قلب طاهر 165
بوادر التغيير وصدمات الواقع
بقلم فاطمة النجار
في صباح اليوم التالي، استيقظ خالد مبكرًا، قبل بزوغ الشمس. لم تكن صحوة تعب، بل صحوة عزم. لقد اتخذ قراره، والآن حان وقت التنفيذ. نظر حول غرفته، وكأنها المرة الأولى يراها. كل شيء كان يوحي بالإهمال، بضياع الوقت.
أول ما فعله هو إغلاق جميع حساباته المرتبطة بالاستثمار والمراهنات عبر الإنترنت. لقد كان كمن ينتزع ضمادة عن جرح قديم، ألم حاد ومفاجئ، لكنه ضروري للشفاء. كل نقرة كانت تتطلب منه جهدًا مضاعفًا، وكأن هناك يدًا خفية تحاول جذبه للوراء. لكنه قاوم. ذكّر نفسه بوجه أمل، بوجه أمه، بصور شقيقاته.
بعد ذلك، فتح جهاز حاسوبه، وبدأ يفرغ الملفات المرتبطة بهذا العالم المظلم. محاولة منه لمحو أي أثر، ولو رمزي، لتلك الفترة. كانت عملية مؤلمة، كأنها تصفية حساب مع نفسه.
"يا رب، أعني على تجاوز هذا." كان يهمس بين الحين والآخر، يتلو آيات قصيرة من القرآن الكريم.
ثم، قام بإعادة ترتيب مكتبه. كل ورقة في مكانها، كل قلم في درجته. أراد أن يخلق لنفسه بيئة منظمة، تعكس صفاء ذهنه الذي كان يسعى إليه.
بعد أن انتهى من ترتيب مكتبه، اتجه إلى هاتفه. تردد قليلًا قبل أن يضغط على اسم أمل. كان يخشى ردة فعلها، لكنه كان يعلم أن الصدق هو السبيل الوحيد.
"صباح الخير يا أمل." قال بصوت مرتعش قليلًا.
"صباح النور يا خالد. هل أنت بخير؟" سألت أمل، وكان صوتها يحمل مزيجًا من الارتياح والقلق.
"أنا بخير. ولكن يجب أن أتحدث معكِ في أمر هام جدًا."
"تفضل."
"لقد كنت... كنت أمر ببعض المشاكل. مشاكل كبيرة جدًا." بدأ خالد، وكان صوته يكاد لا يُسمع. "لقد انزلقت في طريق خاطئ. طريق الاستثمار، و... وبعض الأمور الأخرى التي لا ترضي الله."
صمت أمل كان أبلغ من أي رد. شعر خالد بأن قلبه يكاد يتوقف. هل فقدها؟ هل كان كلامه هذا بداية النهاية؟
"خالد، ما الذي تتحدث عنه؟" سألت أمل بصوت خافت، مليء بالصدمة.
"لقد كنت مدمنًا، يا أمل. مدمنًا على المال، على الإثارة الزائفة. لقد خسرت الكثير، وخاطرت بكل شيء. وخاصة... خسرت نفسي."
كانت الحقيقة مريرة، لكن خالد شعر براحة غريبة بعد أن نطق بها. كانت أول خطوة نحو التحرر.
"لكن... كيف؟ ولماذا؟" سألت أمل، وما زالت لم تستوعب كامل ما يسمعه.
"لم يكن هناك سبب واحد. ربما كانت رغبة في إثبات الذات، أو ربما هروب من ضغوط الحياة. لكنني أعلم الآن أنني كنت على خطأ. ولقد اتخذت قرارًا بالابتعاد عن كل ذلك."
"وهل... وهل أثر هذا عليكِ ماديًا؟" سألت أمل، خوفًا على مستقبلهما المشترك.
"نعم. لدي بعض الديون. ولكنني بدأت في تسديدها. ولن أسمح لها بأن تكون عائقًا."
"خالد..." نادت أمل باسمه، وكأنها تحاول فهم ابعاد ما يسمعه. "أنا... أنا مصدومة. لم أتوقع هذا أبدًا."
"أعلم. وأنا أعتذر. أعتذر لأنني لم أخبركِ من قبل. كنت خائفًا. خائفًا من أن أخسركِ."
"لا تخف." قالت أمل، وكان صوتها يتسلل إليه بعض القوة. "لا تخف. ما حدث قد حدث. المهم الآن هو أنك اتخذت قرارًا بالتغيير. وهذا ما يهم."
"ولكن كيف ستتعاملين مع هذا؟" سأل خالد بقلق.
"سأتعامل معه. لأنني أحبك، ولأنني أؤمن بأنك تستطيع التغيير. لكن يجب أن تكون صادقًا معي تمامًا. لا تخفِ شيئًا بعد الآن."
"أعدكِ." قال خالد، وشعر بدموعه تتجمع في عينيه. "أعدكِ بأن أكون صادقًا."
بعد هذه المحادثة الصعبة، شعر خالد بخفة غريبة. لقد كسر حاجز الخوف، وشارك أمل بأثقل أسراره. وكان رد فعلها، على الرغم من صدمتها، داعمًا ومليئًا بالحب.
في العمل، كان خالد يحاول التركيز، لكن فكره كان مشغولًا. لقد تذكر أمورًا أخرى كان يجب أن يتعامل معها. أمور تتعلق بتعاملاته السابقة، التي قد تترك وراءها بعض التعقيدات.
في وقت الظهيرة، جاءه زميله في العمل، ويدعى أحمد، وهو رجل طيب ومجتهد.
"خالد، هل أنت بخير؟ تبدو شارد الذهن اليوم." قال أحمد بقلق.
"أنا بخير يا أحمد. مجرد بعض الأمور الشخصية." أجاب خالد، يحاول إخفاء ما يشعر به.
"حسنًا. إذا كنت تحتاج إلى أي مساعدة، فلا تتردد." قال أحمد بصدق.
"شكرًا لك يا أحمد. أنت رجل طيب."
في هذه الأثناء، كانت أمل في مكتبتها، تحاول استيعاب كل ما سمعته. كانت تفكر في خالد، في صراعه. لقد كان صريحًا معها، وهذا هو المهم. ولكنها كانت تعلم أن رحلة التغيير لن تكون سهلة.
وفجأة، وصلها اتصال هاتفي. كان من رقم غير معروف. أجابته بتردد.
"ألو؟"
"هل أتحدث إلى الآنسة أمل؟" جاء صوت رجولي خشن.
"نعم، من أنت؟"
"اسمي سعيد. أنا... أنا كنت شريكًا لخالد في بعض أعماله."
تجمدت أمل. "شريكًا؟"
"نعم. وأنا اتصل بكِ لأن خالد... لديه بعض المستحقات المالية التي لم يسددها."
"مستحقات؟" سألت أمل، وبدأ قلبها يخفق بقوة. "ولكنه قال إنه... سيسدد ديونه."
"هو يقول ذلك. لكن هناك بعض الأمور المعقدة. وبعض الأموال التي كانت تحت تصرفه. لا أريد أن أكون مزعجًا، ولكن الأمر يتعلق به وبسمعته. وبسمعتكِ أيضًا."
"ماذا تقصد؟"
"أعني أن هناك بعض الأمور التي قد لا تكونين على علم بها. بعض الأشخاص الذين يتعامل معهم قد لا يكونون... ودودين. وأنا أريد فقط أن أساعد."
"بماذا ستساعد؟" سألت أمل، وبدأ الشك يتسلل إلى قلبها.
"فقط أريد أن أتأكد أن الأمور تسير على ما يرام. وأن خالد يعرف حجم المشاكل التي هو فيها."
"هل يمكنك أن تخبرني المزيد؟"
"ربما في وقت لاحق. ولكن لدي معلومة مهمة لكِ. هناك ملفات، مستندات، خاصة بخالد. تحتوي على تفاصيل عن كل معاملاته. إذا أردتِ التأكد، فربما تستطيعين إيجادها. قد تكون في مكان لا تتوقعينه."
"مكان لا أتوقعينه؟"
"نعم. ابحثي جيدًا. قد تكون تلك المستندات هي مفتاح فهم كل شيء."
أنهى الرجل المكالمة، تاركًا أمل في حيرة وارتباك. شريك؟ مستحقات؟ ملفات؟
هل كان خالد قد أخفى عنها شيئًا آخر؟ هل كانت "أموره" أكبر مما قال؟
شعرت بأن الأرض تدور بها. لقد وثقت به، أحبته، ووقفت بجانبه. ولكن هل كان هناك عالم آخر يعيشه خالد، عالم لا تعلم عنه شيئًا؟
نظرت إلى هاتفها، وعادت بذاكرتها إلى آخر محادثة مع خالد. "لقد كنت مدمنًا... خسرت نفسي." هل كان ذلك هو كل شيء؟
"مكان لا تتوقعينه..." ترددت في نفسها. أين يمكن أن تكون تلك الملفات؟
بدأت أفكار جديدة تتدافع في عقلها. ربما كانت رحلة التغيير هذه أعمق وأعقد مما بدت عليه. ربما كانت هناك صدمات أخرى تنتظرها، وصدمات تنتظر خالد.