الفصل 10 / 25

قلب طاهر 165

همساتٌ في سماءِ الشوقِ

بقلم فاطمة النجار

امتلأ بيتُ الحاجةِ فاطمةٍ بالبهجةِ والهناءِ، فزيارتُها لمريمَ كانتْ كبلسمٍ يشفي جراحَ الروحِ، وضحكاتُهما تتعالى بينَ جدرانِ الدارِ العامرةِ بالأصالةِ. كانتْ مريمُ، تلكَ الفتاةُ التي طالما اعتُبرتْ جوهرةً نادرةً، تتفتحُ يوماً بعدَ يومٍ تحتَ ظلِّ رعايةِ الحاجةِ، وتستقي منْ معينِ حكمتِها وصبرها. في إحدى الأمسياتِ الهادئةِ، حيثُ ترسمُ الغروبُ لوحاتٍ منْ ذهبٍ وبرتقالٍ على صفحةِ السماءِ، جلستْ مريمُ بجوارِ الحاجةِ وهيَ تنسجُ بخيوطِ الصوفِ دفءَ المستقبلِ، بينما كانتْ عيناها تجولانِ في أرجاءِ البيتِ، تستحضرُ ذكرياتٍ عابقةً بالحبِّ والأمانِ.

"يا ابنتي،" بدأتْ الحاجةُ بصوتٍ يكتنفُه حنانُ الأمومةِ، "إنَّ الحياةَ كالبحرِ، فيها هدوءٌ وعواصفُ، ولكنَّ السفينةَ التي ترسو على شواطئِ الإيمانِ والصبرِ لا تغرقُ أبداً. وقدْ رأيتُ فيكِ هذهِ القوةَ، هذهِ الروحَ الشفافةَ التي لا تشوبُها شائبةٌ."

ابتسمتْ مريمُ ابتسامةً خفيفةً، وكأنَّ كلماتها قدْ لامستْ وتراً حساساً في قلبِها. "لا أعرفُ كيفَ أشكرُكِ يا جدتي، لقدْ منحْتِني حباً واهتماماً لمْ أجدهُ منذُ زمنٍ بعيدٍ. إنَّ وجودَكِ بجانبي هوَ أعظمُ نعمةٍ."

"كلُّ ما أفعلُهُ هوَ واجبي،" قالتْ الحاجةُ وهيَ تضعُ يدَها الحانيةَ على رأسِ مريمَ. "وأنتِ، يا مريمُ، تستحقينَ كلَّ خيرٍ. لقدْ رأيتُ كيفَ تتقينَ اللهَ في كلِّ أمورِكِ، وكيفَ تسعينَ لرضاهُ. وهذا هوَ مفتاحُ السعادةِ الحقيقيةِ."

تنهدتْ مريمُ، وشعرتْ بثقلِ ماضيها يتلاشى تدريجياً. كانتْ السنواتُ الماضيةُ قدْ حملتْ لها الكثيرَ منْ الألمِ والفقدِ، ولكنَّها الآنَ تشعرُ بأنَّها على أعتابِ مرحلةٍ جديدةٍ، مرحلةٍ تزهرُ فيها الآمالُ وتُزهرُ فيها القلوبُ.

في تلكَ الأثناءِ، كانَ الأستاذُ أحمدُ، الشابُّ الذي يجمعُ بينَ سحرِ العلمِ ووقارِ الدينِ، قدْ عادَ منْ رحلتِهِ العلميةِ. كانَ قدْ غادرَ قبلَ أسابيعَ قليلةٍ، تاركاً وراءَهُ قلباً متعلقاً ببسمةِ مريمَ وكلماتها العذبةِ. كانَ قدْ تأخَّرَ في عودتِهِ بسببِ بعضِ الظروفِ الطارئةِ، ولكنَّ شوقَهُ إليها كانَ يزدادُ اشتعالاً معَ كلِّ يومٍ يمرُّ.

عندما وطئتْ قدماه أرضَ الديارِ، لمْ يكنْ في ذهنهِ سوى لقاءٌ واحدٌ، لقاءٌ يجمعُهُ بمريمَ، تلكَ الفتاةُ التي سكنتْ أركانَ قلبِهِ. ذهبَ مباشرةً إلى بيتِ الحاجةِ فاطمةٍ، يحملُ في حقيبتِهِ هدايا بسيطةً، ولكنَّ الأهمَّ منها كانَ هديتَهُ التي يعتزُّ بها، وهيَ قلبهُ الذي أصبحَ ملكاً لها.

دقَّ البابَ، وهرعتْ الحاجةُ فاطمةٌ لتفتحَ لهُ، وقدْ لمعتْ عيناها بترحيبٍ حارٍّ. "أهلاً وسهلاً بالأستاذِ أحمدَ! لقدْ اشتقنا إليكَ كثيراً."

ابتسمَ أحمدُ ابتسامةً واسعةً، وقدْ شعرَ بالدفءِ يغمرُهُ. "وأنا اشتقتُ إليكمْ جميعاً يا خالتي. كيفَ حالُكِ؟"

"بخيرٍ والحمدُ للهِ،" قالتْ الحاجةُ وهيَ تفتحُ لهُ الطريقَ للدخولِ. "ومريمُ بخيرٍ أيضاً، وهيَ هنا الآنَ."

عندما سمعتْ مريمُ اسمَ أحمدَ، توقفتْ عنْ عملِها، وشعرتْ بخفقانٍ غريبٍ في قلبِها. لمْ تكنْ تتوقعْ عودتَهُ بهذا القربِ، ولكنَّ الخبرَ أسعدَها كثيراً.

دخلَ أحمدُ إلى الديوانِ، ورآها تقفُ على البابِ، ترتدي حجابَها الشرعيَّ، وعيناها تشعُّ ببريقٍ خجولٍ. كانَ جمالُها يفوقُ كلَّ ما يتذكَّرُهُ، وكانتْ إشراقةُ وجهِها تبدو أبهى منْ أيِّ وقتٍ مضى.

"مرحباً بكَ يا أستاذَ أحمدَ،" قالتْ مريمُ بصوتٍ فيهِ نبرةٌ منْ الارتباكِ والسعادةِ.

"أهلاً بكِ يا أستاذةَ مريمَ،" أجابَ أحمدُ، وعيناهُ لا تفارقانِها. "لقدْ افتقدتُ رؤيةَ ابتسامتِكِ."

تبادلا بضعَ كلماتٍ، ولكنَّ الصمتَ الذي كانَ يخيمُ بينهما كانَ أبلغَ منْ ألفِ كلمةٍ. كانَ كلُّ واحدٍ منهما يقرأُ في عينيِّ الآخرِ ما لا تستطيعُ الكلماتُ البوحَ بهِ. كانَ حبٌّ طاهرٌ يتجسدُ في نظراتٍ عميقةٍ، وفي خفقانٍ متسارعٍ في القلوبِ.

في الأيامِ التاليةِ، استأنفَ أحمدُ عملَهُ في مزرعتِهِ، ولكنَّ قلبَهُ كانَ معلقاً بمريمَ. كانَ يجدُ نفسهُ يبحثُ عنْ فرصٍ للقائها، أوْ لسماعِ صوتِها. كانتْ الحاجةُ فاطمةٌ، بحكمتِها ودرايتِها، تلاحظُ هذا التغييرَ في سلوكِ أحمدَ، وتلمحُ الابتسامةَ التي ارتسمتْ على وجهِ مريمَ كلما ذُكرَ اسمُهُ.

في إحدى الأمسياتِ، وبعدَ أنْ انتهى أحمدُ منْ عملِهِ، ذهبَ لزيارةِ الحاجةِ فاطمةٍ. وجدَها تجلسُ في الحديقةِ، تتأملُ النجومَ المتلألئةَ في سماءٍ صافيةٍ.

"مساءُ الخيرِ يا خالتي،" قالَ أحمدُ وهوَ يقتربُ منها.

"مساءُ النورِ يا بني، تفضلْ بالجلوسِ."

جلسَ أحمدُ بجانبِها، وشعرَ بالسكينةِ تغمرُهُ. "لقدْ عدتُ، وأشعرُ بأنَّي قدْ عدتُ إلى موطني الحقيقيِّ."

ابتسمتْ الحاجةُ. "أنتَ في بيتِكَ يا بني، وهذا البيتُ بيتُكَ."

صمتَ أحمدُ لحظةً، ثمَّ قالَ بترددٍ: "يا خالتي، أريدُ أنْ أتحدثَ إليكِ في أمرٍ مهمٍّ."

ارتسمتْ على وجهِ الحاجةِ علاماتُ الاستعدادِ والإنصاتِ. "تكلمْ يا بني، أنا أسمعُكَ."

"لقدْ عرفتُ مريمَ منذُ فترةٍ، وأحببتُها في اللهِ. رأيتُ فيها النقاءَ والطهارةَ، ورأيتُ فيها الفتاةَ التي تتمناها كلُّ أمٍّ لابنِها. أرغبُ في التقدمِ لخطبتِها رسمياً، إذا رأتِ والدتي وأنتِ ذلكَ مناسباً."

ارتسمتْ ابتسامةٌ واسعةٌ على وجهِ الحاجةِ فاطمةٍ، وشعرتْ بأنَّ دعواتِها قدْ استُجيبتْ. "بوركتَ يا بني، لقدْ أسعدتَ قلبي. مريمُ فتاةٌ طيبةٌ، وهيَ أحقُّ بكلِّ خيرٍ. سأتحدثُ معَها في الأمرِ، وسأرى رأيها، ولكنَّني متأكدةٌ بأنَّ قلبَها لنْ يعارضَ ما فيهِ صلاحٌ وخيرٌ."

شعرَ أحمدُ براحةٍ غامرةٍ، وكأنَّ جبلاً منْ الهمومِ قدْ أُزيحَ عنْ صدرِهِ. كانَ يعلمُ أنَّ هذهِ الخطوةَ هيَ البدايةُ لمرحلةٍ جديدةٍ، مرحلةٍ يسودُ فيها الحبُّ الطاهرُ والارتباطُ المباركُ.

عادَ أحمدُ إلى مزرعتِهِ تلكَ الليلةَ وقلبُهُ يخفقُ بالأملِ. كانتْ النجومُ تشهدُ على شوقِهِ، والنسيمُ يحملُ لهُ همساتٍ منْ مريمَ، همساتٍ لمْ يسمعْها بأذنِهِ، ولكنَّ قلبَهُ قدْ أدركَها. كانتْ هذهِ بدايةُ فصلٍ جديدٍ، فصلٍ كتبتهُ الأقدارُ بحبرٍ منْ ذهبٍ.

وفي بيتِ الحاجةِ، كانتْ مريمُ قدْ تلقتْ الخبرَ بقلبٍ يرتجفُ. كانتْ تعلمُ أنَّها تحبُّ أحمدَ، ولكنَّها كانتْ تخشى أنْ تبوحَ بهذا الحبِّ. عندما حدثتها الحاجةُ عنْ رغبةِ أحمدَ، شعرتْ بأنَّ الدنيا قدْ دارتْ بها. لمْ تستطعْ أنْ تقولَ شيئاً سوى "نعم، يا جدتي." ولكنَّ صوتَها كانَ بالكادِ مسموعاً، وقلبُها كانَ يصدحُ بسعادةٍ غامرةٍ.

كانتْ هذهِ الليلةَ مليئةً بالحواراتِ الصامتةِ بينَ القلوبِ، وبالأحلامِ الورديةِ التي بدأتْ تتشكلُ في عوالمِ الأرواحِ. كانتْ قصةُ حبهما قدْ بدأتْ تتجسدُ في واقعٍ جميلٍ، واقعٍ يجمعُ بينَ أصالةِ الماضي وحيويةِ المستقبلِ، واقعٍ يغلفُهُ عبقُ الإيمانِ ورائحةُ الوفاءِ.

انتهى الفصلُ والقلوبُ تترقبُ، هلْ ستكونُ الخطبةُ بدايةً لقصةٍ أجملَ، أمْ أنَّ هناكَ رياحاً خفيةً قدْ تعصفُ بسفينةِ حبهما الهادئةِ؟ الجوابُ يكمنُ في صفحاتِ المستقبلِ.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%