أحلام الحب 164
شران في الروح
بقلم سارة العمري
ارتعشت يدها وهي تعود إلى غرفتها، تركت خلفها ضوء القمر المتسرب من نافذة المجلس، وتركت خلفها أيضاً تلك الهمسة التي لا تكاد تدركها الأذن، ولكنها تخترق أعمق أعماق القلب. كانت ليلى تعلم جيداً أن ما حدث لم يكن مجرد حديث عابر، بل كان فتحاً لباب ربما كان الأجدر أن يبقى موصداً إلى الأبد. كان لسانه عذباً، وكلماته رنانة، ولكن خلف تلك الظلال التي نسجها حول شخصيته، كانت هناك حقائق تخشى أن تراها.
جلست على طرف فراشها، تغطي وجهها بيديها، وكأنها تحاول إبعاد شبح ما رأت، أو بالأحرى، ما لم تستطع رؤيته بوضوح. كان أحمد، ذلك الرجل الذي طالما احترمت فيه هدوءه ورزانته، يبدو وكأنه يتصارع مع وحش داخلي، وحش يلتهمه من الداخل. رأته يقف بجوار النافذة، والضوء الخافت يرتسم على وجهه، وتعبيرات لم تعهدها فيه، مزيج من التحدي والضياع. ثم، كان ذلك الإدمان، الإدمان الذي تكلم عنه بصوت فيه شيء من الخجل، ولكنه كان أيضاً يحمل نبرة استسلام مريرة.
"ماذا يفعل هذا بنا يا رب؟" همست لنفسها، وصوتها بالكاد يعلو عن الأنين. كانت تعرف أن أحمد ليس مجرد شاب عادي، بل هو الابن الوحيد لشيخ قبيلة، وأن هذا الإدمان، مهما صغر شأنه في نظر البعض، هو وصمة عار لا يمكن لحملها أن يستقيم. كانت تراوده فكرة أن لقاءها به، ربما، كان سبباً في استفاقته، في دفعه نحو الاعتراف، ولكن هل كان ذلك اعترافاً حقيقياً أم مجرد تمثيلية لإقناعها؟
تذكرت نظرات والدها، شيخ القبيلة، وهو يتحدث عن أخلاق أبناء القبيلة، وعن العادات والتقاليد الراسخة. كيف يمكن لهذا الإدمان أن يتناسب مع صورة ذلك الرجل الذي يطمح أن يكون خليفة لوالده؟ كانت تدرك أن هذه المعضلة ليست سهلة، وأنها قد تجلب لعائلتها، ولعائلته، الكثير من المتاعب.
في الأيام التالية، بدأت الأمور تتغير. لم يعد أحمد يأتي بانتظام لزيارة والدها، وحين يأتي، كانت تلمح في عينيه قلقاً متزايداً، ومحاولات يائسة لستر ما يعانيه. كانت تراه ينظر إليها نظرات تحمل الكثير من الأسى، وكأنما يطلب منها عوناً لا تستطيع تقديمه. في إحدى الأمسيات، بينما كانت تساعد والدتها في إعداد طعام العشاء، دخل أحمد المجلس، وكان والده، الشيخ سالم، جالساً مع مجموعة من أعيان القبيلة. كان الحديث يدور حول استعدادات العيد القادم، عن التقاليد التي يجب أن تتبع، وعن الوحدة التي يجب أن تسود.
لحظة صمت، ثم انكسرت الهالة، وقال الشيخ سالم بصوت عالٍ: "أيها الأبناء، العيد مناسبة عظيمة، ولنا فيه عادات كريمة. يجب أن نكون جميعاً على قدر المسؤولية. أحمد، يا بني، هل تأكدت من استعداد الخيول للسباق؟"
تجمد أحمد للحظة، ثم رد بصوت متلعثم: "نعم يا أبي، سأفعل ذلك."
لكن الشيخ سالم كان قد رأى شيئاً في عين ابنه، شيئاً لم يعجبه. "ما بك يا بني؟ أراك شارد الذهن. هل من أمر يشغل بالك؟"
بدا على أحمد الحرج، وتصبب عرق بارد على جبينه. "لا شيء يا أبي، فقط بعض التفكير في أمور القبيلة."
في تلك اللحظة، انتبهت ليلى إلى تفاعل أحمد، وإلى نظرات والده الثاقبة. شعرت وكأن قلبها يرتجف. كانت تعرف أن إدمان أحمد ليس مجرد مشكلة شخصية، بل هو عبء سيثقل كاهل والده، وسيضع القبيلة كلها في موقف لا تحسد عليه. كانت تعلم أن هذا الأمر، إذا ما انتشر، سيشوه سمعة القبيلة، وسيقلل من هيبة الشيخ سالم.
كانت تحاول أن تتجاهل الأمر، أن تتظاهر بأن ما رأته لم يكن سوى وهم، ولكن في كل مرة ترى فيها أحمد، كانت ترى ذلك الشبح يعود ليطاردها. كانت تراوده فكرة الابتعاد، أن تنسى كل شيء، وأن تترك أحمد لمصيره، ولكن شعوراً بالمسؤولية، وشعوراً آخر أقوى، كان يمنعها. كان هناك شيء في ضعف أحمد، في صراعه، كان يجذبها بطريقة غريبة.
في إحدى الليالي، وبينما كانت تحتسي كوباً من الشاي على شرفتها، لمحته يقف وحيداً تحت شجرة السدر المجاورة. كان الظلام قد خيم على المكان، وكان يبدو كظل خافت. دفعتها غريزة لا تفسير لها إلى النزول نحوه.
"أحمد؟" نادت بصوت خفيض.
التفت إليها بسرعة، وكأنه كان ينتظرها. "ليلى؟ ماذا تفعلين هنا؟"
"لم أستطع النوم. رأيتك هنا، فأتيت."
ساد صمت متوتر بينهما، تخلله صوت حفيف الأوراق. ثم قال بصوت متهدج: "لم يكن عليّ أن أتحدث إليكِ عن ذلك. لقد وضعتكِ في موقف صعب."
"لم تفعل. أنا فقط... أريد أن أفهم."
نظر إليها طويلاً، وكأنه يبحث عن كلمات لا يجدها. "الفهم... هو بداية الهلاك يا ليلى. عندما تفهمين، تبدئين في الشعور، وعندما تشعرين، يصبح الأمر أصعب."
"ولكن، لماذا؟" سألته بصدق، بعيداً عن أي تظاهر. "لماذا تفعل هذا بنفسك؟"
تنهد بعمق. "لا أعرف. ربما... ربما هو ضعف. ربما هو هروب. ربما هو... ظلام يسكنني."
كان كلامه يحمل يأساً عميقاً. ليلى لم تستطع أن تخفي حزنها. لقد رأت في أحمد رجلاً قوياً، ولكن الآن، رأت فيه إنساناً هشاً، إنساناً يعاني.
"هل حاولت أن تتوقف؟" سألت، وصوتها يحمل رجاءً.
"كل يوم أحاول. ولكن... هو أقوى مني."
شعرت بالأسف عليه. لم يكن هذا الرجل الذي رأته في البداية. كانت هذه هي الحقيقة المرة، الحقيقة التي يحاول أن يخفيها. كان أحمد يعيش صراعاً داخلياً رهيباً، صراعاً بين ما يجب أن يكون، وما أصبح عليه. وكانت ليلى، بطريقة ما، قد أصبحت جزءاً من هذا الصراع. كانت تعلم أن هذا الإدمان لن يدمر أحمد فحسب، بل قد يدمر كل من يقترب منه. وكان عليها أن تتخذ قراراً، قراراً قد يكون مصيرياً. هل تستمر في الاقتراب، أم تنسحب قبل أن تغرق هي الأخرى في هذا الظلام؟