الفصل 18 / 25

أحلام الحب 164

بوادر الفجر في ليل السكون

بقلم سارة العمري

كانت ليالي مدينة الرياض، التي اكتست بوشاح الصمت المطبق، تحمل في طياتها همساتٍ لم تفهمها إلا القلوب المرهفة. في منزل السيد أحمد، كان الهواء مثقلاً بترقبٍ لم يعتد عليه. أجواءٌ شهدت في الأيام الماضية ضحكاتٍ صادقة، وتأملاتٍ في المستقبل، ولكنها بدأت تتسلل إليها ظلالٌ من الغموض. كانت لمى، الفتاة ذات العينين الواسعتين اللتين تلمعان بذكاءٍ وفطنة، تجلس في غرفتها، تتأمل وجه القمر الذي انسدل من النافذة، وكأنه يحمل معاني الأسرار.

لقد مرت أسابيع منذ لقائها الأول بمهند، اللقاء الذي بدا وكأنه الشرارة الأولى لحكايةٍ طالما حلمت بها. كانت كلماتُه، رقةُ حديثه، ورزانةُ عقله، كلها أشياءٌ غزلت في قلبها حبًا هادئًا، لكنه متجذر. كان مهند، الابن الوحيد للسيد يوسف، رجل الأعمال المعروف، يتسم بصفاتٍ نادرة في هذا الزمن. كان يعتز بتقاليده، يحترم أهله، ويتعامل مع لمى بخجلٍ ممزوجٍ بالاحترام، وهو ما زادها تعلقًا به.

لكن، ما كان يزعج لمى هو ذلك الصمت الذي بدأ يخيّم على علاقتها بمهند في الآونة الأخيرة. كانت المكالمات الهاتفية أقل، واللقاءات العائلية التي كانت تحمل معها ابتساماتهما الخفية، أصبحت متفرقة. كانت تسأل نفسها: هل تغير شيء؟ هل هناك ما لا تعلمه؟

وفي الطرف الآخر من المدينة، في مكتبه الفاخر المطل على أضواء الرياض المتلألئة، كان مهند يشعر بثقلٍ غير مسبوق. كانت القضايا التي ورثها عن والده، بعد مرضه المفاجئ، تتزايد. لم تكن مجرد أوراقٍ وقضايا تجارية، بل كانت تتشابك فيها مصائرُ عائلاتٍ بأكملها. وكان وراء كل ذلك، شخصٌ واحدٌ يقف خلف الكواليس، يزرع الفتن ويجني الأرباح من الخسائر.

كان السيد خالد، شريك والده القديم، والذي طالما بدا ودودًا، هو السبب الحقيقي وراء هذه الاضطرابات. لقد كان يخطط منذ زمنٍ طويلٍ للسيطرة على إمبراطورية السيد يوسف، مستغلًا ضعف والده ومرضه. وكان مهند قد اكتشف مؤخرًا، ومن خلال مراجعة بعض الوثائق السرية، مخططات خالد الخبيثة.

لم يكن القرار سهلًا على مهند. كان يعلم أن أي مواجهةٍ مباشرةٍ مع خالد ستضع لمى وأهلها في خطرٍ مباشر. كان يعلم أن خالد لا يتورع عن استخدام أي وسيلةٍ لتحقيق أهدافه، وأن عائلة لمى، ببساطتها وطيبتها، ستكون فريسةً سهلةً له.

في أحد الأيام، وبعد اتصالٍ هاتفيٍ مقتضبٍ من والده، أخبره فيه عن تدهورٍ مفاجئٍ في وضعه الصحي، شعر مهند بضرورةٍ ملحةٍ لاتخاذ إجراء. لقد فهم أن خالد لن يتردد لحظةً في استغلال ضعف السيد يوسف لصالحه.

عاد مهند إلى المنزل، وفي عينيه تصميمٌ لم يعهده أحد. نظر إلى صورته مع والده، تذكر نصائحه، ووعوده التي قطعها على نفسه. كان عليه أن يحمي عائلته، وأن يحمي لمى، وأن ينتصر للحق.

في مساء ذلك اليوم، وبينما كانت لمى تتحدث مع والدتها عن أمورٍ بسيطةٍ تخص التحضيرات لزيارةٍ قادمةٍ للعائلة، سمعت صوت جرس الباب. كان مهند. ولكن لم يكن مهندٌ الذي عرفته. كان وجهه شاحبًا، وعيناه تحملان قلقًا عميقًا.

"السلام عليكم ورحمة الله وبركاته"، قال مهند بصوتٍ فيه بحة.

"وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته"، أجاب السيد أحمد، والد لمى، وهو ينظر إليه بدهشة. "تفضل يا مهند، ما الذي أتى بك في هذا الوقت؟"

"أعتذر عن الإزعاج في هذا الوقت المتأخر، ولكن لدي أمرٌ جللٌ لأتحدث فيه معكم جميعًا"، قال مهند وهو يضع يديه في جيوبه، يحاول السيطرة على تضارب مشاعره.

اجتمع الجميع في الصالة. كانت لمى تنظر إلى مهند بقلبٍ يرتجف. شيءٌ ما كان يحدث، شيءٌ لم تكن تعرف ما هو، ولكنه كان يبدو خطيرًا.

"يا عمي، يا خالتي، يا لمى"، بدأ مهند، ثم أخذ نفسًا عميقًا. "أنا أقف أمامكم اليوم، لا كخاطبٍ لابنتكم، بل كشخصٍ يواجه خطرًا داهمًا، خطرًا يهدد ليس فقط حياتي، بل حياة كل من أحب. لقد اكتشفت مؤخرًا مؤامرةً كبيرةً تدبر ضد والدي، ومكتبه، وعائلتي. مؤامرةٌ يقف خلفها شخصٌ وثقت به عائلتي لسنواتٍ طويلة."

كان الصمت هو الرد الوحيد. كانت ملامح السيد أحمد وزوجته تعكس الصدمة. أما لمى، فكانت تشعر وكأن الأرض تدور بها.

"الشخص الذي أتحدث عنه هو السيد خالد"، أكمل مهند. "لقد كان يخطط منذ زمنٍ طويلٍ للاستيلاء على كل ما يملكه والدي، وقد استغل مرضه ليقترب من هدفه. لقد وجدته يوقع عقودًا مشبوهة، ويسحب أموالًا من حسابات الشركة دون وجه حق. ولكن أخطر ما اكتشفته هو نيته في تلفيق قضيةٍ لوالدي، لتقديمه للمحاكمة، ومن ثم السيطرة على كل شيء."

ارتعشت لمى. "وما علاقة هذا بنا يا مهند؟" سألت بصوتٍ ضعيف.

"للأسف، يا لمى، لقد أدركت أن السيد خالد يعرف بوجود علاقتي بك، وأنه يراقب تحركاتي. وأنا أخاف، أخشى، أن يستخدم هذا الأمر ضدنا. قد يحاول الإضرار بكم، أو بكم يا عمي، لابتزازي وإجباري على التنازل. لم أعد أستطيع الانتظار. لقد قررت أن أواجهه، ولكن قبل ذلك، أردت أن أكون صريحًا معكم. أردت أن أخبركم بالحقيقة، وأن أطلب منكم أن تكونوا مستعدين لأي شيء."

نظر مهند إلى لمى، وفي عينيه طلبٌ صامتٌ للفهم والثقة. "أنا آسف لأنني ألقي بهذا الحمل عليكم، ولكنني لا أجد خيارًا آخر. حماية من أحب هي مسؤوليتي الأولى، ولا يمكنني أن أدع أي خطرٍ يمسكم."

كانت الغرفة تكتظ بالتوتر. كان السيد أحمد يفكر بعمق. لقد كان يعرف السيد خالد، ويعرف مكانته، ولكن لم يكن يتصور أبدًا أنه بهذا القدر من الخسة.

"يا بني، ما تقوله أمرٌ خطيرٌ للغاية"، قال السيد أحمد بصوتٍ ثابت. "ولكنني أثق بك. ولن نتخلى عنكم. نحن عائلةٌ واحدة، وما يؤذيكم يؤذينا."

نظرت لمى إلى مهند، وحاولت أن تخفي قلقها. كان قلبها معلقًا به، ولكنها كانت تشعر بأن الأمور تتجه نحو منحدرٍ خطير. هل سينجح مهند في مواجهة هذا الخطر؟ وهل ستظل علاقتهما بمنأى عن هذا الصراع؟ كانت بوادر الفجر تبدو بعيدة، وليلة السكون لم تنتهِ بعد.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%