أنت قدري 166
بوحٌ يزلزل الآفاق
بقلم ليلى الأحمد
استقرّت عينُ نور على تلك الرسالة، حروفها تتراقص أمامها كأنها أشباحٌ من الماضي، كل حرفٍ منها يحمل وزناً هائلاً، ثقيلاً كصخرةٍ ألقت بظلالها على شغاف قلبها. كانت تحمل بين طياتها اعترافًا لم تتوقعه قط، اعترافًا كان من المفترض أن يبقى دفينًا، مدفونًا تحت رمال الزمن، لكنه أبى إلا أن ينبثق كالماء من قلب الصحراء. "يا نور، لو تعلمين مقدار ما أكنّه لكِ من مشاعر... لم أستطع البوح بها خوفاً من فقدان صداقتنا، لكنّ الأقدار ألعبت بنا لعبتها، وها أنا أجد نفسي أمام مفترق طرق، إما أن أفقد كل شيء، أو أن أكتشف معكِ معنى ما كان يختلج صدري." هذه كانت بداية الرسالة، كلماتٌ بدت هادئة في ظاهرها، لكنها كانت تومئ إلى عاصفةٍ وشيكة.
ارتجفت يداها وهي تمسك بالورقة، قلبها يخفق بعنفٍ كطائرٍ محبوسٍ في قفصٍ ضيق. إنها رسالةٌ من يوسف. يوسف، الرجل الذي ظلت تحسبه أخاً وصديقاً، سنداً ورفيق دربٍ في مسيرة الحياة، لم يخطر ببالها يومًا أنه يمكن أن يحمل لها مشاعر أعمق من ذلك. لقد بنى عقله صورةً نمطيةً ليوسف، صورةً نقيةً من أيّ خداعٍ أو مكر، صورةٌ لم تتزعزع حتى هذه اللحظة.
واصلت القراءة، الكلمات تتوالى، تكشف عن طبقاتٍ من الأسرار التي ظلت مختبئةً ببراعة. "كلّما رأيتكِ مع غيري، شعرتُ بشيءٍ في صدري يحترق، شعرتُ بغيرةٍ لم أعهدها في حياتي. كنتُ ألوم نفسي، وأقول إن هذا حبٌّ أخويٌّ لا أكثر، لكنّ مشاعري كانت أقوى مني، كانت تتغلغل في أعماقي كالنهر الجارف، تسحبني إلى عالمٍ لم أكن أعرف له حدودًا."
بلعت ريقها بصعوبة، شعرت بأن العالم من حولها يضيق، وأن الجدران تتقارب، تكتم أنفاسها. لم تكن تفهم تمامًا ما تقرأ، أو بالأحرى، كانت تفهمه، لكنّ عقلها يرفض استيعابه. كيف ليوسف، الرجل الذي شهدت معه أجمل لحظات الحياة، الرجل الذي كان مرآةً لصلاحها وأمانتها، أن يكنّ لها هذه المشاعر؟ ألم تكن علاقتها به خالصةً لوجه الله، مبنيةً على الاحترام والتقدير المتبادل؟
ثم جاءت الكلمات التي هزّت أركان عالمها: "أعلم أن الأمر قد يبدو مفاجئًا، وأنكِ قد تكونين مرتبطةً بشخصٍ آخر، لكنّني لا أستطيع أن أخفي هذا الأمر بعد الآن. أنتِ لستِ مجرد صديقةٍ لي، بل أنتِ كلّ شيءٍ بالنسبة لي. أرى فيكِ الزوجة المثالية، الأم الحنون، الشريكة التي أحلم بها. أنا مستعدٌّ لأن أتقدم لخطبتكِ، مهما كان الثمن، فالحياة بدأت تفقد معناها بدونك."
صرخت في أعماقها، صرخةٌ لم تسمعها أذن، بل سمعها قلبها فقط. خطبة؟ هي؟ مع يوسف؟ لم تكن هذه خططها، لم تكن هذه أحلامها. كانت ترى مستقبلها بعيدًا عن هذه الارتباطات، ترى مستقبلها في خدمة الدعوة، في بناء مجتمعٍ قويٍّ بالقيم. لكنّ يوسف، بكلماته الصادقة، وضعها أمام واقعٍ لم تتخيله.
تذكرت كلماته الأخيرة قبل مغادرته المدينة: "سأعود قريبًا، وسأجد الطريقة المناسبة لفتح قلبي لكِ." حينها، فسّرت كلماته على أنها تعبيرٌ عن شوقٍ للصداقة، أو ربما شوقٌ للحديث عن أمورٍ تخصّ العمل الخيري. لكنّ الآن، كلّ شيءٍ قد اتّضح. لقد كان يقصد شيئًا آخر تمامًا، شيئًا أكبر وأعمق.
رفعت رأسها، ونظرت إلى السماء من النافذة، كأنها تبحث عن إجابةٍ بين النجوم. كانت تشعر بالضياع، بالارتباك. هل كانت قد أساءت فهم يوسف طوال الوقت؟ هل كانت مشاعره تلوح في الأفق، ولم تلتفت إليها؟
تذكّرت حديثها مع والدتها قبل أيام، عندما سألتها عن رأيها في يوسف، وكيف قالت لها والدتها: "إنه شابٌّ تقيٌّ، وخلوقٌ، وأهلٌ للصلاح. إذا رأى الله لكِ فيه خيرًا، فلا تردّي الأمر." في ذلك الوقت، اعتبرت كلام والدتها مجرد رأيٍ عاديٍّ في شخصٍ تعرفه. الآن، بدا وكأنّ والدتها كانت ترى ما لا تراه هي.
أغلقت الرسالة ببطء، ووضعتها جانبًا. كان عليها أن تفكر. كان عليها أن تتخذ قرارًا. هذا لم يكن مجرد قرارٍ شخصيٍّ، بل كان قرارًا سيؤثر على حياة شخصين، وربما على حياة عائلتين.
في تلك اللحظة، طرق الباب برفق. توترت أعصابها، فمن عسى أن يكون في هذا الوقت المتأخر؟ "تفضّل!" نادت بصوتٍ حاول أن يكون طبيعيًا.
انفتح الباب، ودخل منه والدها، الحاجّ أحمد، بوجهه المشرق وابتسامته الدافئة. "يا ابنتي، هل أنتِ بخير؟ رأيتُ نور غرفتكِ مفتوحًا، فظننتُ أنكِ مستيقظةٌ."
حاولت نور أن تبدو هادئة. "نعم يا أبي، أنا بخير. فقط كنتُ أفكر قليلًا."
نظر إليها والداها بعينيه اللتين تفحصانها، كأنهما يقرآن ما يدور في ذهنها. "تفكيرٌ طويلٌ هذا؟" سأل بابتسامةٍ خفيفة.
"في أمورٍ كثيرة يا أبي. أمورٌ تخصّ المستقبل، وتخصّ... ما هو قادم."
جلس الحاجّ أحمد بجانبها على الأريكة. "قل لي يا نور، ما الذي يشغل بالكِ؟ قد أستطيع أن أقدم لكِ نصيحةً، ولو كانت نصيحة مجرد أبٍ."
نظرت إليه، ورأت في عينيه كلّ الحبّ والصدق. شعرت بأنها بحاجةٍ إلى البوح، بحاجةٍ إلى مشاركة هذا الثقل. لكنّها تردّدت، فهي لا تملك بعد الكلمات المناسبة لوصف ما حدث.
"يا أبي، هل تعتقد أن العلاقات بين الناس يمكن أن تتغير فجأة؟ هل يمكن لشخصٍ أن يكشف عن جانبٍ من شخصيته لم نره من قبل؟"
ابتسم الحاجّ أحمد. "الحياة مليئةٌ بالمفاجآت يا ابنتي. الناس يتطورون، ويتغيّرون، ويكشفون عن جوانبَ جديدةٍ في أنفسهم مع مرور الوقت. والمهمّ هو أن نكون صادقين مع أنفسنا، وأن نسعى دائمًا للحقيقة، وأن نلتزم بما يرضي الله."
"وماذا لو كانت الحقيقة مؤلمةً يا أبي؟" سألت بصوتٍ يكاد يكون مسموعًا.
"الحقيقة، مهما كانت، فهي دائمًا أفضل من الكذب. والألم الذي يأتي مع الحقيقة، غالبًا ما يكون أداةً للتطهير والتعلّم. المهمّ هو أن نواجه الأمور بشجاعةٍ، وأن نستعين بالله في كلّ خطواتنا."
نظرت نور إلى والدها، وشعرت ببعض الراحة. كانت كلماته كبلسمٍ لروحها المضطربة. لقد كانت على وشك دخول منعطفٍ خطيرٍ في حياتها، منعطفٌ يتطلب منها حكمةً وشجاعةً، وقبل كلّ شيءٍ، إيمانًا عميقًا بالله.
"شكرًا لك يا أبي. كلامك أثلج صدري."
"في خدمة قلبكِ يا ابنتي. والآن، إن لم يكن لديكِ ما يشغل بالكِ أكثر، فلنستعدّ للنوم. الغد يومٌ جديد، وربما يحمل معه إجاباتٍ أخرى."
وقفت نور، وقبّلت جبين والدها. "صباح الخير يا أبي."
"صباح النور يا نور. أحلامًا سعيدة."
بعد أن غادر والدها، بقيت واقفةً في مكانها، والرسالة بين يديها. كانت الكلمات الأخيرة لوالدها ترنّ في أذنيها: "الغد يومٌ جديد، وربما يحمل معه إجاباتٍ أخرى." هل كانت هذه الإجابات التي تنتظرها؟ هل ستكون قادرةً على مواجهة الحقيقة، مهما كانت مؤلمة؟
نظرت إلى الرسالة مرةً أخرى، ثم إلى صورة يوسف التي كانت معلقةً على الحائط. كان يبتسم، بعينين تلمعان بالذكاء والودّ. هل كانت هذه الابتسامة تخفي وراءها كلّ هذه المشاعر؟ هل كانت كلّ تلك السنوات مجرد تمهيدٍ لما هو قادم؟
شعرت بثقلٍ جديدٍ يتراكم على قلبها. لقد فتحت صندوق أسرار، ولم يعد بإمكانها إغلاقه. لقد بدأت المعركة الحقيقية، معركةٌ بين القلب والعقل، وبين الواقع والأحلام.
أغمضت عينيها، وأخذت نفسًا عميقًا. كان عليها أن تكون قويةً. كان عليها أن تكون مستعدةً لكلّ الاحتمالات. لقد دخلت مرحلةً جديدةً، مرحلةً لم تكن لتتخيلها أبدًا، مرحلةٌ ستشكل مستقبلها، ومستقبل من حولها.
وفجأة، تذكرت شيئًا آخر. شيئًا قاله لها يوسف ذات مرة، عندما كانت تتحدث عن صعوبة اتخاذ القرارات الهامة: "الأمور الكبيرة تتطلب قرارًا كبيرًا، ولا يتمّ إلا بالاستخارة والتضرّع إلى الله."
كانت تلك الكلمات هي المفتاح. كانت هي الطريق. كان عليها أن تستخير الله، وأن تطلب منه الهداية. فالقلب وحده لا يكفي، والعقل وحده لا يكفي، بل يجب أن يكون هناك نورٌ إلهيٌّ يرشدها في هذه الظلمات.
وضعت الرسالة في جيب ثوبها، واستعدت للنوم، وقلبها يدعو الله بصدقٍ أن يكشف لها ما فيه الخير، وأن يهديها إلى الطريق الصحيح. لقد كانت نهاية الفصل الأول من قصةٍ معقدةٍ، وفصلٌ جديدٌ على وشك أن يبدأ.