قلب طاهر 165
عوائقُ الطريقِ وهمساتُ الأملِ
بقلم فاطمة النجار
بعدَ أنْ أبدتْ الحاجةُ فاطمةٌ موافقتها المبدئيةَ، بدأتْ الاستعداداتُ لطلبِ يدِ مريمَ رسمياً. كانتْ هذهِ المرحلةُ تحملُ في طياتِها مزيجاً منَ الابتهاجِ والترقبِ، فتلكَ اللحظاتُ التي تجمعُ فيها عائلتانِ على كلمةِ حقٍّ، هيَ أجملُ اللحظاتِ في حياةِ المرءِ. قامَ الأستاذُ أحمدُ بزيارةِ والدتِهِ، السيدةَ عائشةَ، وهيَ سيدةٌ فاضلةٌ، عرفتْ كيفَ تربي أبناءَها على مبادئِ الدينِ والقيمِ الرفيعةِ.
"يا أمي،" بدأَ أحمدُ وهوَ يجلسُ بجانبِها، وقدْ ملأتْ ملامحُ وجهِهِ الحيرةُ والأملُ، "لقدْ قررتُ أنْ أتزوجَ."
رفعتْ السيدةُ عائشةُ نظرَها إليهِ، وقدْ ظهرَ السرورُ على وجهِها. "هذا خبرٌ يسعدُ قلبي يا بني. لقدْ طالَ انتظاري لهذا اليومِ. فمنْ هيَ الفتاةُ التي أسرتْ قلبَ ولدي؟"
"إنَّها مريمُ، تلكَ الفتاةُ التي تقيمُ عندَ الحاجةِ فاطمةٍ."
تذكرتْ السيدةُ عائشةُ مريمَ، فقدْ سمعتْ عنها الكثيرَ منَ القصصِ الجميلةِ. "نعم، أعرفُها. إنَّها فتاةٌ مميزةٌ، سمعتُ عنها أخباراً طيبةً. باركَ اللهُ لكَ يا بني. متى تريدُ أنْ نذهبَ لخطبتِها؟"
"أودُّ أنْ نذهبَ غداً، إذا كانَ ذلكَ مناسباً لكِ."
"بالتأكيدِ يا بني، غداً يكونُ مناسباً. سأعدُّ بعضَ الهدايا، وسنذهبُ لزيارةِ الحاجةِ."
شعرتْ مريمُ بسعادةٍ لا توصفُ عندما علمتْ بأنَّ عائلةَ أحمدَ ستأتي لخطبتِها. كانتْ تشعرُ بأنَّ أحلامَها بدأتْ تتحققُ، وأنَّها على وشكِ بدايةِ فصلٍ جديدٍ منْ حياتِها، فصلٍ عنوانُهُ الحبُّ الطاهرُ والوفاءُ.
في اليومِ التالي، وبعدَ صلاةِ العصرِ، توجهتْ السيدةُ عائشةُ ومعها بعضُ نساءِ العائلةِ إلى بيتِ الحاجةِ فاطمةٍ. كانتِ الحاجةُ قدْ أعدتْ كلَّ شيءٍ لاستقبالِهنَّ، وقدْ تزينَ البيتُ بأبهى حللِهِ، ورائحةُ البخورِ تفوحُ في أرجائِهِ.
جلستْ السيدتانِ، عائشةُ وفاطمةٌ، وتبادلتا الحديثَ في أجواءٍ تسودُها المودةُ والاحترامُ. كانتْ مريمُ تراقبُ الموقفَ منْ بعيدٍ، وقلبُها يرقصُ فرحاً.
"يا أختي عائشةَ،" قالتْ الحاجةُ فاطمةٌ، "إنَّ مريمَ فتاةٌ عزيزةٌ على قلبي، وقدْ أصبحتْ كابنتي. لقدْ رأيتُ فيها الخيرَ، وأرى أنَّ زواجَها منْ ابنِكِ أحمدَ سيكونُ فاتحةَ خيرٍ وبركةٍ لكما."
"وأنا أشكرُكِ يا أختي على هذهِ الكلماتِ الطيبةِ،" ردتْ السيدةُ عائشةُ. "لقدْ سمعتُ عنْ مريمَ الكثيرَ منَ الثناءِ، ورأيتها بنفسي، فأعجبتُ بها كثيراً. إنَّها فتاةٌ بحقٍّ، أرى فيها الزوجةَ الصالحةَ التي يتمناها كلُّ رجلٍ لابنِهِ."
بعدَ تبادلِ عباراتِ الترحيبِ والمودةِ، تقدمتْ السيدةُ عائشةُ بطلبِ يدِ مريمَ رسمياً لأحمدَ. ابتسمتْ الحاجةُ فاطمةٌ بحنانٍ، وقالتْ: "لقدْ رأيتُ في مريمَ الخيرَ، وأرى أنَّ هذا الزواجَ سيكونُ مباركاً. باسمِ اللهِ، قدْ أجبتُ سؤالَكِ."
أثارتْ هذهِ الكلماتُ فرحةً غامرةً في قلوبِ الجميعِ. احتضنتْ السيدتانِ بعضَهَما، وأصبحتْ مريمُ وأحمدُ خطيبينِ.
في تلكَ الليلةِ، وبينما كانتْ النجومُ تضيءُ سماءَ المدينةِ، كانتْ مريمُ وأحمدُ يتحدثانِ عبرَ الهاتفِ. كانتْ كلماتهما تفيضُ حباً وشوقاً، ولكنْ كانَ هناكَ شيءٌ ما يثقلُ قلبَ مريمَ.
"أحمدَ،" قالتْ بصوتٍ فيهِ نبرةٌ منَ القلقِ، "هلْ أنتَ متأكدٌ منْ هذا القرارِ؟"
"بالطبعِ يا مريمُ، لماذا تسألينَ؟"
"فقطْ... أشعرُ بأنَّ هناكَ شيئاً قدْ يتغيرُ. أنتَ رجلٌ ناجحٌ، وأنا... أنا لا شيءَ."
ضحكَ أحمدُ بخفةٍ، وقالَ: "لا تقولي هذا يا مريمُ. أنتِ كلُّ شيءٍ بالنسبةِ لي. قوتُكِ، وطيبتُكِ، ونقاءُ روحِكِ، كلُّ هذهِ الأشياءِ هيَ التي جذبتني إليكِ. أما النجاحُ، فهوُ رزقٌ منَ اللهِ، وإنْ شاءَ اللهُ سنتشاركُ كلَّ شيءٍ."
"ولكنْ... والدتُكَ. هلْ هيَ راضيةٌ تماماً؟"
"نعم، والدتي سعيدةٌ جداً، وهيَ تحبُّكِ بالفعلِ."
شعرتْ مريمُ ببعضِ الراحةِ، ولكنَّ القلقَ ظلَّ كامناً في صدرِها. كانتْ تعلمُ بأنَّ هناكَ قوى خفيةً قدْ تحاولُ الوقوفَ في طريقِ سعادتِها.
في صباحِ اليومِ التالي، وبينما كانَ أحمدُ يستعدُّ للذهابِ إلى مزرعتِهِ، تلقى اتصالاً هاتفياً منْ رجلٍ غريبٍ.
"هلْ تتحدثُ معَ الأستاذِ أحمدَ؟" سألَ الرجلُ بصوتٍ حادٍّ.
"نعم، أنا هوَ."
"أنا محامٍ، وأتحدثُ إليكَ نيابةً عنْ... عنْ شخصٍ يعرفُ مريمَ جيداً. هذا الشخصُ لديهِ معلوماتٌ عنْ ماضي مريمَ، معلوماتٌ قدْ تؤثرُ على قرارِ خطوبتِها."
شعرَ أحمدُ بالصدمةِ، وتسارعتْ دقاتُ قلبِهِ. "ماذا تقصدُ؟"
"أنا لا أستطيعُ أنْ أخبرَكَ كلَّ شيءٍ عبرَ الهاتفِ. ولكنْ، إذا كنتَ تريدُ معرفةَ الحقيقةِ، فعليكَ أنْ تلتقي بي في أقربِ وقتٍ."
أغلقَ الرجلُ الخطَّ، وتركَ أحمدَ في حيرةٍ وقلقٍ. لمْ يكنْ يتوقعْ أنْ يظهرَ شخصٌ ما ليُلقي بظلالٍ منَ الشكِّ على علاقتهِ بمريمَ.
في تلكَ الأثناءِ، كانتْ مريمُ تشعرُ بقلقٍ مفاجئٍ. كانَ قلبُها ينبضُ بصورةٍ غيرِ طبيعيةٍ، وشعرتْ بأنَّ شيئاً ما سيحدثُ.
في المساءِ، ذهبتْ مريمُ لزيارةِ الحاجةِ فاطمةٍ، ووجدتها جالسةً في غرفتها، تبدو شاردةَ الذهنِ.
"يا جدتي، هلْ أنتِ بخيرٍ؟" سألتْ مريمُ وهيَ تقتربُ منها.
"نعم يا ابنتي، بخيرٍ الحمدُ للهِ. ولكنْ، لديَّ بعضُ الأمورِ التي تقلقُني."
"ما هيَ هذهِ الأمورُ؟"
"فقطْ... أشعرُ بأنَّ هناكَ منْ لا يريدُ سعادتَنا. لقدْ تلقيتُ اليومَ زيارةً غيرَ متوقعةٍ منْ سيدةٍ غريبةٍ، ادعتْ أنَّها منَ الأقاربِ البعيدينَ لمريمَ."
اتسعتْ عينا مريمَ، وشعرتْ بالبرودةِ تسري في عروقِها. "منْ هذهِ السيدةُ؟"
"لا أعرفُ اسمها جيداً، ولكنَّها بدأتْ تسألُ عنْ ماضي مريمَ، وعنْ أسبابِ إقامتها معي. وكانتْ كلماتها تحملُ نوعاً منَ التهديدِ."
شعرتْ مريمُ بأنَّ القلقَ الذي كانتْ تشعرُ بهِ قدْ تأكدَ. لقدْ بدأتْ المعركةُ، وكانَ عليها أنْ تكونَ قويةً، وأنْ تواجهَ ما هوَ قادمٌ.
كانَ الفصلُ ينتهي والأبطالُ يقفونُ على مفترقِ طرقٍ، يحدقونَ في المستقبلِ الذي يخبئُ لهمْ مفاجآتٍ لمْ يتوقعوها. هلْ ستكونُ هذهِ العوائقُ مجردَ غيومٍ عابرةٍ، أمْ أنها ستمطرُ أمطاراً منَ الشكِّ والخوفِ؟