قلب طاهر 165
عبير الياسمين ورياح القدر
بقلم فاطمة النجار
كانت رائحة الياسمين تملأ الأجواء، مزيجاً عاطراً يفوح من بساتين جدها الواسعة، يختلط بأنفاس المساء الرطبة التي تحمل معها وعداً بليلة هادئة. وقفت "لميس" على شرفة قصر جدها العتيق، تستنشق عبير المكان الذي طالما شهد أحلامها الصغيرة وكبرت معها. كانت ترتدي ثوباً بسيطاً بلون السماء، يسمح لحرية حركتها وهي تتأمل النجوم التي بدأت تتلألأ في سماء الصحراء الصافية. لم تكن مجرد فتاة تنظر إلى السماء، بل كانت روح تتوق إلى شيء أسمى، إلى معنى أعمق للحياة يتجاوز حدود رتابة الأيام.
في يدها، كانت تمسك بكتاب قديم، صفحاته بالية من كثرة ما لمستها أناملها، يحوي قصصاً عن أجدادها، عن أبطال حملوا راية المجد والأخلاق. كانت لميس، ابنة الدكتور "بشير" العالم المعروف، وابنة السيدة "عائشة" التي وهبت حياتها لخدمة المجتمع، قد ورثت عنهم شغف العلم وحب الخير، لكن في أعماقها كانت تنبض عاطفة جياشة، ورغبة في إيجاد شريك حياة يشاركها هذا الشغف، ويرافقها في رحلة البحث عن السعادة الحلال.
فجأة، انقطع تأملها بصوت نداء جدها، الشيخ "عبد الرحمن"، الذي كان له مكانة مرموقة في قبيلته، وصوتاً جهورياً يملأ القاعة الرئيسية. "لميس! تعالي يا بنيتي، فقد وصل ضيفنا الكريم."
ارتسمت ابتسامة خفيفة على شفتيها، مزيج من الفضول والترقب. لم يكن الضيوف يصلون عادة في هذا الوقت المتأخر، إلا إذا كان الأمر يتعلق بأمر مهم. نزلت السلالم الرخامية بخفة، وكل خطوة كانت تنقلها إلى عالم آخر. القاعة الكبرى، المزدانة بالسجاد الشرقي الفاخر والتحف العتيقة، كانت تعج بالحركة. كان جدها يستقبل شخصاً يرتدي ثوباً أسود أنيقاً، يتسم بالوقار والهيبة.
كانت ملامحه واضحة، وجه نحيل، لحية خفيفة، وعينان داكنتان تلمعان بذكاء عميق. شعرت لميس بارتفاع طفيف في دقات قلبها، شعور غريب لم تعهده من قبل. لم تكن تعلم لماذا، لكنها شعرت بوجود طاقة مختلفة في المكان.
اقترب منها جدها، واحتضنها بحنان. "يا بنيتي، هذا المهندس الشاب 'سالم'، ابن عمي الأكبر. لقد جاء ليطلب يدكِ."
تجمدت لميس في مكانها للحظة، ثم رفعت عينيها لتلتقي بنظرات سالم. كانت نظراته هادئة، لكنها تحمل ثقلاً لم تستطع فهمه. شعرت بالخجل يغمرها، والتصقت بجانب جدها.
"أهلاً بك يا سالم،" قالت بصوت خفيض، بالكاد مسموع.
ابتسم سالم ابتسامة لطيفة، وقال بصوت عميق ومهذب: "أهلاً بك يا لميس. يشرفني أن أراكِ. لقد سمعت الكثير عنكِ، وعن أخلاقكِ العالية، وعلمكِ الواسع."
شعرت لميس بدفء يغمرها. لطالما كانت تبحث عن التقدير لشخصها، لا لمكانتها أو ثروتها. كان سالم يبدو مختلفاً، رجلاً يحترم المرأة ويقدر عقلها.
جلسوا جميعاً لتناول العشاء. كان حديث سالم يدور حول مشاريع الهندسة التي يشرف عليها، وحول تطوره في مجال عمله. كان يتحدث بطلاقة، وبفكر ثاقب، ويبدو أن لديه رؤية واضحة لمستقبله. كانت لميس تستمع بانتباه، تتأمل في حديثه، وتبحث عن علامات تدل على صدقه وعمق شخصيته.
كانت والدتها، السيدة عائشة، تراقبهما بعينين متفحصتين. كانت تحب لابنتها رجلاً صالحاً، عالماً، تقياً، يحافظ على تعاليم الدين، ويقدر معنى الأسرة. وكان سالم يبدو كذلك.
بعد العشاء، طلب سالم الحديث مع لميس على انفراد. شعر جدها بالارتياح، وغادر القاعة تاركاً لهما فرصة للتعارف. وقفت لميس أمام سالم، وشعرت بالتوتر يعاودها.
"لميس،" بدأ سالم، وعيناه تنظران إليها مباشرة، "أعلم أن هذا قد يكون مفاجئاً. لكني رأيتكِ في إحدى المناسبات العامة قبل عدة أشهر، ومنذ ذلك الحين، لم تغيبي عن تفكيري. لقد بحثت عنكِ، وعن عائلتكِ، وعن سمعتكِ الطيبة. وجدت أنكِ الفتاة التي لطالما حلمت بها. امرأة ذات دين، وعلم، وجمال."
شعرت لميس بخجل أكبر، لكنها وجدت نفسها تبتسم. "أنا أيضاً، سالم، أشعر بشيء مختلف تجاهك. لكنني أحتاج إلى وقت لأفهم هذا الشعور."
"أتفهم ذلك تماماً،" قال سالم. "لكني أردت أن أكون صريحاً معكِ. أريد أن أبني بيتاً على أساس متين من الحب والاحترام والتقوى. وأعتقد أننا يمكن أن نحقق ذلك معاً."
تحدثا لبعض الوقت، عن أحلامهما، عن طموحاتهما، عن رؤيتهما للحياة. كان سالم رجلاً يحترم خصوصية المرأة، ولم يضغط عليها لتحديد موقفها. كان واثقاً، هادئاً، وصادقاً.
عندما حان وقت رحيله، وقف سالم أمامها، ومد يده إليكِ. لميس ترددت للحظة، ثم مدت يدها ولمست يده بخفة. كان لمسه دافئاً، ومر فيه شعور بالأمان.
"سوف أتصل بكِ قريباً، لميس،" قال سالم. "ولكن قبل ذلك، أريدكِ أن تفكري ملياً. أريد أن تفكري فيما إذا كنتِ ترين مستقبلكِ معي."
خرج سالم، وبقيت لميس واقفة في القاعة، تتأمل في ما حدث. كانت رائحة الياسمين لا تزال في الأجواء، لكنها الآن تحمل معها شيئاً جديداً، شيئاً من الأمل، ومن ترقب للمستقبل. هل كانت هذه بداية قصة حب ستتحول إلى زواج مبارك؟ هل كان سالم هو الشخص الذي لطالما انتظرته؟ كانت الأسئلة تدور في رأسها، وقلبها ينبض بقوة، مشتعلة برغبة في اكتشاف ما تخبئه لها الأيام القادمة.