الفصل 2 / 25

قلب طاهر 165

بين أروقة العلم وشذى الذكريات

بقلم فاطمة النجار

في صباح اليوم التالي، استيقظت لميس على أشعة الشمس الذهبية التي تتسلل من نافذتها، تداعب وجهها وتوقظها من سباتها. كان شذا الياسمين لا يزال يحوم حول المنزل، لكن هذه المرة، كان يحمل معه عبق ذكريات ليلة أمس. لا تزال صورة المهندس سالم، بملامحه الهادئة وعينيه الثاقبتين، محفورة في ذهنها.

توجهت نحو مكتبتها الخاصة، وهي ملاذها الذي تلجأ إليه عندما تشعر بالحيرة أو الحاجة إلى السكينة. كانت رفوفها تعج بالكتب في مختلف المجالات: الفلسفة، الأدب، التاريخ، والعلوم. جلست على مقعدها المفضل، وهي تنظر إلى كتاب قديم عنوانه "حكم الأجداد". كانت هذه الكتب تحمل خلاصة تجارب الحياة، ومنها كانت تستمد حكمتها.

لكن اليوم، لم تستطع التركيز. كانت أفكارها تتطاير بين صفحات الكتاب وبين حديثها مع سالم. ما الذي جذبها إليه؟ هل هو هدوءه، أم عمق تفكيره، أم مجرد شعور غامض بالراحة؟ لم تكن تعرف، لكنها كانت تشعر بأن هناك شيئاً مختلفاً في هذه العلاقة المحتملة.

في هذه الأثناء، وصلها اتصال على هاتفها. كان رقماً غير معروف. ترددت قليلاً قبل أن تجيب. "مرحباً؟" قالت بصوت هادئ. "لميس؟" سمعت صوتاً رجولياً مألوفاً، لكنه يحمل نبرة فيها شيء من التردد. "نعم، من المتحدث؟" "إنه سالم. هل أزعجتكِ؟" "لا، أبداً. كيف حالك؟" "أنا بخير، الحمد لله. فقط أردت أن أطمئن عليكِ، وأسألكِ إن كنتِ قد فكرتِ فيما تحدثنا عنه."

ابتسمت لميس. كان سالم صريحاً، لا يماطل. "نعم، لقد فكرت. الأمر كله جديد بالنسبة لي." "أتفهم ذلك. ولكني لا أريد أن أضغط عليكِ. أردت فقط أن أخبركِ أنني ذاهب في رحلة عمل إلى مدينة أخرى لبضعة أيام. لكنني سأعود، وسأكون سعيداً بالحديث معكِ مرة أخرى عندما تستقرين."

شعرت لميس ببعض الحزن لرحيله المفاجئ، لكنها في الوقت نفسه، وجدت في هذا الابتعاد فرصة للتفكير بعمق. "أتمنى لك رحلة موفقة، سالم." "شكراً لكِ لميس. وسأكون على تواصل."

بعد أن أنهت المكالمة، عادت لميس إلى تفكيرها. كانت تعلم أن جدها، الشيخ عبد الرحمن، كان يود تزويجها من ابن عمه، الذي كان يتمتع بسيرة جيدة، لكنه كان يفتقر إلى الشغف الذي تبحث عنه. سالم، على النقيض، كان يبدو شخصاً يحمل طموحاً، ورؤية، وشغفاً للحياة.

تذكرت حديث جدها معها في الأمس، حين قال: "يا بنيتي، الزواج ليس مجرد عقد، بل هو شراكة حياة. ابحثي عن الرجل الذي تشعرين معه بالراحة، والذي تشاركينه القيم والمبادئ."

كانت لميس، رغم علمها الواسع، لا تزال في مرحلة البحث عن هذه الشراكة. لم تكن مجرد فتاة تبحث عن زوج، بل كانت تبحث عن رفيق روح، عن شريك حياة يعينها على تحقيق ذاتها، ويدعمها في مسيرتها.

فكرت في والدتها، السيدة عائشة. كيف كانت دائماً تقول لها: "الزوج الصالح هو ظل الزوجة، وهو من يسندها في أوقات الشدة، ويفرح معها في أوقات الرخاء."

كان سالم يبدو كظل واعد. كان يتحدث بلغة العقل والقلب معاً. كانت كلماته تنم عن نضج ورزانة، ولم تكن مجرد كلمات عابرة.

في هذه الأثناء، دخلت والدتها إلى المكتبة، تحمل صينية شاي بالنعناع. "ماذا تقرئين اليوم يا حبيبتي؟" سألت بعينين تفيضان بالحب. "لا شيء محدد، أمي. فقط أفكر." جلست والدتها بجانبها، ووضعت يدها على كتفها. "هل تفكرين في سالم؟" نظرت لميس إلى والدتها، وقالت بصراحة: "نعم يا أمي. أشعر بالارتباك. هو رجل طيب، وعاقل، لكنني لا أعرف إن كان هو الشخص المناسب لي."

ابتسمت والدتها ابتسامة حانية. "الحب لا يأتي فجأة في بعض الأحيان يا لميس. أحياناً، يأتي بالتعارف، بالوقت، وبالرؤية المشتركة. ما رأيته فيه بالأمس، أعجبني. إنه رجل يعتمد عليه، ولديه طموح."

"لكنه لا يشاركني اهتمامي بعلم الآثار، يا أمي. اهتماماتنا مختلفة." "الاختلاف ليس عيباً يا لميس. فالاختلاف يثري الحياة. هل يعني أن لا تتحدثا في أمور تهمك؟ بل يمكن أن يشجعكِ على الغوص أكثر في علمكِ، وربما يستفيد هو من رؤيتكِ للعالم."

جلست لميس تفكر في كلام والدتها. ربما كانت والدتها على حق. لم يكن من الضروري أن يكون الشريك مطابقاً تماماً. المهم هو أن يكون هناك احترام للآخر، وتقبل للاختلاف، ورغبة في بناء مستقبل مشترك.

"ولكن، هل هو حقاً متدين؟" سألت لميس. "لقد رأيت فيه علامات التقوى يا بنيتي. يتحدث عن الله، ويذكر قيمه. وهذا يكفي في البداية. الدين ينمو مع الوقت، ومع الحرص على تعلمه."

شربت لميس رشفة من الشاي، وشعرت بالسكينة تعود إليها. ربما كانت والدتها على حق. ربما كان سالم هو الفرصة التي يجب أن تمنحها.

"أمي، هل تتذكرين قصة جدي وجدتي؟" سألت لميس. "بالطبع. لقد عاشا معاً في سعادة وهناء لسنوات طويلة." "لم يكن جدي عالماً مثل جدتي، لكنه كان رجلاً حكيماً، وتقياً. كانت جدتي تسندها في أمور العلم، وكان هو يسندها في أمور الحياة. لقد بنيا حياة مشتركة."

"بالضبط يا بنيتي. هذا ما أتحدث عنه. الشراكة، والتكامل."

بعد أن غادرت والدتها، عادت لميس إلى كتابها، لكن هذه المرة، لم تكن تقرأ عن حكمة الأجداد، بل كانت تفكر في مستقبلها، وفي إمكانية بناء قصة جديدة، قصة حب حلال، تحت سقف الاحترام والتقوى. شعرت بأنها على وشك أن تخطو خطوة كبيرة، خطوة قد تغير مجرى حياتها.

في نهاية اليوم، عندما حل الظلام، وأطل القمر في السماء، نظرت لميس إلى النجوم. لم تعد تشعر بالوحدة. شعرت بأن هناك يداً تمتد إليها، يداً تحمل وعداً بالسعادة، وبالاستقرار. لم تكن تعرف ما سيأتي، لكنها كانت مستعدة لاستقباله، مستعدة لخوض غمار هذه التجربة الجديدة، على أمل أن تكون قصة حبها، مثل قصص أجدادها، قصة مباركة، مبنية على أسس راسخة من الدين والأخلاق.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%