الفصل 11 / 25

أنت قدري 166

همس الأمس في جنبات الروح

بقلم ليلى الأحمد

كانت نسمة المساء تحمل معها عبق الياسمين المتسلل من حديقة منزل آل الغزالي، ممزوجة برائحة الأرض الندية بعد رشها، تتراقص على أوتار قلوب من استوطنتهم السكينة. جلست ليلى على مقعدها الخشبي المطل على واحة الألوان والعبير، تسترجع أحداث النهار ببطء، كمن يقلب صفحات كتاب قديم يعبق بذكريات عزيزة. كان لقاؤها بـ"عمر" اليوم قد ترك في نفسها أثرًا أعمق مما توقعت. لم تكن مجرد محادثة عابرة، بل كانت أشبه بنسيم عليل يداعب زهرة خجولة، يبعث فيها الحياة والحيوية.

تذكرت ابتسامته الهادئة حينما تطرق عن مهاراتها في الخط العربي، وعيناه اللتان لمعتا بتقدير حينما وصفها بأنها "فنانة بريشة السماء". لم يكن مجاملًا، فقد لمست في كلماته صدقًا عميقًا، ووجدت في صوته دفئًا لم تعهده في حديث عابر. لقد كان حديثًا ينم عن اهتمام حقيقي، وعن نفس تتوق إلى فهم روحها وتقدير شغفها.

في المقابل، كان قلب عمر يضطرب بشيء من الحيرة الممزوجة بالارتياح. لم يكن يعرف سر هذه الفتاة التي استطاعت بكلمات قليلة وصورة بهية أن تغرس نفسها في زوايا تفكيره. كانت ليلى، بنقاء حديثها، وجمال روحها الذي يتدفق من عينيها، قد فتحت بابًا في قلبه كان يعتقد أنه أُغلق إلى الأبد. لقد اعتاد على أجواء العمل الجاد، والمشاريع الضخمة، والحياة التي لا تتوقف عند محطات العاطفة. لكن لقاءه بليلى كان بمثابة استراحة محارب، وقبلة حياة لقلب كان يشعر بالظمأ.

كانت والدة عمر، السيدة فاطمة، تراقب ابنها من بعيد، تلمح في عينيه ما لم يبح به لسانه. كانت تعرف أن عمر ليس ممن يسهل اختراق قلبه، وأنه يحمل في صدره جروحًا قديمة. لذلك، كان اهتمامها بتفاصيل حياته، وسعادتها غامرة حينما رأت تلك الشرارة الجديدة في عينيه. لقد أهدته كتابًا في فنون الخط العربي، وبدت سعادته غامرة حينما وجده. كان هذا الكتاب بمثابة جسر بينهما، بداية خيوط قد تنسج مستقبلًا مشرقًا.

في صباح اليوم التالي، وبينما كانت الشمس تخترق ستائر غرفة ليلى، استيقظت على صوت أمها تناديها لتناول الإفطار. أعدت لها والدتها، الحاجة زينب، مائدة عامرة بما لذ وطاب، لكن ليلى لم تكن تجد شهية. كل ما يشغل بالها هو التفكير في اللقاء القادم، في الكلمات التي ستتبادلها، وفي الأشياء الصغيرة التي قد تكشف عن المزيد من أعماق هذا الرجل.

"ما بالك يا ابنتي؟ تبدين شاردة الذهن اليوم." قالت الحاجة زينب بلهجة حانية. ابتسمت ليلى ابتسامة خفيفة. "لا شيء يا أمي، فقط أفكر في الترتيبات الخاصة بمعرض الخط العربي." "أتمنى أن تسير الأمور على ما يرام. أنتِ بذلتِ جهدًا كبيرًا فيه." "إن شاء الله يا أمي."

لم تستطع ليلى كتمان سر سعادتها. كانت تشعر وكأنها تحمل في قلبها وردة سرية، تتفتح ألوانها مع كل نسمة هواء. تذكرت كيف أنها حينما كانت صغيرة، كانت ترسم أحلامها على أوراق بالية، وتلونها بألوان الشمع. كانت أحلامها بسيطة، تدور حول شاب وسيم، طيب القلب، يقدر فنها وعلمها. لم تكن تعلم أن هذه الأحلام قد بدأت تتشكل في الواقع، وأن القدر كان يرسم لها دربًا جديدًا.

في مكتب عمر، كان الجو يسوده الهدوء المعتاد، لكن في داخله، كانت هناك عاصفة خفية. كان يراجع بعض المستندات، لكن عينيه كانتا تتجولان بين السطور، وكأنه يبحث عن شيء غير موجود. لقد أحضر له والده، السيد أحمد، نسخة من كتاب عن تاريخ الخط العربي، مدونًا عليه بخط يده: "لعمر، هدية على أمل أن يجد فيها ما يسعد روحه." لقد أعجبه عمر كثيرًا هذا الاهتمام، وشعر بتقدير والده لاهتمامه بمشاريعه الجديدة.

تذكر عمر حديثه مع والده قبل أيام. كان السيد أحمد يطرح عليه تساؤلات حول الزواج، وحول رغبته في تكوين أسرة. كان عمر يتهرب دائمًا من هذه الأحاديث، لكن هذه المرة، شعر برغبة في البوح. "يا أبي، هل ترى أن المرأة المثالية موجودة حقًا؟" سأله عمر. ابتسم السيد أحمد. "يا بني، الكمال لله وحده. لكن الرجل الصادق، يبحث عن شريكة تكمل دربه، وتشاركه همومه، وتفرح لفرحه. المرأة الصالحة، هي كنز الدنيا. وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: 'الدنيا متاع، وخير متاع الدنيا المرأة الصالحة'." تأمل عمر هذه الكلمات، وشعر بأنها تلامس شيئًا في داخله. كانت فكرة الزواج تبدو له دائمًا عبئًا، ثقلًا يضاف إلى مسؤولياته. لكن الآن، بدأت الفكرة تكتسب لونًا جديدًا، لونًا ممزوجًا بالأمل.

مع غروب الشمس، قرر عمر أن يتصل بوالدته. "مساء الخير يا أمي." "مساء النور يا حبيبي. كيف حالك؟" "بخير والحمد لله. أتصل لأبلغك أنني سأحضر عشاء عائليًا يوم الجمعة القادم." فرحت السيدة فاطمة. "خبر سار! هل هناك سبب خاص؟" تردد عمر قليلًا. "مجرد رغبة في قضاء وقت مع العائلة. وأردت أن أشارككم شيئًا." "أنا سعيدة جدًا. سأتصل بجدتك وعماتك."

كانت الدعوة لمفاجأة، وليست مجرد عشاء عادي. لقد قرر عمر أن يخوض غمار تجربة لم يجرؤ عليها من قبل. لقد قرر أن يبوح بخطواته، وأن يطلب مباركة عائلته. شعر بشيء من القلق، لكنه كان يشعر أيضًا بشيء من التصميم. لقد وجد في ليلى شيئًا جعله يتجاوز خوفه، وشيئًا جعله يؤمن بأن المستقبل قد يحمل له سعادة لم يتخيلها.

في منزل آل الغزالي، كانت ليلى تتجهز للخروج. اختارت فستانًا بسيطًا وأنيقًا، بلون الزمرد، يعكس زرقة عينيها. أمسكت بيديها حقيبة يد صغيرة، وزينت معصمها بساعة فضية رقيقة. عندما نظرت إلى انعكاسها في المرآة، شعرت بشيء من التوتر، لكنها سرعان ما تبدد. لقد كانت مستعدة. مستعدة لمواجهة غدٍ قد يحمل لها ما لم تتوقعه.

كانت خطوة جريئة، لكنها كانت خطوة نحو الأمام. خطوة نحو بناء حياة، خطوة نحو تحقيق سعادة، وخطوة نحو أن يكون "أنت قدري".

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%