حب في زمن الحرب 163

صدى الماضي وسمفونية الشك

بقلم فاطمة النجار

كانت "ليلى" تقف أمام النافذة، تحدق في الفراغ. لم تكن تنظر إلى شيءٍ محدد، بل كانت عيناها تجولان في أرجاء ذاكرتها، تبحثان عن إجاباتٍ لتساؤلاتٍ أصبحت تثقل كاهلها. كانت قد عادت من مهمتها مع "كتيبة النور" قبل أيام، لكن روحها ظلت معلقةً في ساحة المعركة، في رائحة البارود، وفي صوت الصرخات المكتومة.

لم يكن الأمر يتعلق بالخطر الذي واجهته، أو بالجروح التي كادت أن تلحق بها. كان الأمر أعمق من ذلك. كان يتعلق بـ"طارق". منذ أن بدأت تشعر بمشاعرها تجاهه، ومنذ أن تلقت منه تلك الرسالة المبهجة التي أخبرها فيها بنيته العودة، لم تسمع عنه شيئاً. اختفى، كما لو أنه لم يكن.

حاولت الاتصال به، لكن رقم هاتفه لم يعد متاحاً. سألت عنه بعض الأصدقاء المشتركين، لكن أحداً لم يستطع إعطاءها معلومةً مؤكدة. بدأ الشك يتسلل إلى قلبها، كحشرةٍ صغيرةٍ تنخر في جدران الطمأنينة. هل كانت أحلامها به مجرد أوهام؟ هل كان قد وعدها بشيءٍ لن يستطيع الوفاء به؟

كانت "ليلى" تعرف أن الظروف المحيطة بهما لم تكن مثاليةً أبداً. الحرب، الفوضى، والخطر الدائم. لكن قلبها كان متعلقاً به، وكان يرفض تصديق الأسوأ. كانت تحتفظ بصورته، صورةٌ باهتةٌ التقطت في يومٍ مشمس، قبل أن يلفهم ظلام الحرب. كانت تتمعن في ملامحه، في ابتسامته، وتحاول استعادة دفء تلك اللحظات.

"ليلى،" نادتها والدتها، "ما الذي يشغل بالك؟ أراكِ شاردة الذهن منذ عودتكِ." التفتت "ليلى" نحو والدتها، امرأةٌ عجوزٌ تحمل في وجهها آثار الحزن والصبر. كانت قد فقدت زوجها في الحرب، ولم يبق لها سوى ابنتها. "لا شيء يا أمي،" أجابت "ليلى" بابتسامةٍ باهتة. "فقط أفكر في الواجب، وفي ما يجب علينا فعله."

لكن والدتها عرفت أن هناك ما هو أبعد من الواجب. "هل ما زلتِ تفكرين في ذلك الشاب؟" سألت بصوتٍ هادئ. شعرت "ليلى" بالخجل. "من تقصدين يا أمي؟" "تقصدين سالم... أقصد طارق."

أومأت "ليلى" برأسها، وشعرت بأن دموعاً حارةً تتجمع في عينيها. "لقد اختفى يا أمي. لا أعرف أين هو، ولا لماذا." جلست الأم بجانب ابنتها، وضمتها إلى صدرها. "يا بنيتي، في زمن الحرب، لا شيء مستقر. القلوب قد تتغير، والأقدار قد تتشابك. عليكِ أن تدعي الله أن يرشدكِ، وأن يكتب لكِ الخير."

كانت كلمات والدتها بلسمًا، لكنها لم تكن كافيةً لتهدئة اضطراب قلبها. كانت "ليلى" تعرف أن هذه المشاعر التي تحملها لـ"طارق" تتجاوز مجرد الصداقة. كانت تشعر بشيءٍ أعمق، شيءٌ ينمو في صمت، شيءٌ جعلها تتوق إلى مستقبلٍ يجمعها به.

في تلك الأثناء، كان "القائد مالك" يواجه صعوباتٍ كبيرة. كانت "كتيبة النور" قد حققت انتصاراً تكتيكياً في المعركة الأخيرة، لكن الثمن كان باهظاً. كانت هناك خسائر في الأرواح، وكان هناك نقصٌ في الذخيرة والمؤن. الأهم من ذلك، كانت هناك انقساماتٌ بدأت تظهر داخل صفوف الكتيبة. بعض الجنود كانوا يطالبون بالانتقام، بالثأر، بينما كان "مالك" يدعو إلى ضبط النفس، وإلى التركيز على حماية المدنيين.

"لا يمكننا أن نصبح مثلهم،" كان "مالك" يقول بحزم. "هدفنا هو العدل، وليس الانتقام. هدفنا هو بناء وطنٍ آمن، وليس تدمير ما تبقى." لكن بعض الشباب، ممن فقدوا عائلاتهم في الحرب، كانوا يرفضون الاستماع. كانوا يرون في "مالك" متردداً، وفي دعوته للسلام ضعفاً.

كان "أحمد"، الشاب الذي رأته "ليلى" ممسكاً بسلاحه بقوة، واحداً من هؤلاء. كان والده قد قُتل في هجومٍ وحشي، وكانت رغبته في الانتقام تشتعل في صدره.

"يا قائد،" قال "أحمد" ذات مرة، بصوتٍ يفيض بالغضب، "هل سنظل ننتظر الموت؟ هل سنظل نحتمي خلف الجدران بينما أعداؤنا يذبحون أهلنا؟" نظر "مالك" إلى "أحمد" بعينين تحملان الشفقة. "يا أحمد، أعرف أنك تمر بوقتٍ عصيب. لكن الغضب الأعمى لن يعيدك بوالدك. بالعكس، قد يجعلك تخسر المزيد. علينا أن نكون أقوياء، لا بوحشيتنا، بل بعزيمتنا وإيماننا."

كانت هذه الانقسامات تزيد من عبء "مالك". كان عليه أن يجمع بين القيادة العسكرية والحكمة السياسية، وأن يحافظ على تماسك الكتيبة في وجه التحديات المتزايدة.

بالنسبة لـ"ليلى"، كان صدى الماضي سمفونياً مع الشك الذي يراودها. هل كانت قد أحبت "طارق" أم مجرد خيالٍ صنعته رغباتها؟ هل كانت تنتظر رجلاً لم يعد موجوداً، أم رجلاً تغير تماماً؟ كانت هذه التساؤلات كالنار التي تحرق أعماقها، تجعلها تشعر بالعجز والألم.

في إحدى الليالي، وبينما كانت "ليلى" تحاول النوم، استيقظت على صوتٍ غريبٍ يأتي من الخارج. صوتٌ يشبه صوت خطواتٍ خفيفة، لكنه كان مصحوباً بحديثٍ مقتضب. تسللت "ليلى" إلى النافذة، محاولةً أن تميز ما يحدث.

لم ترَ شيئاً واضحاً، لكنها سمعت صوتاً مألوفاً، صوتاً جعل قلبها يتوقف للحظة. كان صوت "طارق". لكن لم يكن الصوت الذي عرفته. كان صوتاً خافتاً، مليئاً بالتوتر.

"هل انتهيت؟" سأل الصوت. "تقريباً،" أجاب صوتٌ آخر، لم تستطع "ليلى" تمييزه. "لكن علينا أن نكون حذرين. هذه المدينة ليست سهلة." "لا تقلق،" قال صوت "طارق". "الخطة محكمة. لن يلاحظ أحدٌ شيئاً."

تجمدت "ليلى" في مكانها. لم تفهم ما تسمع. خطة؟ ماذا يقصد؟ ومن هو هذا الشخص الذي يتحدث معه "طارق"؟ هل كان "طارق" في مهمةٍ سرية؟ أم أنه كان متورطاً في شيءٍ لا تعلمه؟

بدأت تتساقط عليها الشكوك كأمطارٍ غزيرة. هل كان اختفاؤه مقصوداً؟ هل كان يخفي عنها شيئاً؟ هل كان كل ما قالت لها عن حبها له مجرد تمثيل؟

كانت هذه الليلة نهاية هدوئها، وبداية سمفونيةٍ جديدةٍ من الشك والألم. لم تعد تعرف ماذا تفعل، ولمن تثق. كانت صدى الماضي الذي كانت تحاول التمسك به، يتحول الآن إلى شبحٍ مخيف، يهدد بابتلاع كل شيء.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%