حب في زمن الحرب 163

خيوطُ الماضي المتشابكةُ

بقلم فاطمة النجار

لمْ تكنْ حكايةُ أحمدَ معَ إدمانِهِ هيَ الصعوبةُ الوحيدةُ التي تواجهُهُ في رحلةِ حبِّهِ لفاطمةَ. فالحياةُ، وخاصةً في زمنِ الحربِ، لا تتركُ الأمورَ تسيرُ بسلاسةٍ، بلْ غالباً ما تلقي بالعقباتِ في طريقِ الساعينَ إلى السعادةِ.

كانَ خليلُ، ابنُ عمِّ فاطمةَ، رجلاً ذو طموحاتٍ جامحةٍ، ونظرةٍ ضيقةٍ لمفهومِ الشرفِ والعائلةِ. لطالما رأى في فاطمةَ ملكاً لهُ، ليسَ بالحبِّ، بلْ بالاستحقاقِ. كانَ يعتقدُ أنَّ زواجَها منْ رجلٍ غريبٍ، خاصةً في ظلِّ الظروفِ التي تمرُّ بها البلادُ، هوَ إهانةٌ لشرفِ عائلتِهمْ.

كانَ خليلُ قدْ سافرَ إلى الخارجِ منذُ سنواتٍ، ليتابعَ دراستَهُ، تاركاً وراءهُ قصةَ حبٍّ منْ طرفٍ واحدٍ معَ فاطمةَ، حبٌّ لمْ يبادلْهُ فيهِ سوى حسنُ المعاملةِ كابنةِ عمٍّ. خلالَ فترةِ غيابِهِ، لمْ ينقطعْ تواصلُهُ معَ عائلتِهِ، وكانَ يسمعُ عنْ فاطمةَ وعنْ أحوالِها. وعندما عادَ إلى دمشقَ مؤخراً، وجدَ أنَّ الأمورَ قدْ تطورتْ، وأنَّ أحمدَ قدْ دخلَ حياةَ فاطمةَ، بلْ وتقدّمَ لخطبتِها.

غضبُ خليلٍ كانَ شديداً. لمْ يستطعْ تقبلَ فكرةِ أنْ يأخذَ رجلٌ آخرُ ما يعتبرُهُ ملكاً خاصاً بهِ. لمْ يكنْ يهمهَ رأيُ فاطمةَ، بلْ كانَ يرى الأمرَ مسألةَ قوةٍ ونفوذٍ. بدأَ يتربصُ بأحمدَ، يبحثُ عنْ أيِّ ثغرةٍ، عنْ أيِّ نقطةِ ضعفٍ يستطيعُ استغلالَها.

لاحظَ خليلٌ التغيرَ الذي طرأَ على أحمدَ مؤخراً. رأى فيهِ ارتباكاً، وهرباً منْ المواجهةِ. كانَ يرى علاماتِ الإرهاقِ باديةً على وجهِهِ، وكانَ يحاولُ أنْ يستشفَّ سرَّ هذا التعبِ.

في إحدى الأمسياتِ، وبينما كانَ أحمدُ في طريقهِ للقاءِ فاطمةَ، اعترضَهُ خليلٌ في أحدِ الأزقةِ الخاليةِ. كانَ خليلُ برفقةِ اثنينِ منْ أصدقائِهِ، رجلينِ مفتولي العضلاتِ، يظهرُ عليهما البأسُ.

"أحمدُ؟" نادى خليلٌ بصوتٍ يحملُ نبرةَ تحدٍّ.

توقفَ أحمدُ، وشعرَ ببرودةٍ تسري في عروقِهِ. "خليلٌ؟ ماذا تريدُ؟"

اقتربَ خليلٌ، وعيناهُ تتقدُ غضباً. "أريدُ أنْ أتحدثَ معكُ قليلاً. عنْ فاطمةَ."

"لا يوجدُ شيءٌ للحديثِ عنهُ. أنا خاطبُها، وهيَ موافقةٌ." قالَ أحمدُ، محاولاً أنْ يبدوَ قوياً.

ضحكَ خليلٌ بتهكمٍ. "موافقةٌ؟ هلْ أنتَ متأكدٌ؟ أمْ أنكَ تخدعُها، وتخدعُ نفسكُ؟"

"لا تتكلمْ عليها بسوءٍ." ردَّ أحمدُ، وقدْ بدأَ يشعرُ بالغضبِ.

"أنا لا أتكلمُ بسوءٍ، بلْ أرى الحقيقةَ. أرى ضعفَكَ، أرى أنكَ لستَ أهلاً لها." قالَ خليلٌ، مشيراً بسبابتهِ نحو أحمدَ. "ولكنْ، لديَّ حلٌّ لمشكلتِكَ. تراجعْ عنْ خطبتِها، واتركْها لي. وهكذا، لنْ تضطرَّ لمواجهةِ العارِ الذي ستجلبهُ لعائلتِها."

"أيُّ عارٍ تتحدثُ عنهُ؟" سألَ أحمدُ، وقدْ استفزّتْهُ كلماتُ خليلٍ.

"ربما تملكُ سراً تخفيهِ؟ ربما ليستْ كلُّ الأمورِ على ما يرامٍ معكُ؟" قالَ خليلٌ، وعيناهُ تلمعانِ بذكاءٍ مؤذٍ. كانَ قدْ بدأَ يشكُّ في أمرٍ ما.

نظرَ أحمدُ إلى الرجالِ الواقفينَ خلفَ خليلٍ، وأدركَ أنهُ في ورطةٍ. حاولَ أنْ يتراجعَ، لكنَّ خليلٍ لمْ يتركْ لهُ فرصةً.

"لا تخفْ يا أحمدُ، أنا رجلٌ كريمٌ. سأعطيكَ فرصةً. انسحبْ بهدوءٍ، وستعيشُ حياةً طبيعيةً. وإلا..." لوّحَ خليلٌ بيديِهِ، وكأنهُ يهددهُ بالضربِ.

شعرَ أحمدُ بضعفٍ مفاجئٍ. لمْ يكنْ مستعداً لهذهِ المواجهةِ، ولمْ يكنْ يرغبُ في إثارةِ أيِّ مشكلةٍ قدْ تؤثرُ على سمعتِهِ أمامَ فاطمةَ وعائلتِها.

"أنا لنْ أتراجعَ عنْ خطبتي." قالَ أحمدُ بصوتٍ ثابتٍ، رغمَ خوفِهِ. "وفاطمةُ اختارتْني، وأنا أثقُ بها."

"اثقُ بها؟" سخرَ خليلٌ. "حسناً، سنرى إلى أيِّ مدى يصلُ هذا الثقةُ. والآنَ، اذهبْ، قبلَ أنْ نفقدَ صبرنا."

انسحبَ أحمدُ، وقلبُهُ يضطربُ. لقدْ أدركَ أنَّ الحربَ ليستْ فقطْ على الحدودِ، بلْ هيَ أيضاً معاركُ خفيةٌ تدورُ في داخلِ المجتمعِ، بينَ الناسِ. كانَ يعلمُ أنَّ خليلٍ لنْ يتوقفَ، وأنهُ سيستمرُ في البحثِ عنْ نقاطِ ضعفِهِ.

عادَ أحمدُ إلى بيتِ فاطمةَ، وقدْ تضاعفتْ همومُهُ. لمْ يعدْ الأمرُ يتعلقُ فقطْ بإدمانِهِ، بلْ أصبحَ هناكَ عدوٌّ جديدٌ يهددُ سعادتَهُ. كانَ عليهِ أنْ يجدَ طريقةً للتصدي لتهديداتِ خليلٍ، وأنْ يثبتَ لفاطمةَ، ولنفسِهِ، أنهُ الرجلُ الذي تستحقُّ.

عندما رأتهُ فاطمةُ، لاحظتْ قلقَهُ. "ما بكَ يا أحمدُ؟ هلْ حدثَ شيءٌ؟"

ترددَ أحمدُ في البدايةِ، ثمَّ قررَ أنْ يختصرَ الحكايةَ. "لا شيءَ يا عزيزتي، مجردُ سوءِ فهمٍ معَ ابنِ عمِّكِ. لا تقلقي."

نظرتْ إليهِ فاطمةُ بعينيها الواسعتينِ، وبدتْ علاماتُ الشكِّ واضحةً عليهِما. "ابنُ عمي؟ خليلٌ؟"

"نعم. لقدْ تحدثَ معي. فقطْ يريدُ أنْ يفرضَ رأيهُ." قالَ أحمدُ، محاولاً إقناعَها.

كانتْ فاطمةُ تعرفُ خليلٍ جيداً. كانتْ تعرفُ عنادَهُ، وغرورَهُ. لكنَّ القلقَ ظلَّ يساورُها. لمْ تشعرْ أنَّ أحمدَ يقولُ كلَّ الحقيقةِ، لكنَّها لمْ ترغبْ في الضغطِ عليهِ.

"أتمنى أنْ تنتهيَ هذهِ الأمورُ بسرعةٍ." قالتْ فاطمةُ، وقدْ أدركتْ أنَّ زواجَها منْ أحمدَ لنْ يكونَ نزهةً سهلةً.

كانَ أحمدُ يعلمُ أنَّ هذا هوَ بدايةُ فصلٍ جديدٍ منْ المعاناةِ. كانَ عليهِ أنْ يواجهَ إدمانَهُ، وأنْ يواجهَ تهديداتِ خليلٍ، كلُّ ذلكَ وفي سبيلِ حبِّهِ لفاطمةَ. كانتْ خيوطُ الماضي المتشابكةُ تلقي بظلالِها على المستقبلِ، وتجعلُ الطريقَ أمامهُ أكثرَ وعورةً.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%