قلب طاهر 165
بين حلمٍ وأمنية
بقلم فاطمة النجار
استيقظت نور على خيوط الفجر الأولى تتسلل عبر نافذتها، وترسم ظلالاً راقصة على جدران غرفتها. كان قلبها لا يزال يخفق بقوة، ترنّ في أذنها كلمات ياسين الأخيرة، تلك النبرة المليئة بالرجاء والوعد. "سنلتقي، نور. سنلتقي حيث ترضين، وحيث يرضى الله." كانت تلك الكلمات كبلسمٍ يداوي جراح الأمس، وكسراجٍ ينير دروب المستقبل.
نهضت بخفة، مرتديةً حجابها، وخرجت إلى شرفة منزلهم المطل على روضٍ صغيرٍ تفوح منه رائحة الياسمين. تنفست الصعداء، واستشعرت نسمات الهواء الباردة التي تحمل معها وعد يومٍ جديد. كانت الأيام الأخيرة قد أثقلت كاهلها بمشاعر متضاربة؛ فرحٌ بالتجربة الصادقة التي اختبرها قلبها، وقلقٌ من عواقبها، ورجاءٌ بأن تتكلل بالخير.
في الطابق السفلي، كانت والدتها، السيدة فاطمة، قد بدأت بالفعل في إعداد الفطور. صوتها الهادئ وهي تتلو آيات القرآن الكريم كان يبعث في النفس سكينةً وطمأنينة. كانت السيدة فاطمة امرأةً صالحة، قضت حياتها في تربية أبنائها على مبادئ الدين والأخلاق، وكانت ابنتها نور أغلى ما تملك.
"صباح الخير يا أمي." قالت نور وهي تدخل المطبخ، مقبّلةً يد والدتها. "صباح النور يا حبيبتي. يبدو أنكِ لم تنامي جيدًا؟" سألت السيدة فاطمة وهي تضع صحن الفاكهة أمامها. ابتسمت نور ابتسامة باهتة. "كنت أفكر كثيرًا يا أمي." "في ماذا يا قرة عيني؟ هل ما زال قلبكِ مشغولاً بشأن الشاب ياسين؟" أومأت نور برأسها، وشعرت بالدفء يغمرها من نظرة والدتها الحانية. "أعلم أن الأمر معقد، يا أمي، لكنه... لكنه رجلٌ طيب. كلامه صادق، وقلبه نقي." تنهدت السيدة فاطمة. "يا نور، الطيبون كثيرون، ولكن النصيب مقدر. نحن لا نملك إلا أن ندعو الله أن يختار لنا ما فيه الخير. ولكن يا ابنتي، هناك أمور يجب أن نراعيها. سمعة العائلة، وما يقوله الناس. والمهم من ذلك كله، ما يريده أبوكِ."
كان والد نور، الحاج أحمد، رجلاً ذا هيبة ووقار. يحترم العادات والتقاليد، ولا يغامر بتغيير مسار الأمور إلا إذا رأى في ذلك مصلحةً واضحةً أو رضىً من الله. كان قلقها الأكبر هو عدم إرضائه، فهو السند والعون لها ولأسرتها.
انتهت نور من تناول فطورها، وانصرفت إلى غرفتها لتستعد للذهاب إلى دار الأيتام. كانت مهمتها هناك هي جزءٌ لا يتجزأ من حياتها، تمنحها شعورًا بالرضا والغاية. كانت ترى في تلك الوجوه البريئة أملًا لم يتحقق للبعض، وكان حبها لهم ينمو يومًا بعد يوم.
في دار الأيتام، استقبلتها الأطفال بالأحضان والضحكات. كان وجودها بينهم بمثابة شمسٍ مشرقة بعد غياب. قضت ساعاتٍ في اللعب معهم، وقراءة القصص لهم، وتعليمهم بعض الكلمات الطيبة. في إحدى الزوايا، جلست مع الطفلة الصغيرة "سارة"، التي كانت تعاني من خوفٍ دائم. أمسكت بيدها الصغيرة، وحاولت أن تطمئنها.
"لا تخافي يا سارة، أنا هنا معكِ. الله معنا دائمًا." نظرت إليها سارة بعينيها الكبيرتين. "هل سيأتي أبي؟" ابتلع نور غصتها. "ربما يأتي يومًا ما يا حبيبتي. حتى ذلك الوقت، أنا وأخواتكِ هنا لنحميكِ."
بعد انتهاء دوامها، وبينما كانت تستعد للمغادرة، رأت سيارةً مألوفة تتوقف أمام دار الأيتام. لم يكن أحدٌ يتوقع زيارةً مفاجئة في هذا الوقت. نزلت منها السيدة زينب، والدة ياسين، ترتدي ثيابًا محتشمة، وتلتف حولها هالةٌ من الوقار.
توجهت السيدة زينب مباشرةً نحو نور. "السلام عليكم ورحمة الله وبركاته." "وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، تفضلي يا خالتي." ردت نور، تشعر بارتباكٍ مفاجئ. "جئت لأطمئن عليكِ يا ابنتي. سمعت عن طريق بعض المعارف أنكِ في حاجةٍ للمساعدة في بعض الأمور." كانت كلمات السيدة زينب تبدو ودية، لكن نور لم تستطع أن تفك شفرة الهدف الحقيقي من زيارتها. هل جاءت لتبارك علاقتهما؟ أم لتضع شروطًا؟
"جزاكِ الله خيرًا يا خالتي. أنا بخير، والحمد لله." "الأمر ليس مجرد بخير يا ابنتي. أنتِ فتاةٌ طيبة، ويتيمة الأم، وهذا يجعلكِ في حاجةٍ ليدٍ حانية. وأنا... أنا أريد أن أكون تلك اليد." اتسعت عينا نور. لم تكن تتوقع هذا العرض المفاجئ. "لا أفهم قصدكِ يا خالتي." "قصدت أنني أرغب في أن أراكِ زوجةً لياسين. أريده أن يستقر، وأرى فيكِ الزوجة الصالحة التي تناسبه." تجلط الدم في عروق نور. كانت تتوقع أي شيء إلا هذا. لم يكن الأمر مجرد لقاءٍ أو حديثٍ عابر، بل كان عرضًا رسميًا، وجاء من والدة ياسين مباشرةً.
"يا خالتي... أنا... أنا لا أعرف ماذا أقول. الأمر يتعلق بوالدي، وبموافقة أهلي." "بالطبع، بالطبع. ولكنني أردت أن أؤكد لكِ أنني موافقة، وأنني سأقوم بكل ما في وسعي لإقناع الحاج أحمد. أريد أن أرى لمةً عائليةً كريمة، تجمعنا بمن نحب." شعرت نور بثقلٍ هائلٍ على قلبها. كانت هذه الزيارة أشبه بعاصفةٍ لم تتوقعها، تحمل معها الخير والشر في آنٍ واحد. هل ستقبل أسرتها بهذا العرض؟ وماذا سيكون رد فعل ياسين؟
"شكرًا جزيلك يا خالتي. سأتحدث مع والدي. أدعو الله أن يكون لنا الخير." "أتمنى ذلك يا ابنتي. وأنا في انتظار ردكم." غادرت السيدة زينب، تاركةً نور في حالةٍ من الذهول. عادت إلى غرفتها، وجلست على سريرها، تفكر في كل ما حدث. كانت السيدة زينب امرأةً قوية، ورغبتها واضحة. لم تكن تطلب يدها لابنها فحسب، بل كانت تعرض المساعدة في إقناع والدها.
كانت هناك نقطةٌ تحولٍ قد حدثت. لم يعد الأمر مجرد مشاعر قلبٍ مكنون، بل أصبح حقيقةً تلامس أبواب الزواج. هل كانت مستعدةً لهذا؟ هل كان قلبها مستعدًا لتلك المسؤولية؟ كانت تعلم أن طريق الزواج ليس مفروشًا بالورود، وأن فيه تحدياتٍ كبيرة. ولكن، عندما تخيلت نفسها في بيتٍ واحدٍ مع ياسين، يشاطرانه الحياة، ويرزقان منه ذريةً طيبة، شعرت بابتسامةٍ خفيفة ترتسم على شفتيها.
في المساء، جلس الحاج أحمد مع ابنته. رأت نور في عينيه بعض التردد، ولكنه كان يحمل لها دائمًا كل الحب. "يا أبي، لي حديثٌ معك." "تفضلي يا ابنتي." "اليوم، زارتني السيدة زينب، والدة الشاب ياسين." ارتفع حاجب الحاج أحمد قليلًا. "والدة ياسين؟ وماذا أرادت؟" "لقد تقدمت لي... أو بالأحرى، عبرت عن رغبتها في أن أتزوج من ابنها ياسين. وقالت إنها ستساعد في إقناعك." صمت الحاج أحمد برهةً، يتأمل الكلمات. ثم قال بهدوء: "هذا أمرٌ جلل يا نور. خطوةٌ كبيرة. هل أنتِ مستعدةٌ لهذا؟" "قلبي يميل إليه يا أبي. ولكنني أريد رضاك، ورضا الله." "قلبكِ يا نور هو أمانتي، ولكنه أيضًا بوصلتك. ولكن، يجب أن نتأنى. لنعقد جلسةً نتشاور فيها مع والدة ياسين، ونرى ما يدور في أذهانهم. ولكن، كن على يقينٍ يا ابنتي، أنني لن أزوجكِ إلا لمن يتقي الله فيكِ، ويرعاكِ."
شعرت نور بارتياحٍ كبير. والدها لم يرفض، بل فتح بابًا للحوار. كانت تلك نهاية اليوم، بدايةً لرحلةٍ جديدة، مليئةٌ بالأمل والقلق، والحلم الذي بدأ يتشكل على أرض الواقع.