حب في زمن الحرب 163
الشبحُ الذي يطاردُ الأحلامَ
بقلم فاطمة النجار
كانَ الليلُ قدْ أرخى سدولَهُ على مدينةِ دمشقَ، يلفُّ أزقّتَها الضيقةَ وصخبَ أسواقِها بسكونٍ موحشٍ. في تلكَ الليلةِ، لمْ ينمْ أحمدُ قريرَ العينِ. كلَّما أغمضَ جفنيهِ، رأى شبحَ السجائرِ، يلوحُ لهُ بأذرعِهِ النحيلةِ، يهمسُ لهُ بكلماتٍ مغويةٍ، يهددهُ بالقلقِ والأرقِ إنْ هوَ قاومَ.
كانَ يستيقظُ فزعاً، يتصببُ عرقاً بارداً، ثمَّ ينظرُ إلى فاطمةَ النائمةِ بجوارِهِ، بهدوءِ الملائكةِ. يتمنى لو أنَّهُ يستطيعُ أنْ يمنحَها كلَّ الحبِّ والأمانِ الذي تستحقُّ. لكنَّ إدمانَهُ كانَ سيفاً مسلطاً على عنقِ حلمِهما. كانَ يخافُ أنْ تكتشفَ أمرَهُ، أنْ ترى فيهِ ضعفاً، أنْ يتبدلَ بريقُ الحبِّ في عينيها إلى خيبةِ أملٍ.
في صباحِ اليومِ التالي، كانَ أحمدُ متوتراً أكثرَ منْ أيِّ وقتٍ مضى. طلبَ منْ فاطمةَ الخروجَ إلى السوقِ لشراءِ بعضِ الحاجياتِ. كانتْ فرصةً سانحةً لهُ، للحظةٍ واحدةٍ، ليختليَ بنفسِهِ، ويطفئَ نارَ رغبتِهِ الملتهبةِ.
في السوقِ، وبعدَ أنْ انفصلَ عنْ فاطمةَ بحجةِ البحثِ عنْ دواءٍ لوالدتِهِ، سارَ بخطواتٍ متثاقلةٍ نحوِ زقاقٍ جانبيٍّ، اعتادَ أنْ يلجأَ إليهِ. هناكَ، بينَ ظلالِ الجدرانِ العتيقةِ، كانَ ينتظرُهُ بائعٌ متجولٌ، معروفٌ ببيعِ كلِّ ما هوَ ممنوعٌ.
"ماذا تريدُ اليومَ يا أحمدُ؟" قالَ البائعُ بصوتٍ أجشٍّ، وقدْ ارتسمتْ على وجهِهِ ابتسامةٌ ماكرةٌ.
لمْ ينطقْ أحمدُ بكلمةٍ، بلْ أخرجَ بعضَ النقودِ، وأشارَ إليهِ. فهمَ البائعُ، فأخرجَ لهُ علبةَ سجائرٍ، أخفاها ببراعةٍ تحتَ عباءتِهِ.
عندما أمسكَ أحمدُ العلبةَ، شعرَ بوخزةٍ منْ الألمِ، ممزوجةٍ بلذةٍ ممنوعةٍ. كأنَّهُ يتناولُ سماً، ولكنهُ يتنفسُهُ. سارَ عائداً إلى فاطمةَ، وقلبُهُ يقرعُ طبولَ المعركةِ.
"وجدتَ ما تبحثُ عنهُ؟" سألتْ فاطمةُ بابتسامةٍ.
"نعم، الحمدُ للهِ." أجابَ أحمدُ، محاولاً كبتَ شعورِ الذنبِ الذي يلتهمُهُ.
عادَ إلى بيتِهِ، ولمْ يكَدْ ينتظرُ حتى أُتيحتْ لهُ الفرصةُ. ألقى بنفسِهِ على كرسيٍّ في شرفةِ البيتِ، وأشعَلَ سيجارةً. الدخانُ تصاعدَ، وكأنهُ يرسلُ رسالةً إلى السماءِ، رسالةَ اعترافٍ بضعفِهِ، برسالتِهِ.
"يا ربِّ، كنْ معي." همسَ لنفسِهِ، وهوَ يرى دخانَ السيجارةِ يتلاشى في الهواءِ، مثلَ أحلامِهِ.
كانَ الإدمانُ بالنسبةِ لهُ ليسَ مجردَ رغبةٍ جسديةٍ، بلْ هوَ إدمانٌ نفسيٌّ عميقٌ. كانَ يرى في السيجارةِ ملاذاً منْ الواقعِ، هروباً منْ قسوةِ الحياةِ. كانَ يشعرُ أنَّهُ إذا توقفَ عنِ التدخينِ، فسوفَ يعودُ إليهِ ذلكَ القلقُ المتجذرُ، ذلكَ الخوفُ الذي كانَ يسيطرُ على حياتِهِ قبلَ أنْ يكتشفَ هذهِ "الرفيقَةَ" الوهميةَ.
في إحدى الليالي، أثناءَ حديثِهِ معَ والدِهِ، رجلِ العلمِ والورعِ، قالَ الأبُ بحكمةٍ: "يا بنيَّ، إنَّ النفسَ أمارةٌ بالسوءِ، والهوى مطيةُ الشيطانِ. منْ تركَ حبلهُ، تهلكَ نفسُهُ."
تذكرَ أحمدُ كلماتِ والدِهِ، وشعرَ بوخزةِ ندمٍ. كانَ يعلمُ أنَّهُ يسيرُ في طريقٍ وعرةٍ، طريقٍ قدْ تقودُهُ إلى الهلاكِ. لكنَّ العادةَ كانتْ قدْ استطاعتْ أنْ تنسجَ شباكَها حولَهُ، وتمنعَهُ منْ التحررِ.
كانَ يرى كيفَ أنَّ إدمانَهُ يؤثرُ على علاقاتِهِ. زملاؤهُ في العملِ بدأوا ينظرونَ إليهِ بشيءٍ منْ الاستغرابِ، بسببِ رائحةِ الدخانِ التي تفوحُ منهُ أحياناً. حتى في مجلسِ العائلةِ، كانَ يشعرُ بالخجلِ، ويحاولُ أنْ يبتعدَ عنْ الأنظارِ.
كانَ يحلمُ بيومٍ يتخلصُ فيهِ منْ هذا القيدِ. يومٍ يستطيعُ فيهِ أنْ ينظرَ إلى وجهِ فاطمةَ دونَ خوفٍ، يومٍ يستطيعُ فيهِ أنْ يبنيَ بيتاً خالياً منْ سمومِ الماضي. لكنَّ الطريقَ إلى هذا اليومِ بدتْ طويلةً وشاقةً.
في إحدى الجلساتِ معَ فاطمةَ، كانتْ تتحدثُ عنْ ضرورةِ الحفاظِ على الصحةِ، وعنْ أضرارِ التدخينِ التي قرأتْ عنها. لمْ يستطعْ أحمدُ أنْ يواجهَ عينيها مباشرةً، وأجابَ بتعبٍ: "نعم، الأطباءُ يتحدثونَ عنْ هذا كثيراً."
شعرتْ فاطمةُ ببرودٍ في ردِّهِ، لمْ تعتدْ عليهِ. "هلْ أنتَ بخيرٍ يا أحمدُ؟ تبدو متعباً."
"فقطْ ضغوطُ العملِ يا عزيزتي." كذبَ أحمدُ، وشعرَ بالذنبِ يتضاعفُ.
كانَ يخافُ منْ المواجهةِ، منْ الاعترافِ. كانَ يخشى أنْ يكونَ اعترافُهُ نقطةَ الانهيارِ لعلاقتِهِ بفاطمةَ. كانَ يفضلُ أنْ يعيشَ في دوامةِ الكذبِ، على أنْ يخاطرَ بخسارتِها.
في تلكَ الليلةِ، وبعدَ أنْ ذهبتْ فاطمةُ لتنامَ، عادَ أحمدُ إلى الشرفةِ. أمسكَ سيجارةً، وأشعلها. نظرَ إلى اللهيبِ وهوَ يتصاعدُ، وكأنهُ يرى فيهِ انعكاسَ حياتِهِ، حياةٍ مليئةٍ بالتناقضاتِ، وبالرغبةِ في التحررِ، وبالقيودِ التي تحكمُهُ.
"منْ لي سواكَ يا ربِّ؟" دعا بصوتٍ خافتٍ، وهوَ ينظرُ إلى سماءِ دمشقَ المظلمةِ. كانَ يعلمُ أنَّ معركتَهُ معَ إدمانِهِ ليستْ مجردَ معركةٍ شخصيةٍ، بلْ هيَ معركةٌ منْ أجلِ حلمِهِ، منْ أجلِ حبِّهِ، منْ أجلِ مستقبلٍ يريدُ أنْ يكونَ خالياً منْ الشوائبِ. لكنَّ الشبحَ كانَ قوياً، وكانَ يطاردُ أحلامَهُ بشتى الطرقِ.