أحلام الحب 164
ظلالٌ تقترب ووشوشاتٌ خفية
بقلم سارة العمري
ازدادت الأيام دفئاً وإشراقاً مع اقتراب موعد الخطبة الرسمية، ولكن لم يكن كل شيء على ما يرام في جنبات قصر العائلة الكبير. كانت فاطمة، رغم فرحتها العميقة بقرار الارتباط بأحمد، تشعر ببعض القلق الذي لم تستطع تحديد مصدره. كانت تعلم أن القلوب قد تتغير، وأن الظروف قد تفرض نفسها، ولكن قلبها كان يدفعها دائماً للثقة بالخير.
من ناحية أخرى، كانت سلوى، ابنة عمها، تتأجج غيرةً وحسداً. لم تستطع أن ترى سعادة فاطمة دون أن تشعر بمرارةٍ في حلقها. لطالما كانت تحلم بأحمد، بشخصيته القوية، بماله، وبمكانته الرفيعة. كانت ترى في فاطمة مجرد فتاةٍ عادية، لا تستحق رجلاً بمواصفات أحمد.
في أحد الأيام، وبينما كانت فاطمة تساعد والدتها في ترتيب المنزل استعداداً للقاءات الاجتماعية المتزايدة، وجدت سلوى فرصةً سانحة. اقتربت منها بابتسامةٍ زائفة، تحمل في طياتها سمّاً مدمراً.
"ما شاء الله يا فاطمة،" قالت سلوى بصوتٍ معسول، "أرى أن الأمور تسير بسرعةٍ البرق. خطبتكِ لأحمد، الخبر انتشر كالنار في الهشيم. تهانينا!"
ابتسمت فاطمة بخجل. "شكراً لكِ يا سلوى. الحمد لله، الله يتمم على خير."
"ولكن،" واصلت سلوى، وقد خفتت ابتسامتها قليلاً، "هل أنتِ متأكدةٌ من هذا الارتباط؟ أعني، أحمد رجلٌ طموحٌ جداً، وله علاقاتٌ كثيرة. سمعتُ أنه كان في السابق... حسناً، لا أريد أن أخرب عليكِ سعادتكِ."
توقف قلب فاطمة للحظة. لم تفهم ما تقصده سلوى. "ماذا تقصدين يا سلوى؟"
"لا شيء، لا شيء مهم،" قالت سلوى بتظاهرٍ باللامبالاة، "فقط أنني سمعتُ بعض الأحاديث. أحاديثٌ عن ماضيه. قد يكون لديه بعض الأصدقاء الذين لا يتناسبون مع أخلاقكِ الرفيعة."
كانت هذه الكلمات كالصواعق تهوي على رأس فاطمة. لم تستطع أن تتخيل أحمد على غير ما رأته فيه. كان رجلاً وقوراً، يتحدث دائماً عن دينه وأخلاقه. ولكن، هل يمكن أن تكون سلوى صادقة؟ هل يمكن أن تكون هناك جوانبٌ خفيةٌ في حياة أحمد لم تظهر لها؟
"سلوى،" قالت فاطمة بصوتٍ مرتعش، "أحمد أعرفه جيداً. هو رجلٌ صالحٌ، ويخاف الله. ولا أعتقد أنكِ على حقٍ في هذه الأحاديث."
"لا أريد أن أشكك في اختياراتكِ يا فاطمة،" قالت سلوى، وقد ارتسمت على وجهها علاماتُ الشفقة الزائفة. "لكنني أريد لكِ الخير. سمعتُ أن له بعض العلاقات النسائية قبل أن يقرر الخطوبة. أصدقاءٌ قديمون، تعرفين كيف يكون الأمر. أريد فقط أن أنبهكِ، أن تكوني حذرةً. فالرجال قد يتغيرون، وقد تكون لديهم بعض الأسرار."
تركت كلمات سلوى أثراً عميقاً في نفس فاطمة. لم تستطع إقناع نفسها بأن أحمد قد يكون على غير ما يبدو عليه. ولكن، ماذا لو كان هناك حقٌ فيما تقوله سلوى؟ كيف يمكنها أن تتأكد؟
في هذه الأثناء، كان أحمد يشعر ببعض الاستغراب من سلوك سلوى. كانت تراوده أحياناً بكلماتٍ ملتوية، تحمل تلميحاتٍ غير لائقة. كان يتجنبها قدر الإمكان، ولكنه لاحظ أنها بدأت تظهر في كل مكانٍ تواجدت فيه فاطمة.
في أحد الأيام، وبعد لقاءٍ عائليٍ قصير، اقتربت سلوى من أحمد بمفردها. "أحمد،" قالت بصوتٍ حنون، "هل أنت متأكدٌ من اختيارك؟ فاطمة فتاةٌ لطيفة، ولكن هل حقاً تناسب طموحاتك؟"
نظر إليها أحمد باستغراب. "ماذا تقصدين يا سلوى؟"
"أعني،" واصلت سلوى، "أنك شابٌ ناجحٌ، طموحٌ، ولديك الكثير لتفقده. وفاطمة... هي مجرد فتاةٍ تعيش في عالمها الخاص. ربما تحتاجين إلى شريكةٍ تفهم عالمك، شريكةٍ تستطيع أن تسايرك في مشاويرك، لا أن تبقى حبيسةَ المنزل."
ابتسم أحمد ابتسامةً باردة. "سلوى، هل نسيتِ أننا في مجتمعٍ مسلم؟ وأن اختياري لفاطمة لم يكن عشوائياً؟ لقد اخترتها لدينها وخلقها، ولما لمسته فيها من نقاءٍ وطهر. هذه هي الصفات التي يبحث عنها كل رجلٍ مسلمٍ يريد بناء أسرةٍ صالحة. وأما عن حبيسة المنزل، فأنا لا أرى في ذلك عيباً، بل قد يكون ذلك ضماناً لبيتٍ مستقرٍ وسعيد."
"ولكن،" حاولت سلوى أن تتمسك بأملٍ واهٍ، "هل أنت حقاً سعيدٌ بها؟ أم أنها مجرد خطوةٌ روتينية؟"
"سلوى،" قال أحمد بجديةٍ متزايدة، "من الأفضل لكِ أن تتوقفي عن هذه الأحاديث. أنا رجلٌ واعٍ، وأعرف ما أريد. وفاطمة هي اختياري، وأنا سعيدٌ بها. وأرجو أن تحترمي قراري، وأن تتوقفي عن محاولة التأثير فيّ أو في مشاعرها."
شعر أحمد ببعض الانزعاج من سلوى. كانت محاولاتها واضحةً وصريحةً، وكانت تثير لديه الشكوك حول دوافعها.
في هذه الأثناء، كانت السيدة عائشة، والدة فاطمة، تشعر ببعض القلق من سلوك سلوى. كانت تلاحظ نظراتها الحاقدة تجاه فاطمة، وكلماتها المبطنة. قررت أن تتحدث مع زوجها، السيد عبد الله.
"يا عبد الله،" قالت السيدة عائشة، "أشعر بأن سلوى ليست على ما يرام. أراها تنظر إلى فاطمة بعينٍ مختلفة، وأسمع كلماتٍ منها تحمل معاني خبيثة."
نظر إليها السيد عبد الله. "لقد لاحظتُ ذلك أيضاً يا عائشة. هي فتاةٌ تحمل في قلبها بعض الحسد. ربما لم يعجبها أن أحمد اختار فاطمة. ولكن، لا تقلقي. إن شاء الله، لن تستطيع أن تفعل شيئاً. فطمة فتاةٌ ذكية، وأحمد رجلٌ واعي."
"أتمنى ذلك يا عبد الله،" قالت السيدة عائشة. "لكنني أخشى أن تحاول إثارة الفتنة. هي تعرف كيف تتلاعب بالكلمات. أخشى أن تؤثر على فاطمة، أو على أحمد."
"سنكون يقظين،" قال السيد عبد الله. "وإذا تجاوزت سلوى حدودها، سنتحدث معها، ومع والدها. فلا يمكن أن نسمح لأحدٍ بإفساد سعادة ابنتنا."
في تلك الليلة، لم تستطع فاطمة النوم. بقيت مستيقظةً، تفكر في كلمات سلوى. حاولت أن تقنع نفسها بأنها مجرد أوهام، وأن سلوى تحاول أن تشعل الفتنة. ولكن، كان هناك صوتٌ صغيرٌ داخلها يشكك. هل يمكن أن يكون أحمد قد يخفي شيئاً؟ هل يمكن أن يكون ماضي الرجل مليئاً بالقصص التي لا يعلمها أحد؟
شعرت فاطمة بأنها في مفترق طرق. كيف يمكنها أن تتعامل مع هذه الشكوك؟ هل تواجه أحمد مباشرةً؟ أم تتجاهل كلمات سلوى؟ كانت تعلم أن بناء الثقة هو أساس العلاقة، ولكن الشكوك، وإن كانت صغيرة، قد تنمو وتكبر إذا لم يتم التعامل معها بحكمة.
في الأثناء، كان أحمد مشغولاً بالتحضيرات للخطبة. كان يتواصل مع منسق الحفل، ويختار المجوهرات لخطيبته. لم يكن لديه أدنى فكرةٍ عما يدور في خلد سلوى، أو عن الأثر الذي بدأت تتركه كلماتها على فاطمة. كان يرى المستقبل بعينٍ وردية، ولم يكن يتوقع أن هناك ظلالاً داكنةً بدأت تقترب.
وفي غرفة سلوى، كانت تبتسم بانتصار. "لقد نجحتُ في زرع بذرة الشك،" همست لنفسها. "الآن، سأراقب كيف ستنمو هذه البذرة، وكيف ستتحول إلى شجرةٍ تفرق بينهما."
كانت سلوى تعتقد أنها تفعل الصواب، وأنها تحمي أحمد من فتاةٍ قد لا تكون على مستوى طموحاته. لم تدرك أنها كانت تدمر نفسها قبل أن تدمر الآخرين، وأن الشر الذي تبثه سينقلب عليها في يومٍ من الأيام.