أحلام الحب 164
نسائم الشك ورنين الأمل
بقلم سارة العمري
كانت نسمة الصباح، تلك التي تعودت عليها ريم في حديقة منزل جدتها الوارفة، هذه المرة تحمل معها همساً خفيفاً من الشك، لم يكن ذلك الشك الذي يمزق القلب، بل ذلك الذي يلفه برفق، كوشاح من صوف غزير في ليلة باردة. جلست قرب نافورة الماء، تستمع إلى ترنيمات قطراتها المتناثرة، التي كانت قبل أيام تبدو لها ألحاناً سرور، أما اليوم، فكانت كأنها تنعى شيئاً قد أوشك على الأفول.
في الأيام الماضية، بدت لها لقاءاتها بسامي في منزل جدتها، تلك اللقاءات التي كانت تضيء أيامها ببريق خاص، وكأنها فصول من قصة أسطورية تنسج خيوطها السحرية ببطء. لكن بعد تلك المحادثة مع ابنة عمها، لبنى، التي أثارت في نفسها تساؤلات لم تستطع تبديدها، بدأت تنظر للأمور بعين مختلفة. لم تكن لبنى سيئة النية، بل كانت في معظم الأحيان نصيحة صديقة، لكن هذه المرة، حملت كلماتها ثقلاً لم تعهده.
"ريم يا عزيزتي، سامي شاب طيب، نعم، لكن لا تنسي أن والدته، السيدة فاطمة، لها سمعتها. سمعة تجعلها تضع شروطاً لا يستهان بها." قالت لبنى وهي تتأمل ريم بعينين تحملان مزيجاً من الاهتمام والتحذير. "هي امرأة تحب السيطرة، وتفضل من تتناسب تماماً مع صورة عائلتها. ووالدته، هي التي تقرر كل شيء في بيتهم. هل أنتِ مستعدة لكل هذا؟"
حينها، ابتسمت ريم بقلب واثق، وقالت: "علاقتي بسامي لا تتعلق بوالدته، بل بما بيننا. وما يجمعنا هو أكبر من مجرد موافقات خارجية."
لكن الآن، وبعد مرور أيام، بدأت تلك الكلمات تتسلل إلى مسامعها، وتتردد في أرجاء عقلها. هل كانت جريئة جداً في حكمها؟ هل كانت ترى الصورة بمنظار وردي لا يعكس الواقع؟ تذكرت كيف كانت السيدة فاطمة تنظر إليها في المناسبات القليلة التي التقتا بها، نظرة فاحصة، كأنها تقيّم جوهرة ثمينة، لكنها في الوقت نفسه، كانت تحتفظ بمسافة باردة.
في تلك الأثناء، وصل سامي، حاملاً معه باقة من الياسمين، تلك الأزهار البيضاء النقية التي كانت ريم تعشقها. ابتسم ابتسامته المعهودة، ابتسامة تحمل دفء الشمس وقت الأصيل، ورائحة الأرض بعد المطر.
"صباح الخير يا ريم، أرى أنكِ تستمتعين بجمال الطبيعة، تماماً كما استمتع بكِ قلبي." قال وهو يقدم إليها الأزهار.
أخذت ريم الباقة، واستنشقت عبيرها الفواح، لكن قلبها لم يرتفع بنفس السرعة المعهودة. "صباح النور سامي. شكراً على الياسمين، إنه يذكرني بأيام جميلة."
جلسا على مقعد حجري قديم، تحيط به ورود حمراء متفتحة، لكن دفء المشاعر بدا وكأنه تراجع قليلاً، تحت وطأة الغيوم التي بدأت تتجمع في أفق ريم.
"كيف حالكِ اليوم؟" سأل سامي، وبدا في صوته شيء من القلق الخفيف. "تبدين شاردة الذهن قليلاً."
ترددت ريم للحظة. هل كان الوقت مناسباً لطرح تلك الأسئلة؟ هل كان من العدل أن تلوث صفاء لقائهما بنفحات من الشك؟ لكن صمتها قد يزيد الأمر سوءاً، وقد يخلق مسافة أكبر بينهما.
"سامي، هل لي أن أسألك شيئاً؟" قالت بصوت هادئ، لكنه يحمل ثقلاً غير متوقع.
"بالتأكيد يا حبيبتي. أي شيء."
"والدتكِ... السيدة فاطمة. كيف هي علاقتها بك؟ أقصد، هل هي... هل هي صاحبة القرار في كل الأمور؟"
ارتبك سامي قليلاً. رفع حاجبيه باستغراب، ثم حاول أن يخفي ذلك الارتباك بابتسامة خفيفة. "لماذا هذا السؤال يا ريم؟ والدتي امرأة عظيمة، وأنا أحترمها كثيراً، وهي تحبني. هذا كل ما في الأمر."
"أعلم ذلك. لكن... هل تشعر أنها تتدخل في قراراتك؟ في حياتك؟" أصرت ريم، تشعر أن عليها أن تعرف الحقيقة كاملة.
تنهد سامي، وبدت على وجهه علامات التفكير العميق. "ريم، كل أم تحب لابنها الأفضل. ووالدتي، ربما هي تفكر بطريقتها الخاصة في ما هو أفضل لي. هي تحرص على أن تكون حياتي مستقرة، وأن تكون شريكتي في المستقبل مناسبة لعائلتنا. هذا طبيعي، أليس كذلك؟"
"ولكن... هل أنتَ حر في اختيار من تحب؟ هل لكَ قرارك الخاص في هذه الأمور؟"
نظر سامي إلى ريم، وعيناه تسألان دون كلام. بدا وكأنه لم يواجه مثل هذا السؤال من قبل. "بالطبع أنا حر. أنا أختار شريكة حياتي. والدتي قد تنصح، قد تقترح، لكن القرار النهائي لي." قالها بثقة، لكن لم تكن تلك الثقة المطلقة التي اعتادت ريم أن تراها في عينيه.
شعرت ريم بنبرة من التردد في صوته، وراحت الأفكار تتدافع في رأسها. هل كان يتهرب من الإجابة؟ أم أنه لم يفهم عمق سؤالها؟ أو ربما، كان هو نفسه يخدع نفسه؟
"أتمنى ذلك يا سامي." قالت بخفة، محاولة إنهاء هذا الجزء من الحديث. "فالزواج هو قرار شخصي، يتعلق بقلبين، لا بيد واحدة تتحكم في مصيرهما."
لم يرد سامي، وبدا وكأن شيئاً ما قد تغير في الجو بينهما. لم يكن جو شجار، بل كان جو من الترقب، جو يحمل في طياته أسئلة معلقة.
بعد لحظات من الصمت، تناول سامي يد ريم، وكأنه يريد أن يؤكد لها شيئاً. "ريم، مهما كانت الظروف، مهما كانت آراء الآخرين، علاقتنا، ما بيننا، هو ما يهم. ولن أسمح لأحد بأن يزعزع ذلك."
لمست كلمات سامي ريم، شعرت بصدقها، لكنها لم تستطع أن تطفئ تماماً شرارة القلق التي اشتعلت فيها. هل كان كلامه مجرد وعد عابر، أم حقيقة راسخة؟
عاد الهدوء إلى الحديقة، لكنه لم يكن الهدوء الذي يبعث على السكينة، بل كان الهدوء الذي يسبق العاصفة، أو ربما، هدوء ما قبل إدراك الحقيقة. نظرت ريم إلى الياسمين في يدها، وشعرت بأن رائحتها، التي كانت تبعث على السعادة، تحمل الآن عبق التساؤلات، وعطر المستقبل الغامض.
في تلك الأثناء، وصل السيد خالد، والد سامي، لزيارة جدتها. رحبت به الجدة بحرارة، وجلسا يتحدثان في الشرفة المطلة على الحديقة. لاحظت ريم أن والد سامي يبدو على وجهه بعض الحزن.
"هل كل شيء على ما يرام يا عمي؟" سألت ريم عندما سنحت لها الفرصة.
نظر إليها السيد خالد، وبدا وكأنه يجمع شتات أفكاره. "الحمد لله يا ابنتي. فقط بعض الأمور التي تتعلق بالعمل. وضغوط الحياة."
لم تشعر ريم بأن هذا هو السبب الوحيد. هناك شيء أعمق، شيء غامض يلف السيد خالد، وشيء جعلها تشعر بقلق إضافي.
"هل تعلم يا سامي؟" سأل السيد خالد عندما انضم إليهم، "والدتكِ بدأت تتحدث عن موضوع زواجك بشكل جدي. تريد أن تجد لكِ عروساً مناسبة من عائلتنا الممتدة."
تجمد سامي للحظة. نظر إلى ريم، التي كانت تراقب هذه المحادثة بعينين واسعتين.
"أمي؟" قال سامي بتعجب خفيف. "لكنني لم أقل لها أنني أرغب في الزواج حالياً."
"هي تعلم ما هو الأفضل لك يا بني. ولابد أن تبدأ بالبحث مبكراً." قال السيد خالد، وبدا في نبرته بعض الخضوع.
شعرت ريم بأن عالماً كاملاً بدأ يتصدع من حولها. كلماتها، تساؤلاتها، بدأت تتجلى أمامها بصورة أكثر وضوحاً. لم يكن الأمر مجرد تدخل بسيط، بل كان مخططاً كبيراً، يحاك خلف الكواليس.
نظرت إلى سامي، وإلى وجهه الذي بدا وكأنه يحاول أن يجمع بين ما يقوله والده وبين ما تشعر به هي. وفي تلك اللحظة، أدركت أن نسائم الشك التي بدأت تهب عليها، قد تحولت إلى رياح قوية، وأن رنين الأمل الذي كان يملأ قلبها، قد خفت صوته تحت وطأة واقع بدأ يتكشف، واقع لم يكن بالبساطة التي تخيلتها.