أحلام الحب 164
سكون ما قبل العاصفة وقرار حاسم
بقلم سارة العمري
جلست ريم في غرفتها، تطل من النافذة على سماء أمسكت بغيوم رمادية ثقيلة، تنذر بمطر وشيك. كانت تشعر بنفس الثقل في صدرها، ثقل الحقيقة التي اكتشفتها. لم تعد تنظر إلى سامي بنفس النظرة. لم تعد ترى فيه الشاب الذي يملك قراره، بل رجلاً أسير رغبات والدته، رجلاً لم يستطع أن يفتح لنفسه طريقاً بعيداً عن سلطة العائلة.
كلمات الجدة، وكلمات والد سامي، وصمته هو في النهاية، كلها نسجت حولها شبكة من اليأس. لم تعد هناك مجال للأحلام الوردية. كان عليها أن تواجه الواقع، مهما كان مؤلماً.
في تلك الأثناء، وصلتها رسالة عبر هاتفها. كانت من سامي. "ريم، أرجوكِ، تعالي إلى حديقة المنزل. أريد أن أتحدث معكِ."
شعرت ريم بقلبها يخفق بقوة. هل كان هناك أمل؟ هل كان سامي قد قرر أخيراً أن يتمسك بها؟ لكنها سرعان ما قمعت هذا الأمل، خوفاً من أن يُكسر مرة أخرى.
نزلت إلى الحديقة. كان سامي ينتظرها قرب النافورة. بدا وجهه شاحباً، وعيناه تحملان مزيجاً من الحزن والتوتر.
"ريم، أرجوكِ، اسمعيني." بدأ سامي، وصوته مرتجف قليلاً. "أعرف أنني خيبت أملك. وأعرف أنني لم أكن قوياً بما يكفي."
"لقد صمت يا سامي." قالت ريم بهدوء، وبنبرة تحمل الكثير من الألم. "صمتك كان أبلغ من أي كلام."
"كنت أحاول أن أجد حلاً. حلاً يرضي الجميع. لكنني أدركت الآن أن هذا مستحيل."
"ولماذا هو مستحيل؟"
"لأن والدتي... لا تقبل إلا ما تراه هي. ولا ترضى إلا بمن تختاره هي. وهي قد قررت بالفعل."
"قررت ماذا؟" سألت ريم، وقلبها بدأ يخفق بقوة أكبر.
"لقد قررت أن ترتب زواجي من ابنة عمي، آمال. هي تفضل أن تظل العائلة متماسكة، وأن تظل الأمور تحت سيطرتها."
صدمت ريم. آمال. الفتاة التي سمعت عنها قصصاً كثيرة، الفتاة التي وصفتها الجدة بأنها "مطيعة". شعرت بأن الأرض تميد بها. لم تكن تتوقع هذا القرار بهذه السرعة، وبهذه الحسم.
"آمال؟" كررت ريم، بصوت شبه مفقود. "وهل وافقت أنت؟"
نظر سامي إليها، وعيناه مليئتان بالحسرة. "لم يكن لدي خيار يا ريم. والدتي، إذا غضبت، فستجعل حياتي جحيماً. ولن تسمح لي بالزواج من أي شخص آخر. ووالدي... لا يستطيع أن يقف في وجهها."
"ولكنك قلت لي أنك تحبني. قلت لي أنك ستختارني."
"وأنا أحبكِ يا ريم. والله يعلم كم أحبكِ. لكنني... أنا ضعيف. أمامها. أمام عادات وتقاليد هذه العائلة. لا أستطيع أن أقاوم."
شعر سامي بالدموع تتجمع في عينيه. "أنا آسف يا ريم. آسف لأنني لم أكن الرجل الذي تستحقين."
لم تجب ريم. كانت الكلمات قد نفدت. لم تعد هناك كلمات يمكن أن تصف حجم الألم الذي تشعر به. نظرت إلى سامي، ورأت فيه صورة لرجل ضائع، رجل لم يستطع أن يتحمل مسؤولية مشاعره.
"إذاً، هذا هو قرارك." قالت ريم في النهاية، بنبرة خالية من أي عاطفة. "قرارك أن تتزوج من آمال. وأن تنسى كل شيء بيننا."
"لا، لن أنسى أبداً." قال سامي بعزم. "لكنني يجب أن أطيع والدتي. هذا ما يتوقعه الجميع مني."
"ولكن ماذا عن ما تتوقعه أنت؟ ماذا عن سعادتك؟"
"سعادتي... ربما تكون في إرضاء من أحبهم. وفي الحفاظ على سمعة عائلتي."
"حتى لو كان ذلك يعني التضحية بحبك؟"
"إذا كان هذا هو الثمن، فسأدفعه." قال سامي، وبدت على وجهه علامات الاستسلام.
لم تستطع ريم أن تتحمل أكثر من ذلك. وقفت، وشعرت بأن ساقيها لا تحملانها. "أتمنى لك السعادة يا سامي. مع آمال. ومع والدتك." قالتها بنبرة قاسية، لكنها كانت تخفي وراءها قلباً محطماً.
صعدت إلى غرفتها، وأغلقت الباب خلفها. جلست على السرير، وبدأت الدموع تنهمر كالسيل. كانت قد فقدت حبها، فقدت مستقبلها الذي تخيلته. لم يكن الأمر مجرد خيبة أمل، بل كان كسراً لروحها.
في تلك الأثناء، سمعت صوتاً على الباب. كانت والدة سامي، السيدة فاطمة. فتحت ريم الباب بتردد.
"أنتِ هنا يا فتاة." قالت السيدة فاطمة بنبرة باردة، وكأنها تتحدث إلى خادمة. "سمعت أنكِ كنتِ تتحدثين مع سامي. أظن أنكِ فهمتِ الآن أن مكانه ليس معكِ."
نظرت ريم إلى السيدة فاطمة، ورأت في عينيها نظرة انتصار. لم تستطع أن تتحدث.
"سامي سوف يتزوج من آمال. وهذا قرار نهائي. فلا تضيعي وقتكِ ووقت سامي في أحلام واهية." قالت السيدة فاطمة، وبدت عليها علامات الرضا. "أنا أريد لابني الأفضل، وأرى أن آمال هي الأنسب له. وهي تفهمني وتطيعني. وهذا ما أحتاجه في زوجة لابني."
"ولكن... هل يحبها سامي؟" سألت ريم أخيراً، وبصوت بالكاد مسموع.
ضحكت السيدة فاطمة ضحكة قصيرة، خالية من أي فرح. "الحب؟ الحب شيء يأتي مع الوقت. الأهم هو التوافق العائلي، والمسؤولية، والطاعة. وآمال لديها كل ذلك."
"ولكن سامي..."
"سامي سوف يفعل ما هو صحيح. وهو يعرف ذلك. الآن، اذهبي. ولا تحاولي أن تفتني ابننا. مكانكِ ليس هنا."
أغلقت السيدة فاطمة الباب في وجه ريم، وتركتها واقفة في الممر، تشعر بالبرد يتسلل إلى عظامها. لم يكن سكون ما قبل العاصفة، بل كان صمتاً يعلن عن بدء تدمير شامل. لقد اتخذ سامي قراره. وقرار العائلة قد حُسم. ولم يبقَ لريـم سوى أن تواجه الواقع المرير، وأن تبدأ في بناء حياتها من جديد، بعيداً عن أحلام الحب التي تحطمت.