٌ على حياتها.