قلب طاهر 165
ظلالُ الماضي وقوةُ الحاضرِ
بقلم فاطمة النجار
لمْ يمرَّ على خطوبةِ مريمَ وأحمدَ سوى أيامٍ قليلةٍ، حتى بدأتْ رياحُ الشكِّ والريبةِ تهبُّ على سعادتِهما الهادئةِ. لقدْ كانتِ السيدةُ الغريبةُ التي زارتْ الحاجةَ فاطمةَ، والتي ادعتْ أنَّها منَ الأقاربِ البعيدينَ، هيَ بذاتِها السيدةُ التي اتصلتْ بالأستاذِ أحمدَ عبرَ محاميهَا. كانتْ هذهِ السيدةُ، واسمُها "أمينة"، امرأةً لا تعرفُ الرحمةَ، ولا تقبلُ الهزيمةَ. كانتْ تحملُ في قلبِها ضغينةً قديمةً تجاهَ عائلةِ مريمَ، وكانتْ ترى في زواجِها منْ أحمدَ فرصةً للانتقامِ.
في صباحِ اليومِ التالي لزيارةِ أمينةَ للحاجةِ فاطمةٍ، اتصلَ المحامي بأحمدَ مرةً أخرى. "يا أستاذَ أحمدَ، لقدْ أرسلتْ لكَ السيدةُ أمينةُ بعضَ المستنداتِ التي تثبتُ ماضي مريمَ. أنا متأسفٌ جداً، ولكنَّ مهمتي هيَ تقديمُ هذهِ المعلوماتِ لكَ."
شعرَ أحمدُ ببرودةٍ تسري في عروقِهِ وهوَ يتلقى المستنداتِ. كانتْ صوراً قديمةً، وبعضُ الوثائقِ التي لمْ يكنْ يفهمُ مغزاها تماماً، ولكنَّ السيدةَ أمينةَ ادعتْ أنَّها تثبتُ بأنَّ مريمَ كانتْ تعيشُ حياةً غيرَ ملتزمةٍ قبلَ أنْ تلجأَ إلى الحاجةِ فاطمةٍ. كانَ الهدفُ منْ ذلكَ هوَ زرعُ الشكِّ في قلبِ أحمدَ، وجعلُهُ يرفضُ مريمَ.
"هذا مستحيلٌ!" قالَ أحمدُ بصوتٍ مرتفعٍ، وقدْ انتابَهُ الغضبُ. "مريمُ فتاةٌ طاهرةٌ، ولا يمكنُ أنْ تكونَ قدْ فعلتْ شيئاً كهذا!"
"يا أستاذَ أحمدَ، أنا فقطْ أقومُ بعملي. هذهِ هيَ المعلوماتُ التي لديَّ. والقرارُ قرارُكَ."
أغلقَ أحمدُ الخطَّ، وشعرَ بأنَّ الأرضَ تميدُ بهِ. لمْ يكنْ يريدُ أنْ يصدقَ ما تقولهُ السيدةُ أمينةُ، ولكنَّ وجودَ المستنداتِ كانَ يلقي بظلالٍ منَ الشكِّ عليهِ.
في نفسِ الوقتِ، كانتْ مريمُ تشعرُ بقلقٍ شديدٍ. كانتْ تعلمُ أنَّ ماضيها ليسَ نقياً تماماً، وأنَّها قدْ ارتكبتْ بعضَ الأخطاءِ في شبابِها، ولكنَّها تابَتْ إلى اللهِ، وشعرتْ بأنَّها قدْ بدأتْ حياةً جديدةً. كانتْ تخشى أنْ يعرفَ أحمدُ بهذهِ الأمورِ، وأنْ ينفصلَ عنها.
"يا جدتي،" قالتْ مريمُ وهيَ تجلسُ بجوارِ الحاجةِ فاطمةٍ، "هلْ تعتقدينَ أنَّ أحمدَ سيتقبلُني كما أنا؟"
"يا ابنتي، أحمدُ رجلٌ صالحٌ، وعندهُ قلبٌ رحيمٌ. إذا كانَ يحبُّكِ بصدقٍ، فسوفَ يقبلُكِ كما أنتِ، وسوفَ يقفُ بجانبِكِ."
"ولكنْ... إذا عرفَ ما حدثَ في الماضي؟"
"يا مريمُ، كلُّنا خطاؤونَ، وخيرُ الخطائينَ التوابونَ. إنَّ توبتَكِ قدْ غفرتْ لكِ ذنوبَكِ، واللهُ غفورٌ رحيمٌ. ولكنْ، يجبُ أنْ تكوني صريحةً معَ أحمدَ. الصدقُ هوَ أساسُ العلاقةِ الناجحةِ."
شعرتْ مريمُ بأنَّ كلامَ الحاجةِ فاطمةٍ كانَ بمثابةِ البلسمِ لروحِها. قررتْ أنْ تخبرَ أحمدَ بكلِّ شيءٍ، وأنْ تواجهَ الحقيقةَ.
في مساءِ ذلكَ اليومِ، اتصلَ أحمدُ بمريمَ. كانتْ نبرةُ صوتِهِ مختلفةً، وكانَ يبدو وكأنَّهُ يحملُ هماً ثقيلاً.
"مريمُ، هلْ يمكنُ أنْ نلتقي غداً؟ لديَّ أمرٌ مهمٌّ أريدُ أنْ أتحدثَ إليكِ فيهِ."
"بالطبعِ يا أحمدَ، أينَ نلتقي؟"
"في حديقةِ بيتِ الحاجةِ فاطمةٍ، بعدَ صلاةِ العصرِ."
كانَ قلبُ مريمَ يخفقُ بشدةٍ. كانتْ تعلمُ أنَّ هذا اللقاءَ سيكونُ حاسماً.
في اليومِ التالي، وبعدَ أنْ ودعتْ الحاجةَ فاطمةَ، توجهتْ مريمُ إلى الحديقةِ. وجدَتْ أحمدَ جالساً على إحدى المقاعدِ، وشكلُ وجهِهِ يعكسُ قلقاً شديداً.
"أهلاً بكَ يا أحمدَ،" قالتْ بصوتٍ مترددٍ.
"أهلاً بكِ يا مريمُ،" أجابَ وهوَ ينظرُ إليها بعينينِ مليئتينِ بالأسى. "هلْ أنتِ مستعدةٌ لسماعِ شيءٍ قدْ يؤلمُكِ؟"
شعرتْ مريمُ بالبردِ يسري في أطرافِها. "ماذا تقصدُ؟"
"لقدْ علمتُ ببعضِ الأمورِ عنْ ماضيكِ. بعضُ الأمورِ التي حاولتْ سيدةٌ غريبةٌ أنْ تخبرني بها. هلْ هذا صحيحٌ يا مريمُ؟"
تنهدتْ مريمُ بعمقٍ، وشعرتْ بأنَّ قواها قدْ خارتْ. نظرتْ إلى أحمدَ بعينينِ دامعتينِ، وقالتْ بصوتٍ مهتزٍّ: "نعم يا أحمدَ، هذا صحيحٌ."
بدأتْ مريمُ تروي قصتَها، كلَّ تفاصيلِ حياتِها، الأخطاءِ التي ارتكبتْها، التوبةِ التي تابَتْها. كانتْ تتحدثُ بصدقٍ، وبقلبٍ مفتوحٍ. كانَ أحمدُ يستمعُ إليها بصمتٍ، ووجهُهُ يرتسمُ عليهِ مزيجٌ منَ الحزنِ والتفهمِ.
"لقدْ أخطأتُ يا أحمدَ، أخطأتُ كثيراً. ولكنَّني تبتُ إلى اللهِ، وأرجو أنْ يغفرَ لي. لقدْ وجدتُ في الحاجةِ فاطمةَ الأمَّ والحنانَ، وفي دينِنا الطريقَ الصحيحَ. وأنتَ... أنتَ آخرُ أملٍ لي."
عندما انتهتْ مريمُ منْ حديثِها، نظرَ إليها أحمدُ طويلاً، ثمَّ قالَ بهدوءٍ: "يا مريمُ، كلُّنا بشرٌ، وكلُّنا نخطئُ. والأهمُّ منْ ذلكَ كلِّهِ هوَ التوبةُ والإنابةُ إلى اللهِ. لقدْ رأيتُ فيكِ الخيرَ، ورأيتُ فيكِ النقاءَ، ورأيتُ فيكِ الطهارةَ التي تبحثُ عنها. وما سمعتُهُ اليومَ، وإنْ كانَ مؤلماً، فإنَّهُ يزيدُني قناعةً بأنَّكِ قدْ تغيرتِ، وأنَّكِ تسعينَ لرضا اللهِ."
"ولكنْ... ألا تخافُ منْ أنْ يعودَ الماضي؟" سألتْ مريمُ وهيَ لا تزالُ مترددةً.
"إنْ توكلتِ على اللهِ، فلنْ يخيفَكِ شيءٌ. وماضي المرءِ هوَ ما علَّمَهُ، وما الحاضرُ هوَ ما يبني فيهِ مستقبلَهُ. وأنا أرى في عينيكِ، وفي حديثِكِ، عزيمةً قويةً على السيرِ في طريقِ الخيرِ."
ابتسمَ أحمدُ ابتسامةً خفيفةً، وقدْ زالَ القلقُ عنْ وجهِهِ. "لا تقلقي يا مريمُ. ماضي الإنسانِ لا يحددُ مستقبلَهُ. والمهمُّ هوَ أنَّنا نبدأُ معاً صفحةً جديدةً، صفحةً بيضاءَ، نكتبُ فيها قصتَنا بحبٍّ وإيمانٍ."
شعرتْ مريمُ بأنَّ غيمةً ثقيلةً قدْ انقشعتْ عنْ قلبِها. رأتْ في عينيِّ أحمدَ صدقاً وحباً، ولمْ تكنْ تتوقعْ منهُ هذا القدرَ منَ التسامحِ والتفهمِ.
"شكراً لكَ يا أحمدَ، شكراً لكَ منْ كلِّ قلبي."
"لا داعي للشكرِ يا مريمُ. نحنُ الآنَ، بإذنِ اللهِ، سنكونُ معاً. وهذهِ العوائقُ التي ظهرتْ، لنْ تكونَ إلاَّ قوةً لنا."
في تلكَ اللحظةِ، أدركتْ مريمُ أنَّ حبَّ أحمدَ كانَ أعمقَ وأصدقَ مما كانتْ تتخيلُ. وأنَّ هذا الحبَّ، إذا ما اجتمعَ معَ إيمانِهما، سيكونُ أقوى منْ أيِّ عائقٍ.
في تلكَ الليلةِ، عندما عادتْ مريمُ إلى غرفتِها، شعرتْ بأنَّها قدْ تحررتْ منْ سجنِ ماضيها. لقدْ واجهتْ أشدَّ مخاوفِها، ولمْ تخسرْ. بلْ، لقدْ اكتسبتْ حبَّاً أقوى، وثقةً أكبرَ.
كانَ الفصلُ ينتهي، ولكنَّ القصةَ بدأتْ تتجسدُ في واقعٍ أكثرَ قوةً. لقدْ أثبتَ الأبطالُ أنَّ الحبَّ الطاهرَ، المبنيَّ على الصدقِ والإيمانِ، يمكنُهُ أنْ يتجاوزَ كلَّ الصعابِ. ولكنَّ السؤالَ الذي يبقى معلقاً هوَ: هلْ ستتوقفُ السيدةُ أمينةُ عنْ محاولاتِها، أمْ أنَّ الشرَّ سيستمرُّ في إلقاءِ بذورِ الشقاقِ؟