قلب طاهر 165
خطواتٌ نحو المستقبل
بقلم فاطمة النجار
بعد اللقاء الأول، اتخذت الأمور منحىً جديدًا. بدأت تتكشف خيوط المستقبل، وتترتب تفاصيل الخطبة. كانت السيدة زينب، بعفويتها وحكمتها، تتولى الكثير من الترتيبات، لتخفف العبء عن الحاج أحمد وأسرته. أصبحت نور وياسين يتواصلان بشكلٍ أكبر، ولكن بطرقٍ تحترم الحدود الشرعية. كان يتبادلان الرسائل النصية، ويكتفيان ببعض المكالمات الهاتفية القصيرة، والتي كانت دائمًا تدور حول أمورٍ عامة، أو خططٍ مستقبلية، أو آياتٍ قرآنيةٍ تريح النفس.
في أحد الأيام، تلقت نور رسالةً من ياسين: "نور، هل لديكِ وقتٌ للقاءٍ قصيرٍ في مكانٍ عامٍ، ضمن حدود الشرع، لنناقش بعض الأمور المتعلقة بالخطبة؟" ترددت نور قليلًا، ولكنها شعرت بأن هذا اللقاء ضروري. "نعم، بالتأكيد. أين تفضل؟" "هناك حديقةٌ جميلةٌ تطل على البحر، وهي مكانٌ هادئٌ ومناسبٌ. في يوم كذا، الساعة كذا. سأكون في انتظاركِ."
في اليوم المحدد، ارتدت نور ثيابًا محتشمة، وذهبت مع والدتها. كان المشهد جميلاً؛ أشجارٌ خضراء، وبحرٌ يتلألأ تحت أشعة الشمس. كان ياسين ينتظرها، واقفًا بالقرب من شجرةٍ وارفة الظلال. عندما رأته، شعرت ببعض الارتياح. كان يقف منتصب القامة، ويبدو عليه الاحترام.
"السلام عليكم." قال ياسين، مبتسمًا. "وعليكم السلام." ردت نور. "شكرًا لحضوركِ." "شكرًا لدعوتك."
بدأ ياسين يتحدث عن تفاصيل الخطبة؛ عن المهر، وعن قائمة المنقولات، وعن موعد عقد القران. كان يتحدث بجديةٍ واهتمام، وكأنه يبني أساسًا متينًا لمستقبلهما. "نور، أريد أن أتأكد من أنكِ مرتاحةٌ لكل ما يحدث. إذا كان هناك أي شيءٍ يقلقكِ، أو أي شيءٍ ترغبين في تغييره، فلا تترددي في قوله." نظرت نور إلى البحر، ثم إلى ياسين. "أنا مرتاحةٌ يا ياسين. كل شيءٍ يسير كما يجب. أثق بك، وأثق في قرار أسرتي."
"ولكني أريد أن أتأكد من أنكِ لا تضحي بأيٍ من أحلامكِ. لقد تحدثت مع والدتي، وهي معجبةٌ جدًا بفكرتكِ في إنشاء حضانةٍ للأطفال. وأنا أيضًا أرى أن هذا مشروعٌ رائعٌ. أريد أن أراكِ ناجحةً في حياتكِ، وأن تحققي كل ما تطمحين إليه." "شكرًا لك يا ياسين. هذا الكلام يعني لي الكثير." "أعلم أنكِ كنتِ تتمنين إكمال دراستكِ العليا في مجال التربية. هل ما زلتِ تفكرين في ذلك؟" "نعم، طبعًا. ولكنني أخشى أن يكون الأمر صعبًا مع مسؤوليات الزواج." "لا تقلقي. سنعمل معًا. وسنجد طريقةً. يمكننا أن نبدأ بالدراسة عن بعد، أو أن نخطط لوقتٍ محددٍ لذلك. المهم أن لا تتخلي عن حلمكِ."
شعرت نور بفرحةٍ غامرة. لم يكن ياسين مجرد شابٍ يريد الزواج، بل كان شريكًا حقيقيًا، يفكر في مستقبلها، ويدعم أحلامها.
"ماذا عن عائلتكِ؟ هل هناك أي شيءٍ يخصهم تحتاجين للتفكير فيه؟" سأل ياسين. "والدتي تريد أن نتزوج في أقرب وقتٍ ممكن، لأنها تخشى عليّ. ولكنني أرى أننا بحاجةٍ لبعض الوقت. أنا أعمل حاليًا، وأحتاج لإنهاء بعض الأمور في دار الأيتام قبل أن أتفرغ تمامًا." "أتفهم ذلك. ولكن، لا بد من تحديد موعدٍ نهائي. لا يمكننا أن نبقى هكذا إلى ما لا نهاية. ما رأيكِ في تحديد موعدٍ مبدئي، وربما نؤجله إذا لزم الأمر؟"
تحدثوا مطولًا، يناقشون كل التفاصيل. كان التفاهم بينهما يزداد مع كل كلمة. عندما انتهوا، شعرت نور بأنها عرفت ياسين أكثر، وبأن ثقتها به قد تعمقت.
بعد انتهاء اللقاء، عادت نور إلى المنزل، وقلبها مليءٌ بالسعادة. لم يعد الأمر يتعلق بحبٍ من طرفٍ واحد، بل أصبح حقيقةً تتشكل، وشراكةً واعدةً.
في اليوم التالي، وبينما كانت نور تعمل في دار الأيتام، زارتها والدة ياسين، السيدة زينب، برفقة شقيقة ياسين، "ليلى". كانت ليلى فتاةً صغيرةً، ولكنها تحمل في عينيها ذكاءً لافتًا. "جئنا لزيارتكِ يا نور، ولنرَ المكان الذي تقضين فيه وقتكِ الثمين." قالت السيدة زينب. "أهلاً بكِ يا خالتي. المكان هو بيتكم أيضًا." تجولت السيدة زينب وليلى في أرجاء الدار، وهما تتحدثان مع الأطفال. كانت السيدة زينب تظهر اهتمامًا كبيرًا بالأعمال الخيرية، وشعرت نور بأنها وجدت في السيدة زينب شريكةً في رسالتها.
"يا نور، هل تأكدتِ من أن كل شيءٍ على ما يرام في دار الأيتام؟ هل هناك أي شيءٍ ينقصهم؟" سألت السيدة زينب. "كل شيءٍ ميسرٌ بفضل الله، ولكننا دائمًا في حاجةٍ للدعم." "لا تقلقي. سأبذل قصارى جهدي لمساعدة هذا المكان. سأتحدث مع بعض الأصدقاء، ولعلنا نتمكن من تنظيم حملةٍ تبرعاتٍ قريبًا."
كانت هذه المبادرات من السيدة زينب تبعث في نفس نور شعورًا بالامتنان العميق. لم تكن مجرد أمٍ لخطيبها، بل كانت بمثابة أمٍ ثانية، تهتم بها وبمحيطها.
بينما كانتا تتحدثان، ألقت ليلى سؤالاً بريئًا: "يا خالتي نور، هل ستصبحين أمي قريبًا؟" ابتسمت نور، وقبلت ليلى. "إن شاء الله يا حبيبتي. إذا أراد الله." "وهل ستعيشين معنا؟" "بالتأكيد. سأعيش مع ياسين، وسنكون عائلةً واحدة." نظرت ليلى إلى أمها، ثم إلى نور. "أتمنى ذلك."
بعد مغادرة السيدة زينب وليلى، شعرت نور بشيءٍ من القلق. فكرة العيش مع أسرة ياسين كانت جديدةً نسبيًا. كانت قد اعتادت على استقلاليتها، وعلى مساحتها الخاصة. ولكن، عندما تذكرت مدى طيبة السيدة زينب، وحكمة أفكارها، تلاشت مخاوفها.
في المساء، تلقت نور رسالةً من ياسين: "اليوم، زارت أمي دار الأيتام. كانت سعيدةً جدًا برؤية تفانيكِ. أخبرتني بأنها تخطط لتقديم دعمٍ كبيرٍ للدار. أنتِ حقًا مصدر إلهامٍ لها، ولي." قرأت نور الرسالة، وشعرت بقلبها يمتلئ بالفرح. كان هذا الدعم، وهذا التقدير، هو ما كانت تحلم به.
كانت الخطوات تتسارع نحو المستقبل، وكل خطوةٍ كانت تؤكد لها بأنها تسير في الطريق الصحيح. كانت تشعر بأن الله قد بارك في علاقتها بياسين، وأنها ستجد في هذا الزواج السعادة والراحة.