الفصل 1 / 25

أنت قدري 166

همسات الشرق الغامضة

بقلم ليلى الأحمد

كان الهواء ثقيلًا، محملاً بعبق الياسمين وعطر البخور الممزوج برائحة التراب المبلل بقطرات المطر الأولى. وقفت "ليلى"، في شرفتها العالية المطلة على قصر والدها الفسيح، تتأمل سكون الليل الذي يعمّ أرجاء المكان. لم يكن السكون ينبع من الهدوء، بل من ترقبٍ خفيّ، شعورٍ يساورها بأن شيئًا ما على وشك أن يتغير. كانت ترتدي ثوبًا فضفاضًا بلون السماء الداكن، وقد انسدلت خصلات شعرها الأسود الفاحم على كتفيها، تتلاعب بها نسمة هواء خفيفة. عيناها الواسعتان، بلون العسل العميق، كانت غارقتين في تأمل نجمةٍ وحيدةٍ لمعت في الأفق، كأنها تخاطبها سرًا.

في الأسفل، كانت أضواء الفوانيس الخافتة ترسم لوحاتٍ من الظل والنور على جدران القصر الحجرية. أصوات الخدم وهم يتحدثون بخفوت، وصوت جدتها وهي تقرأ القرآن بصوتٍ رخيم، كانت كلها أصواتًا مألوفةً تبعث على الطمأنينة، لكنها لم تستطع أن تبدد قلقها المتزايد. كانت "ليلى" في السادسة والعشرين من عمرها، تملك ذكاءً حادًا، وقلبًا رقيقًا، وطموحًا صامتًا لم تفصح عنه لأحد. درست الهندسة المعمارية في الخارج، وعادت لتشارك والدها في إدارة شركته العقارية، لكنها كانت تشعر دائمًا بأن هناك فراغًا، رغبةً دفينةً في اكتشاف ما وراء هذه الحياة المنظمة والمنعمة.

فجأة، انفتحت بوابة القصر الضخمة ببطء، ودخلت سيارةٌ سوداءٌ فاخرة، أضاءت مصابيحها الأمامية الكاشفة الشارع الضيق المؤدي إلى القصر. تسارعت نبضات قلب "ليلى" دون وعي. كانت تعرف أن هذا اللقاء لم يكن عاديًا. والدها، السيد "عبد الرحمن"، رجل الأعمال المعروف، ذو الهيبة والسلطان، كان قد ألمح لها في وقتٍ سابقٍ عن زيارةٍ هامةٍ ستشكل نقطة تحولٍ في حياتها. لم تخبره "ليلى" قط بما تشعر به من فراغ، من رغبتها في إيجاد "شريك" يشاركها أحلامها، وليس مجرد زوجٍ تقليدي. هي تؤمن بالحب، بالرفقة الصادقة، بالتفاهم الروحي، ولكنها كانت تخشى أن تكون هذه مجرد أوهامٍ تراودها في عالمٍ غالبًا ما تكون فيه المصالح أسمى من المشاعر.

نزل من السيارة رجلٌ طويل القامة، يرتدي ثوبًا عربيًا أنيقًا باللون الأبيض، وعباءةً سوداء مطرزة بخيوطٍ فضيةٍ لامعة. استقبلته الحاشية بالترحيب، بينما بقيت "ليلى" في الظل، تراقب بصمت. كان الرجل يبدو مهيبًا، ذو ملامحٍ حادةٍ لكنها تحمل في طياتها شيئًا من الحكمة والهدوء. شعرها الأسود الفحمي كان قصيراً، وذقنه المرتبة زادت من وقار مظهره. حملت نظراته الفاحصة كل ما حوله، وكأنما يحاول استيعاب كل تفصيل.

عندما دخل الرجل إلى قاعة الاستقبال الرئيسية، تراجع "عبد الرحمن" قليلاً، وأشار بيده نحو زوجته السيدة "فاطمة" التي كانت تستقبله بابتسامةٍ ترحيبيةٍ لطيفة. ثم التفت نحو "ليلى" التي تقدمت بخطواتٍ مترددة، وقلبها يخفق بعنف.

"ليلى، ابنتي، تفضلي. هذا هو السيد 'مالك'، ابن صديق والدي القديم، السيد 'سليمان'." قال "عبد الرحمن" بصوتٍ اعتاد عليه الهدوء والثقة، ولكن "ليلى" شعرت فيه بنبرةٍ جديدة، نبرةٍ تحمل أهميةً ما.

رفعت "ليلى" عينيها لتلاقي نظرات "مالك". كانت نظراته حادة، عميقة، تحمل فضولاً هادئاً. شعرت بكهرباءٍ غريبة تسري في جسدها، وكأنما الزمن قد توقف للحظة. لم تكن هذه مجرد نظرةٍ عابرة، بل نظرةٌ شعرت فيها بأنها تُرى حقًا، تُرى بكل ما فيها.

"تشرفت بمعرفتك، الآنسة ليلى." قال "مالك" بصوتٍ عميقٍ ورخيم، خالٍ من التكلف. كانت نبرته تحمل دفئًا مفاجئًا، يكسر الحواجز التي توقعتها.

"الشرف لي، سيدي." أجابت "ليلى" بصوتٍ بالكاد مسموع، تشعر بحرارةٍ تتسلل إلى وجنتيها.

دعاهما "عبد الرحمن" إلى الجلوس، وبدأت المحادثة تدور حول الأعمال، ثم انتقلت إلى أحاديث اجتماعية لطيفة. كانت "ليلى" تستمع بانتباه، تحاول أن تفهم ما يدور خلف هذه الزيارة الرسمية. كانت تعرف أن والدها رجلٌ عملي، وأنه لا يرحب بالضيوف لمجرد التسامر. كانت تبحث عن أي إشارة، أي تلميح، لكن كل شيء بدا طبيعيًا، وإن كان يحمل بين طياته ثقلًا لم تفهمه بعد.

بعد تناول العشاء، ودّع "مالك" آل القصر، وترك "ليلى" غارقةً في بحرٍ من التساؤلات. ما الذي كان يخفيه هذا الرجل؟ وما الذي كان يريده والداها منها؟ نظرت مرةً أخرى إلى النجمة الوحيدة في السماء، وكأنها تسألها عن سر هذه الليلة. شعرت أن شيئًا ما قد بدأ، شيءٌ سيغير مجرى حياتها، شيءٌ قد يكون قدرها.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%