أحلام الحب 164
سيل الحقائق وقناع الحقيقة
بقلم سارة العمري
لم يكن الصباح التالي كسابقه. استيقظت ريم وقلبها مثقلاً بعبء المعرفة الجديدة. لم تعد الأمور تبدو واضحة كما كانت. في الأمس، كانت تعتقد أن قصة حبها مع سامي هي قصة بسيطة، تنسج خيوطها المشاعر الصادقة والإعجاب المتبادل. لكن الآن، اكتشفت أن هناك طبقات أخرى، طبقات مظلمة، تتشابك فيها المصالح العائلية والتقاليد الصارمة، وتتحكم فيها قرارات لم يكن لها فيها يد.
بعد حديث والد سامي، السيد خالد، مع ابنه، شعرت ريم بأن صدى كلماته ما زال يتردد في أرجاء المنزل، وكأنه إنذار مبكر لما هو قادم. ذهبت إلى جدتها، وجدت السيدة العجوز جالسة في شرفتها، تتأمل أزهار الياسمين التي أحضرها سامي.
"صباح الخير يا جدتي." قالت ريم وهي تجلس بجانبها.
"صباح النور يا روح جدتكِ." ردت الجدة بابتسامة دافئة، لكن ريم لاحظت بعض التعب في عينيها. "رأيتِ سامي بالأمس، صحيح؟"
"نعم يا جدتي. أحضر لي ياسمين."
"هو شاب طيب. وابنه لوالدته. يحبها كثيراً." قالت الجدة، وكلماتها لم تكن مجرد وصف، بل كانت تحمل في طياتها تحذيراً مبطناً.
"لكن يا جدتي، هل علاقة سامي بوالدته تعني أن قراراته في حياته ليست له؟" سألت ريم، وشعرت بأنها تغوص في بحر من التعقيدات.
تنهدت الجدة، ونظرت إلى الأفق البعيد. "يا بنيتي، في بيوتنا العربية الأصيلة، العائلة لها مكانة عظيمة. والأم، مكانتها أعلى. خاصة أم من عائلة آل سليم. السيدة فاطمة، هي ليست مجرد أم، هي رأس هرم، وهي التي تدير كل الأمور، حتى وإن بدت الأمور تسير برضا الآخرين."
"ولكن... هذا ليس عدلاً. أليس كذلك؟"
"العدل مفهوم واسع يا ريم. وفي بعض الأحيان، يكون ما يبدو لنا غير عادل، هو ما يرضي الله ويرضي الناس. والسيدة فاطمة، تحرص دائماً على أن تكون عائلتها في المقدمة، وأن يكون كل شيء يسير وفق ما تراه هي صحيحاً. وهي لا ترى فيكِ، في هذه اللحظة، تلك الشريكة المثالية لابنها."
صدمت ريم من هذه الكلمة. "لم ترني مناسبة؟ ولماذا؟"
"لأنكِ لستِ من عائلتهم الممتدة. ولأنها تفضل من تكون من نفس مستواها الاجتماعي، ومن تكون تحت سيطرتها المباشرة. هي لا تريد زوجة لابنها، بل تريد خادمة لطموحاتها."
شعرت ريم بأن كلماتها كالسهم الذي يخترق قلبها. لم تتوقع هذه الصراحة، ولم تتخيل أبداً أن تكون نظرة السيدة فاطمة إليها بهذا السوء.
"هل هذا يعني أن سامي... أنه لا يملك قراره؟" سألت بصوت بالكاد مسموع.
"سامي يحب والدته. ويخاف من غضبها. وقد تكون لديه مشاعر تجاهكِ، لكنه لن يستطيع أن يتجاوز رغبات والدته. خاصة إذا كانت هذه الرغبات تتعلق بمستقبله وبسمعة العائلة."
جلست ريم صامتة، تتأمل ما سمعته. بدا وكأن عالماً بأكمله قد انهار حولها. كانت تحب سامي، وتؤمن بصدق مشاعره، لكنها لم تتخيل أبداً أن يكون هذا هو الثمن الذي ستدفعه.
في تلك الأثناء، وصل سامي، كعادته، بعد الظهيرة. دخل المنزل، ورأى ريم جالسة مع جدتها. ابتسم، لكن ابتسامته لم تصل إلى عينيه.
"مرحباً يا أمي، مرحباً يا ريم." قال وهو يقترب. "كيف حالكما؟"
"نحن بخير يا بني. لكننا كنا نتحدث عن الأمور الهامة." قالت الجدة، وبدا في صوتها نوع من الحكمة الهادئة.
نظر سامي إلى ريم، ورأى في عينيها شيئاً من الحزن. "هل أنتِ بخير يا ريم؟" سأل بقلق.
"أنا بخير يا سامي. فقط... كنت أفكر."
"فيماذا تفكرين؟"
ترددت ريم. هل كان الوقت مناسباً لمواجهته؟ هل كانت مستعدة لسماع كلامه، وقد يكون مليئاً بالتهرب أو الاعتذار؟
"سامي، هل يمكن أن نتحدث وحدنا قليلاً؟" طلبت ريم، وبدا صوتها هادئاً، لكنه يحمل في طياته قوة لم تعهدها.
وافق سامي، وخرجا إلى الحديقة. جلسا على نفس المقعد الحجري، تحت ظلال الياسمين.
"سامي، لقد علمتُ بالأمس أن والدتكِ تخطط لزواجك من شخص من عائلتكم." قالت ريم مباشرة، دون مقدمات.
تجمد سامي للحظة. اتسعت عيناه بالدهشة، ثم حاول أن يستعيد رباطة جأشه. "من قال لكِ هذا؟"
"والدكِ قال لي. وأكدت لي جدتي."
بدا سامي وكأنه يبحث عن الكلمات المناسبة. "ريم، والدتي تحبني، وهي ترغب في مصلحتي. هي فقط... تريد أن تتأكد من أن مستقبلي مستقر."
"ولكن هذا ليس قرارك أنت، أليس كذلك؟" قالت ريم، وصوتها يرتفع قليلاً. "هذا قرار والدتكِ. أليس كذلك يا سامي؟"
نظر سامي إلى الأرض. بدا وكأنه في صراع داخلي. "ريم، الأمر ليس بهذه البساطة. والدتي، هي كل شيء بالنسبة لي. ولا أريد أن أغضبها."
"ولكن هل أنت مستعد أن تضحي بسعادتك، بسعادتنا، من أجل إرضائها؟"
"لا! بالطبع لا." قال سامي بسرعة، وكأنه يريد أن ينفي ذلك بقوة. "لكن... يجب أن أفكر في الأمر. يجب أن أجد حلاً."
"حلاً؟ ما هو الحل يا سامي؟ أن تخدعني؟ أن تخدع نفسك؟"
"لا يا ريم، أنا لا أخدعك. أنا أحبكِ. وأنتِ تعرفين ذلك."
"أعلم أنك قلت لي ذلك. لكن أفعالك، هي التي تثبت الحب. وليس مجرد الكلمات."
نظر سامي إلى ريم، ورأى في عينيها مزيجاً من الألم والإصرار. شعر بثقل كبير يقع على كتفيه. لم يكن يريد أن يخسر ريم، ولكنه كان يعلم أيضاً أنه لن يستطيع أن يقف في وجه والدته.
"ريم، أنا... أنا أحتاج وقتاً للتفكير." قال بصوت متعب.
"وكم من الوقت يا سامي؟ هل ستعطيني وقتاً بعد أن تكون قد أصبحتِ زوجة لشخص آخر؟"
"لا تقولي هذا!" قال سامي بقوة، وكأنما شعر بالخوف. "أنا لن أترككِ."
"لكن هل تستطيع أن تمنع والدتكِ؟ هل تستطيع أن تقف في وجه قراراتها؟"
هنا، صمت سامي. صمته كان أبلغ من أي كلام. وفي هذا الصمت، رأت ريم الحقيقة كاملة. لم يكن سامي بطلاً أسطورياً، بل كان شاباً مقيداً بقيود والدته، مقيداً بالتقاليد والعادات.
"إذاً، هذا هو الحال." قالت ريم، وبدا في صوتها صوت انهيار. "إذاً، كان حبنا مجرد وهم. مجرد حلم قصير الأجل."
"لا يا ريم! لا تقولي هذا." توسل سامي.
"قلت لي أنك تحبني. وقلت لي أنك ستختارني. ولكن يبدو أن هناك من سيختار لك."
وقفت ريم، وقلبها ينزف ألماً. نظرت إلى سامي، الذي كان يجلس هناك، عاجزاً. وفي تلك اللحظة، شعرت بأن كل ما بنته من أحلام، قد تحطم إلى فتات. لم يكن الأمر مجرد حب، بل كان صراعاً بين القلب والعقل، بين الرغبة والواقع. وكان الواقع، للأسف، قاسياً جداً.