أحلام الحب 164
ضباب الذاكرة
بقلم سارة العمري
لم يكن الهروب خياراً سهلاً لليلى. كانت تراقب أحمد في الأيام التي تلت لقاءهما تحت شجرة السدر، وكان يبدو وكأنه يعيش في عالم موازٍ. يتحدث مع الناس بكلمات مقتضبة، وعيناه تحملان بريقاً مختلفاً، بريقاً يوحي بأنه ليس حاضراً بالكامل. كانت ترى والدته، السيدة عائشة، وهي تنظر إليه بحزن عميق، وبقلق صامت لا يخفى على أحد. كانت تعلم أن عائشة، الأم الحنون، تعرف بسر ابنها، وأنها ربما كانت تعيش في صراع داخلي أكبر من صراعه.
في أحد الأيام، بينما كانت تساعد والدتها في ترتيب بعض الملابس القديمة استعداداً لجمع التبرعات، وجدت صندوقاً قديماً مغلقاً. سألت والدتها عنه، فأجابت بابتسامة باهتة: "هذا صندوق والدة أحمد، تركته لنا حين انتقلت للإقامة معهم بعد وفاة زوجها."
شعرت ليلى بفضول يساورها. لم تكن تعرف الكثير عن والدة أحمد، سوى أنها كانت امرأة صالحة، ولكنها توفيت وهي لا تزال شابة. فتحت الصندوق بحذر، ووجدت بداخله بعض الرسائل القديمة، وصورة باهتة لأحمد وهو طفل صغير، وصندوقاً صغيراً من خشب الزان. فتحت الصندوق، ووجدت بداخله قلادة فضية جميلة، وعليها حرف "ع" منقوش. إلى جانب القلادة، كان هناك خاتم ذهبي رقيق.
"هذه قلادة والدة أحمد." قالت والدتها وهي تنظر إلى القلادة. "كانت تحبها كثيراً."
تأملت ليلى القلادة، وتساءلت عن سر هذا "العين". هل كان اسماً؟ هل كانت هناك قصة وراءها؟
بعد أيام قليلة، وبينما كانت في السوق تشترى بعض الحاجيات، لمحته أحمد. كان يقف وحده أمام أحد دكاكين العطار، يتحدث مع البائع بنبرة غريبة، وكأنه كان يبحث عن شيء ما. اقتربت منه ببطء.
"أحمد؟"
التفت إليها، وكان وجهه يبدو شاحباً. "ليلى. لم أتوقع رؤيتك هنا."
"كنت أتسوق. هل أنت بخير؟"
بدا متردداً. "بخير. مجرد... بعض الأمور."
"هل تبحث عن شيء؟"
نظر إلى يده، ثم قال بصوت خافت: "ربما. لا أتذكر تماماً."
هذه المرة، لم تستطع ليلى أن تتجاهل الأمر. كانت تعرف أن كلماته المقتضبة، وتشتته، كلها تشير إلى مشكلة أعمق.
"أحمد،" قالت بحزم، ولكن بصوت لطيف. "أنا هنا. إذا كنت تحتاج إلى التحدث."
نظر إليها طويلاً، وكأنما كان يزن كلماته. "المشكلة... ليست في الإدمان نفسه فقط، يا ليلى. المشكلة في... كيف بدأت."
"كيف بدأت؟"
"كانت هناك... أحداث. ذكريات. أشياء لا أستطيع أن أنساها."
"ما هي هذه الذكريات؟"
تنهد بصوت مسموع. "لم تكن حياتي سهلة دائماً. كان هناك... فقد. كان هناك شعور بالوحدة. ثم... بدأت أبحث عن شيء ينسيني."
"ينسيك ماذا؟"
"كل شيء."
كانت كلماته كشظايا زجاج، تنكسر في قلبه وتؤذيها. عرفت أن خلف واجهة أحمد الثرية، كان هناك عالم من الألم والقسوة.
"هل كانت والدتك...؟" بدأت ليلى، ثم توقفت، مترددة.
ارتعش وجه أحمد. "والدتي... كانت كل شيء لي. ثم... فقدتها."
"متى؟"
"كنت صغيراً. لم أكن أفهم. ولكن... فقدتها."
شعرت بأنها تقترب من كشف لغز كبير. "هل كانت مريضة؟"
"كانت... تعاني. من مرض لم نستطع فهمه في ذلك الوقت."
"وهل... هل هذا الألم أدى إلى...؟"
"إلى هروبي. إلى بحثي عن النسيان. في البداية، كان الأمر مجرد... تخدير للألم. ثم أصبح... عادة. ثم أصبح... إدماناً."
كانت هذه المرة الأولى التي يتحدث فيها أحمد عن ماضيه بهذه الصراحة. شعرت ليلى بأنها ترى جزءاً من روحه لم يره أحد من قبل.
"والقلادة،" قالت فجأة، متذكرة القلادة التي وجدتها في صندوق والدته. "قلادة والدتك... حرف 'ع'."
نظر إليها أحمد بذهول. "كيف عرفتِ عنها؟"
"وجدتها... في صندوق والدتك. كان معها خاتم."
تغيرت ملامح وجهه، وبدا عليه أثر دهشة ممزوجة بحزن. "هذه القلادة... كانت هدية من عمي. كانت والدتي تحبها كثيراً. كان حرف 'ع' يرمز إلى... إلى أخت زوجها."
"أخت زوجها؟"
"نعم. كانت قريبة منها جداً. كانت... صديقتها الوحيدة تقريباً. ثم... اختفت."
"اختفت؟"
"نعم. لم نعد نسمع عنها شيئاً. كانت والدتي تبحث عنها. ثم... مرضت."
بدأت ليلى تربط الخيوط. كان هناك فقد، كان هناك حزن، وكان هناك اختفاء. كان كل هذا يبدو متشابكاً بطريقة غريبة.
"هل... هل لك عم اسمه 'عمر'؟" سألت، مستندة إلى احتمال ضعيف.
نظر إليها أحمد بعينين واسعتين، وكأنه رأى فيها بصيص أمل. "نعم. ولكنه... اختفى قبل سنوات طويلة. منذ زمن والدتي."
"وماذا عن أخت زوجها؟"
"لم أعرفها جيداً. كانت... غريبة الأطوار."
في تلك اللحظة، شعرت ليلى بأنها تقف على حافة اكتشاف كبير. كان هناك سر عائلي دفين، سر ربما كان يربط بين عائلتها وعائلة أحمد بطريقة غير متوقعة. كانت هذه الذكريات المؤلمة، وهذا الإدمان، ربما لم يكونا سوى نتيجة لظلم أكبر، لغموض لم يتم حله.
"هل تعرف أي شيء عن 'عائشة'؟" سألت بحذر، متذكرة اسم والدة أحمد.
"عائشة؟ هذه والدتي. بالطبع أعرفها."
"لا، أعني... شخص آخر. ربما... من عائلة جدتك؟"
هز أحمد رأسه. "لا أتذكر."
كانت ليلى تشعر بأنها تقترب من الحقيقة، ولكن الطريق كان لا يزال طويلاً ومليئاً بالضباب. كان إدمان أحمد مجرد قشرة خارجية، تخفي خلفها جراحاً عميقة، جراحاً ربما كانت أعمق وأقدم مما تخيلت. وكان عليها أن تستمر في البحث، ليس فقط من أجل أحمد، بل من أجل نفسها، ومن أجل الحقيقة التي ربما كانت تنتظر أن تكشف.