قلب طاهر 165
سرٌّ أُلقي في لجّةِ الأيام
بقلم فاطمة النجار
كان الهواءُ في الديوانِ مثقلًا برائحةِ البخورِ العتيقِ ونفحاتِ العودِ التي تعبقُ بأصالةِ المكانِ. جلستْ "ليلى" على الأريكةِ المخمليةِ، وقلبُها يخفقُ كعصفورٍ أسيرٍ. لم يكنْ ذلكَ الهدوءُ الذي يسبقُ العاصفةَ، بل كانَ هدوءَ غرقٍ بطيءٍ في بحرٍ من الشكوكِ. "الحاجّ عبد الرحمن"، وقدْ لفَّ وجهَهُ التجاعيدُ العميقةُ، كانَ ينظرُ إليها بعينينِ تحملانِ ثقلَ السنينِ وخبرةَ الدهورِ. كانَ صمتُهُ أشدَّ وقعًا من أيِّ كلامٍ.
"ابنتي الغالية،" بدأَ أخيراً بصوتٍ خفيضٍ، تحاولُ فيهِ الألفاظُ سبرَ أغوارِ الحقيقةِ، "هناك أمورٌ علينا مواجهتُها، لا يمكنُ للزمنِ أنْ يمحوَها، ولا للغفلةِ أنْ تُخفيَها."
ارتعشتْ شفتا "ليلى" وهيَ تستجمعُ قوّتَها. "تفضّلْ يا عمّي. أنا أسمعُ."
"تعلّقُ بكِ "عامر" أمرٌ لا يختلفُ عليهِ اثنانِ. وقلبُكِ، يا ابنتي، ما فتئَ يهفو إليهِ. ولكنْ، يا ليلى، هناكَ ستارٌ رفيعٌ، شفافٌ لكنْهٌ يمنعُ الرؤيةَ الكاملةَ. ستارٌ من الماضي."
تجمّدتْ "ليلى". أيُّ ماضٍ يتحدثُ عنه؟ هلْ يخصُّ "عامر"؟ أمْ يخصُّ عائلتَها؟
"هلْ تقصدُ عائلتي يا عمّي؟" سألتْ بترددٍ، وهيَ تستحضرُ كلَّ ذكرى، كلَّ قصّةٍ سمعتْها عنْ أصولِها.
ابتسمَ "الحاجّ عبد الرحمن" ابتسامةً باهتةً، كأنَّها شمسٌ غربتْ ولمْ تتركْ إلاّ طيفَها. "ليسَ عائلتُكِ وحدَها، يا ابنتي. بلْ ماضٍ نسجتْ خيوطَهُ أحداثٌ قبلَ ميلادِكِ، أحداثٌ لمْ تُروَ بالكاملِ، وأسرارٌ بقيتْ حبيسةَ الصدورِ."
لمْ تجدْ "ليلى" كلماتٍ لتُعبّرَ عنْ اضطرابِها. كانتْ تشعرُ وكأنَّ الأرضَ تميدُ بها. "ما هيَ هذهِ الأسرارُ يا عمّي؟"
"قصةٌ قديمةٌ، يا ليلى، قصةٌ بينَ رجُلٍ وامرأةٍ، قصةٌ فيها حبٌّ، وفيها خيانةٌ، وفيها ثمنٌ باهظٌ دُفِعَ. ثمنٌ أثّرَ على مسارِ عائلتينِ، بلْ على مسارِ أكثرَ منْ شخصٍ، منهمْ منْ يعيشُ بينَنا الآنَ، ومنهمْ منْ رحلَ تاركاً وراءهُ ظلَّ الحقيقةِ."
كانَ كلامُ "الحاجّ عبد الرحمن" يتخلّلُ أعماقَ روحِها كالسَّمِّ البطيءِ. كانتْ تبحثُ عنْ نظرةِ "عامر" المليئةِ بالحبِّ، عنْ ابتسامتِهِ الواثقةِ، لكنَّها كانتْ وحدَها في هذا الفضاءِ الغامضِ.
"هلْ له علاقةٌ بوالدي؟" همستْ، وصوتُها بالكادِ يُسمعُ.
"لوالدِكِ علاقةٌ، نعم. علاقةٌ معقّدةٌ، ربما لمْ يكنْ مدركًا لكلِّ تفاصيلِها. ولكنَّ المفتاحَ، يا ليلى، يكمنُ في ماضٍ أعمقَ، ماضٍ لمْ تُفتحْ أبوابُهُ مطلقًا."
تطلّعتْ "ليلى" نحو النافذةِ، حيثُ كانَ ضوءُ الشمسِ يتسلّلُ بخجلٍ بينَ ستائرِ الديوانِ. شعرتْ بأنَّ كلَّ ما بنتهُ منْ أحلامٍ ورديةٍ بدأَ يتصدّعُ. كانتْ تثقُ بـ "عامر" ثقةً لا تتزعزعُ، لكنَّ كلامَ "الحاجّ عبد الرحمن" زرعَ بذورَ شكٍّ عميقةٍ، بذورٌ بدأتْ تنمو بسرعةٍ لا تُصدّقُ.
"هلْ هناكَ شيءٌ أخفيتَه عنّي يا "عامر"؟" سألتْ نفسَها بصوتٍ خافتٍ، ولكنَّ السؤالَ كانَ يتردّدُ صداهُ في أرجاءِ الديوانِ.
"يا ليلى،" قالَ "الحاجّ عبد الرحمن" موجّهاً كلامَهُ إليها مباشرةً، "الحبُّ الحقيقيُّ لا يقومُ على الظنونِ، بلْ على الوضوحِ والصدقِ. وإنْ كانتْ هناكَ غيومٌ تحجبُ الشمسَ، فعلينا أنْ نُزيحَها، مهما كانَ الثمنُ."
أومأتْ "ليلى" بصمتٍ، وعيناها تجولانِ في تفاصيلِ وجهِ "الحاجّ عبد الرحمن"، تبحثُ عنْ أيِّ أثرٍ يطمئنُ قلبَها، لكنّها لمْ تجدْ سوى الجدِّيّةِ والحزمِ.
"أنا جاهزةٌ يا عمّي. قلْ لي ما يجبُ عليَّ معرفتُهُ."
تنهّدَ "الحاجّ عبد الرحمن" بعمقٍ، كأنَّهُ يحملُ فوقَ كتفيهِ ثقلَ التاريخِ. "سنبدأُ القصةَ منْ حيثُ بدأتْ أصولُ الخلافِ. قبلَ سنواتٍ، كانتْ هناكَ عائلتانِ، عائلةُ "آلَ الزاهر" وعائلةُ "آلَ الغانم". كانَ بينَ رجُلينِ صداقةٌ قويةٌ، بلْ أخوّةٌ. لكنَّ المالَ، يا ليلى، والجاهَ، والطمعَ، قدْ فسدوا ذلكَ الرابطَ. حدثَ ما حدثَ، وانتهى الأمرُ بقطيعةٍ ومرارةٍ، وبقصصٍ لمْ تُحكَ إلاّ همسًا."
"ولكنْ ما علاقةُ هذا بـ "عامر"؟" تساءلتْ "ليلى" بشيءٍ منْ نفادِ الصبرِ، فالحقائقُ تتراكمُ أمامَها كجدارٍ شاهقٍ.
"الصبرُ يا ابنتي. "عامر" هوَ نتاجُ تلكَ القصصِ. هوَ ابنُ أحدِ هؤلاءِ الرجالِ، الرجلِ الذي عاشَ حياةً ظلَّتْ مُعلَّقةً في سماءِ الماضي. والقصةُ، يا ليلى، تتشعبُ أكثرَ عندما نتحدّثُ عنْ أمهِ."
توقّفتْ "ليلى" عنِ التنفسِ للحظةٍ. أُمُّ "عامر"؟
"أُمُّ "عامر" يا ابنتي، لمْ تكنْ بالشكلِ الذي تعرفينَها عليهِ. كانتْ لها ماضٍ، ماضٍ معقّدٌ جداً، ماضٍ مرتبطٌ ارتباطاً وثيقاً بالمرأةِ التي كانتْ في قلبِ تلكَ الخلافاتِ الأولى."
أشارتْ يدُ "الحاجّ عبد الرحمن" إلى صورةٍ قديمةٍ معلّقةٍ على الحائطِ. كانتْ صورةَ امرأةٍ فاتنةِ الجمالِ، بعينينِ لامعتينِ وابتسامةٍ غامضةٍ.
"هذهِ، يا ليلى، هيَ "أميرة". كانتْ حبَّ حياةِ والدِ "عامر" الأولَ. ولكنَّ القدرَ، أو ربما خياراتٌ خاطئةٌ، فرّقتْ بينَهُما. وبعدَ سنواتٍ، ظهرتْ "أميرة" مرةً أخرى، ولكنْ بطريقةٍ لمْ يتوقّعْها أحدٌ. وبوُجودِها، عادتْ قصةُ الماضي لتُلقي بظلالِها، وظلالُها هذهِ يا ليلى، لمْ تنتهِ بعدُ."
كانتْ "ليلى" تشعرُ بأنَّ رأسَها يدورُ. كلُّ كلمةٍ كانتْ تُقالُ كانتْ تزيدُ منْ حجمِ اللغزِ. "ولكنْ، كيفَ يمكنُ لكلِّ هذا أنْ يؤثّرَ علينا؟"
"لأنَّ "عامر" لمْ يكشفْ لكِ كلَّ شيءٍ عنْ ماضي عائلتِهِ. ولأنَّ أسرارَ أمهِ، يا ليلى، أعمقُ ممّا تتصوّرينَ. وهناك منْ يسعى جاهداً ليبقى هذا الماضي مدفوناً، بينما هناكَ آخرونَ يريدونَ كشفَ الحقيقةِ، مهما كانَ ما فيها. وأنتِ، يا ابنتي، أصبحتِ في قلبِ هذا الصراعِ دونَ أنْ تشعري."
نظرتْ "ليلى" حولَها، وكأنَّها ترى الأشباحَ تتجسّدُ في أركانِ الديوانِ. هلْ كانتْ تلكَ القصةُ التي قرأتها عنْ حبِّ "عامر" لها مجردَ وهمٍ؟ هلْ كانَ كلُّ شيءٍ مبنياً على أساسٍ هشٍّ؟
"هلْ "عامر" على علمٍ بكلِّ هذا؟" سألتْ بضعفٍ.
"يعرفُ بعضَ الأمورِ، ولكنهُ لا يعرفُ الحقيقةَ كاملةً. لمْ تُخبرهُ والدتهُ بكلِّ شيءٍ، ولربما هذا كانَ قراراً حكيماً منها، أو ربما كانَ خوفاً. ولكنْ، يا ليلى، عندما يبدأُ القلبُ بالتعلقِ، يصبحُ منْ الصعبِ على المرءِ أنْ يرى الحقائقَ بوضوحٍ. ويصبحُ منْ الواجبِ على الآخرينَ أنْ يُشيروا إلى الطريقِ الصحيحِ."
كانتْ "ليلى" تشعرُ ببرودةٍ تسري في عروقِها. لمْ تكنْ تتخيّلُ أبداً أنَّ قصّةَ حبِّها لـ "عامر" ستُصبحُ مسرحاً لصراعاتٍ قديمةٍ.
"وماذا أفعلُ أنا؟"
"تُفكّرينَ، يا ابنتي. تُفكّرينَ بعمقٍ. هلْ أنتِ مستعدةٌ لمواجهةِ ما قدْ تكشفُهُ الحقائقُ؟ هلْ أنتِ قادرةٌ على الفصلِ بينَ حبِّكِ لـ "عامر" وبينَ تاريخِ عائلتِهِ؟"
هذهِ الأسئلةُ كانتْ أقسى منْ أيِّ اعترافٍ. شعرتْ "ليلى" بأنَّها تقفُ على حافةِ هوّةٍ سحيقةٍ. هلْ ستقفزُ؟ أمْ ستتراجعُ؟
"وإذا كانتْ الحقيقةُ مؤلمةً؟" سألتْ بصوتٍ مرتعشٍ.
"فالحقيقةُ، يا ليلى، نورٌ، مهما كانَ وهجُهُ. والظلامُ، مهما بدا مريحاً، لنْ يؤديَ إلاّ إلى الضلالِ."
ارتدتْ "ليلى" طرفَ الثوبِ بيدٍ مرتجفةٍ. لمْ تعدْ قادرةً على استيعابِ المزيدِ. بدا الديوانُ الكبيرُ، بكلِّ ما فيهِ منْ عبقٍ وأصالةٍ، مكاناً مظلماً وغريباً.
"أعتقدُ أنَّني بحاجةٍ للوقتِ للتفكيرِ يا عمّي."
"خذي وقتَكِ يا ابنتي. ولكنْ، اعلمي أنَّ الوقتَ لا ينتظرُ أحداً، وأنَّ للقصصِ نهاياتٍ، سواءٌ كانتْ سعيدةً أمْ حزينةً. وسرُّ "أميرة" هذا، يا ليلى، قدْ يكونُ المفتاحَ لكلِّ شيءٍ."
خرجتْ "ليلى" منَ الديوانِ، وقلبُها يئنُّ ألماً. كانَ كلُّ شيءٍ قدْ تبدّلَ. لمْ يعدْ "عامر" مجردَ الرجلِ الذي تحبُّ، بلْ أصبحَ جزءاً منْ لغزٍ كبيرٍ، لغزٍ قدْ يغرقُها معه. شعرتْ بأنَّها تسيرُ في ضبابٍ كثيفٍ، لا تدري إلى أينَ تتجهُ، ولا ما تخبئُهُ لها الأيامُ القادمةُ. وهلْ ستستطيعُ قلبُها الطاهرُ أنْ يحملَ ثقلَ كلِّ هذهِ الأسرارِ؟