الفصل 19 / 25

قلب طاهر 165

مواجهةٌ معَ شبحٍ قديم

بقلم فاطمة النجار

في صباحِ اليومِ التالي، استيقظتْ "ليلى" مبكراً، قبلَ أنْ تُشرقَ الشمسُ بالكاملِ. كانَ الليلُ طويلاً، مليئاً بالأفكارِ المتشابكةِ والأحلامِ المضطربةِ. شعرتْ بأنَّ لديها طاقةً جديدةً، طاقةَ الإصرارِ والوضوحِ. لقدْ قررتْ، ولمْ تعدْ تتراجعُ.

كانَ لقاؤها بـ "السيدةَ زينبَ" هوَ الخطوةَ التاليةَ، والأكثرَ صعوبةً. كانتْ تعرفُ أنَّ هذا اللقاءَ لنْ يكونَ مجردَ حديثٍ عابرٍ، بلْ سيكونُ استجواباً، وتحقيقاً في أغوارِ الماضي. ارتدتْ ملابسَ محتشمةً وأنيقةً، محاولةً أنْ تُظهرَ لها الاحترامَ والجدّيةَ.

عندما وصلتْ إلى بيتِ "عامر"، استقبلتها الخادمةُ بابتسامةٍ وهدوءٍ، ودلّتها إلى غرفةِ المعيشةِ. وجدتْ "السيدةَ زينبَ" جالسةً على أريكةٍ، تلفُّ حولَها وشاحاً حريرياً أنيقاً، ووجهُها يعكسُ هدوءاً مصطنعاً.

"أهلاً بكِ يا ابنتي،" قالتْ "السيدةَ زينبَ" بصوتٍ رقيقٍ، ولكنَّ عينيها كانتا ترصدانِ "ليلى" بدقّةٍ. "تفضّلي بالجلوسِ."

جلستْ "ليلى"، وشعرتْ بثقلِ نظراتِ "السيدةَ زينبَ" عليها. "شكراً لكِ، يا خالتي. أتيتُ لأتحدثَ معكِ في أمرٍ مهمّ."

"أعلمُ سببَ زيارتِكِ،" قالتْ "السيدةَ زينبَ" بهدوءٍ، مما فاجأَ "ليلى" بعضَ الشيءِ. "الحاجّ عبد الرحمن يتحدثُ كثيراً."

"نعم، لقدْ تحدثَ معي عنْ بعضِ الأمورِ القديمةِ. عنْ ماضي عائلتِكَ."

"ماضي عائلتي، يا ابنتي، لمْ يكنْ وردياً دائماً. كانتْ فيهِ أحزانٌ ومراراتٌ، ولكنْ، الحمدُ لله، تغلبنا عليها."

"ولكنْ، يا خالتي، هناكَ قصةٌ معينةٌ أريدُ أنْ أفهمَها. قصةُ "أميرة"."

صمتتْ "السيدةَ زينبَ" للحظةٍ، وعيناها غابَ فيهما شيءٌ منَ الحزنِ العميقِ. بدا وكأنَّ اسمَ "أميرة" قدْ أيقظَ فيهِ شيئاً دفينَاً.

"أميرةٌ…" همستْ، وكأنَّها تتحدثُ إلى نفسها. "كانتْ … كانتْ امرأةً جميلةً جداً. وحبَّ حياةِ المرحومِ زوجي الأولَ."

"ولكنْ، سمعتُ أنَّها كانتْ السببَ في الكثيرِ منَ المشاكلِ. وأنَّ ظهورَها مرةً أخرى أثّرَ على عائلتِكِ."

تنهّدتْ "السيدةَ زينبَ" بعمقٍ. "الحياةُ، يا ابنتي، مليئةٌ بالمفاجآتِ، وبالقراراتِ الصعبةِ. زوجي، الله يرحمهُ، أحبَّ "أميرةَ" حباً جنونياً. ولكنَّ ظروفاً قاسيةً فرّقتْ بينَهُما. وعندما ظهرتْ مرةً أخرى، كانَ الوضعُ قدْ تغيّرَ كثيراً."

"ولكنْ، لمْ أفهمْ. كيفَ كانَ ظهورُها سبباً لكلِّ شيءٍ؟"

"كانَ حبُّهُ لها قدْ بقيَ في قلبِهِ. وعندما عادتْ، وجدتْهُ وحيداً، بعدَ وفاتي بأبيهِ. وكانَ الوضعُ معقداً، لأنَّ لديهِ أبناءً، ولأنَّني كنتُ قدْ بدأتُ حياةً جديدةً معه."

"أبناءً؟" كررتْ "ليلى"، فكرتْ في "عامر". هلْ كانوا يتحدثونَ عنْ شيءٍ قبلَ "عامر"؟

"نعم، لديهِ أبناءٌ منْ زواجِهِ الأولِ. وهمْ الآنَ جزءٌ منْ عائلتِنا. ولكنَّ "أميرةَ" … عودتُها أحدثتْ زلزالاً. فقدْ كانَ لديهِ أسرارٌ لمْ تُكشفْ، وكنتُ أنا أيضاً لديّ أسرارٌ."

"ما هيَ هذهِ الأسرارُ يا خالتي؟" سألتْ "ليلى" بنبرةٍ مليئةٍ بالرجاءٍ، مستشعرةً أنَّ الحقيقةَ على وشكِ الانكشافِ.

"الزمانُ، يا ابنتي، يمحو الكثيرَ، ولكنهُ لا يمحو كلَّ شيءٍ. زوجي، الله يرحمهُ، كانَ رجلاً طيباً، ولكنْ، كانَ لديهِ نقاطُ ضعفٍ. و "أميرةُ" استغلتْ ذلكَ."

"استغلّتْ ماذا؟"

"استغلّتْ طيبتَهُ، وحبَّهُ. استغلّتْ حاجتَهُ لمنْ يفهمُهُ. وظهرتْ في حياتِهِ في وقتٍ كانَ فيهِ ضعيفاً. ولكنْ، ما لمْ تعرفْهُ "أميرةُ"، وما لمْ يعرفهُ أحدٌ، هوَ أنَّها لمْ تكنْ تبحثُ عنِ الحبِّ فقطْ."

"بلْ عنْ ماذا؟"

"عنْ الانتقامِ." قالتْ "السيدةَ زينبَ" ببطءٍ، وكلُّ كلمةٍ كانتْ تحملُ ثقلَ ألفِ سنةٍ. "كانتْ تسعى للانتقامِ منْ عائلتِنا، بسببِ ما حدثَ لها في الماضي. بسببِ خيانةٍ، وبسببِ ظلمٍ وقعَ عليها."

"ظلمٌ؟ منْ مَنْ؟"

"منْ والدِ زوجي. والدِ "عامر"."

ارتعشَ جسدُ "ليلى". والدُ "عامر"؟ الرجلُ الطيبُ الذي وصفهُ "عامر" بهذهِ الصفاتِ؟

"ولكنْ، كيفَ؟"

"كانَ هناكَ اتفاقٌ بينَ والدِ زوجي و "أميرةَ" في الماضي. اتفاقٌ لمْ يُنفّذْ كما يجبُ. وقدْ شعرتْ "أميرةُ" بالظلمِ الشديدِ. وعندما عادتْ، أرادتْ أنْ تُعيدَ الحقَّ لأصحابِهِ، أوْ بالأحرى، أنْ تنتقمَ ممنْ ظلمَها."

"وما علاقةُ "عامر" بهذهِ القصةِ؟"

"عامرٌ هوَ ابنُ والدِ زوجي، بالطبعِ. ولكنهُ أيضاً … كانَ لهُ دورٌ غيرُ مباشرٍ. لأنَّ "أميرةَ" عندما رأتْهُ، رأتْ فيهِ … شيئاً منْ ماضي والدِهِ. وربما رأتْ فيهِ فرصةً للضغطِ على العائلةِ."

"كيفَ ضغطتْ؟"

"استخدمتْ "عامرَ" كورقةٍ ضغطٍ. أظهرتْ لهُ أنها تهتمُّ بهِ، وأنها تفهمُهُ. وأنها تختلفُ عنْ الآخرينَ. وكانتْ تحاولُ أنْ تحصلَ على معلوماتٍ منهُ، أوْ أنْ تُشوّشَ على علاقتهِ بوالدتِهِ."

"والدتي؟"

"نعم، والدتِكَ. والدتُكَ … كانتْ هيَ الأخرى ضحيةً في هذهِ القصةِ. فقدْ كانتْ على علمٍ بما فعلتْهُ "أميرةُ" بزوجي. ولكنْ، عندما واجهتْهُ، أنكرَ، وقالَ إنَّ "أميرةَ" تحاولُ تدميرَ عائلتِهِ. وخافَ على أبنائِهِ. فلجأتْ والدتُكَ إلى الصمتِ، خوفاً منْ تفاقمِ الأمورِ."

كانتْ "ليلى" تشعرُ بأنَّ كلَّ قطعةٍ منَ الألغازِ قدْ بدأتْ تتناسبُ. ولكنَّ الصورةَ كانتْ مؤلمةً جداً.

"ولكنْ، يا خالتي، لماذا لمْ يُخبرْ "عامرُ" بكلِّ هذا؟"

"لأنَّ والدهُ، بعدَ أنْ فهمَ خطورةَ الوضعِ، قررَ أنْ يقطعَ كلَّ علاقةٍ بـ "أميرةَ" تماماً. وأخبرَ "عامرَ" أنَّ هذهِ المرأةَ خطيرةٌ، وأنَّهُ يجبُ أنْ يبتعدَ عنها. ولكنهُ لمْ يُفسّرْ الأسبابَ كاملةً. كانَ يريدُ حمايةَ ابنهِ. أما أنا، فقدْ شعرتُ أنَّ الحقيقةَ ستُدمّرُ "عامرَ"، ولذلكَ … لمْ أكشفْ لهُ كلَّ شيءٍ."

"ولماذا تذكرينَ هذا الآنَ؟"

"لأنَّ "عامرَ" على وشكِ الزواجِ منْكِ، يا ابنتي. وأنتِ تستحقينَ معرفةَ الحقيقةِ كاملةً. ولا أريدُ أنْ تعيشي في ظلامٍ. "أميرةُ" لمْ تختفِ تماماً. ما زالتْ لها أطرافٌ في هذا العالمِ، ما زالتْ تسعى للانتقامِ. وقدْ سمعتُ أنها بدأتْ تُقتربُ منْ "عامرَ" مرةً أخرى."

اشتعلَ قلبُ "ليلى" غضباً وخوفاً. "تقتربُ منْ "عامرَ"؟ كيفَ؟"

"لا أعرفُ التفاصيلَ. ولكنَّها امرأةٌ ماكرةٌ، ولا تستسلمُ بسهولةٍ. كانتْ تبحثُ عنْ فرصةٍ للانتقامِ، وها هيَ قدْ وجدتها. "عامرٌ" … هوَ مفتاحُ ماضي والدهِ. ومفتاحُ الانتقامِ."

نهضتْ "ليلى" منْ مقعدِها، وشعرتْ بأنَّ قدميها لا تحملانِها. "شكراً لكِ، يا خالتي. لقدْ كشفتِ لي الكثيرَ."

"اعتذرُ منكِ يا ابنتي، لأنَّني أخفيتُ عنكِ، ولكنْ … كانَ خوفاً عليكِ، وخوفاً على "عامرَ"."

"أتفهمُ. ولكنْ، الآنَ، يجبُ أنْ أواجهَ "عامرَ"."

عادتْ "ليلى" إلى بيتِها، والدموعُ تنهمرُ على خديها. كانَ كلُّ شيءٍ قدْ تب

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%