أنت قدري 166
رياح التغيير العاتية
بقلم ليلى الأحمد
كان فجر اليوم التالي مبكرًا، لكنّ نور لم تشعر به. فقد أمضت ليلتها تتأرجح بين النوم العميق والاستيقاظ المفاجئ، وقلبها يخفق بصخبٍ مع كلّ حلمٍ غامضٍ كان يراودها. لم تكن الأحلام رؤىً صريحةً، بل كانت أشبه بألغازٍ تتكشف بصعوبة، صورٌ باهتةٌ تحمل في طياتها مشاعر متناقضةً: خوفٌ أمل، ارتباكٌ وثقة.
عندما بزغت خيوط الشمس الأولى، وانتشر نورها الذهبيّ على أرجاء الغرفة، استيقظت نور تمامًا، وشعرت وكأنّها تحمل على كتفيها عبئًا ثقيلاً. الرسالة التي وجدتها في الأمس، كلمات يوسف، كانت لا تزال تدوي في أعماق روحها. لقد جلبت معها عاصفةً من المشاعر المتضاربة، زلزلت أركان عالمها الهادئ.
نزلت نور إلى المطبخ، حيث كانت والدتها تعدّ إفطارًا شهيًا، ورائحة القهوة العربية تفوح في الأرجاء. "صباح الخير يا أمي." قالت بصوتٍ فيه بحّةٌ خفيفة.
"صباح النور يا حبيبتي. تبدين شاحبةً بعض الشيء. هل نمتِ جيدًا؟" سألت الأمّ، نظرتها حانيةً وعينها تلمعان بالقلق.
"الحمد لله يا أمي. قليلاً من الأرق، لا أكثر." أجابت نور، وهي تحاول أن ترسم ابتسامةً على شفتيها.
جلست بجانب والدتها، وبدأت تتناول طعام الإفطار، لكنّ شهيتها كانت ضئيلة. كلّ ما كانت تفكر فيه هو يوسف، وماذا ستفعل الآن. كيف ستواجه الأمر؟ كيف ستتعامل مع مشاعره التي فاجأتها؟
"يا أمي، هل يمكن أن تحدث أشياءٌ غير متوقعةٍ في حياتنا؟ أشياءٌ تغيّر مسارها تمامًا؟" سألت نور، وكأنها تستدرج الحديث.
ابتسمت الأمّ. "الحياة يا ابنتي عبارةٌ عن سلسلةٍ من المفاجآت. إنها كالبحر، تارةً تكون هادئةً، وتارةً أخرى تثور أمواجها. المهمّ هو أن نكون دائمًا على استعدادٍ لمواجهة ما يأتي، وأن نثق بأن الله مدبّر الأمور."
"لكنّ بعض المفاجآت قد تكون صعبةً جدًا، أليس كذلك؟"
"نعم، بعضها قد يكون كذلك. لكنّ الله لا يكلّف نفسًا إلا وسعها. وما يأتي من عند الله، فيه خيرٌ لنا، حتى لو لم ندركه في حينه. تذكرين عندما رفضتِ عرض العمل في تلك الشركة الكبيرة؟ كنتِ حزينةً جدًا حينها، لكنّ الله عوضكِ بخيراً منه، أليس كذلك؟"
تذكرت نور ذلك الموقف، بالفعل. لقد كانت ترى في ذلك الرفض فشلاً ذريعاً، لكنّ الأيام أثبتت أن قرارها كان صائبًا، وأنّ الطريق الذي اختارته لها الله كان أفضل بكثير.
"نعم يا أمي، أتذكر. الحمد لله."
"إذًا، لا تخافي مما قد يأتي. توكّلي على الله، واستخيريه في كلّ أمرٍ. وأنا دائمًا هنا، بجانبكِ، لأسمعكِ وأساندكِ."
عانقت نور والدتها بحرارة، وشعرت بأنّ عبئًا قد خفّف قليلًا. كانت والدتها دائمًا الملجأ، والملاذ.
بعد الإفطار، صعدت نور إلى غرفتها، وأخرجت الرسالة من جيبها. قرأتها مرةً أخرى، ثم جلست على مكتبها، وفتحت دفتر ملاحظاتها. كانت بحاجةٍ إلى ترتيب أفكارها، إلى فهم ما تشعر به حقًا.
كتبت: "رسالة يوسف. مفاجأةٌ غير متوقعة. مشاعرٌ لم أكن أدرك وجودها. هل كانت علاقتنا مجرد صداقةٍ عميقة، أم أن هناك شيئًا آخر كان يختمر تحت السطح؟"
"خوفي من التغيير، وقلقي من المستقبل. هل أنا مستعدةٌ لتقبّل هذه المشاعر؟ هل أنا مستعدةٌ لإعادة تقييم كلّ ما كنتُ أعرفه عن يوسف؟"
"الحاجة إلى الاستخارة. الثقة بالله. الأخذ بنصيحة الأمّ."
"هل هو حقًا قدري؟ هل القدر يأتي في هذه الصورة؟"
كانت هذه الأسئلة تدور في رأسها كعاصفةٍ لم تهدأ. تذكرت حديث يوسف معها عن "القدر"، وعن كيف أن الأقدار تأتي أحيانًا بصورةٍ لا نتوقعها. هل كانت هذه الرسالة دليلًا على ذلك؟
نظرت إلى الساعة. كان الوقت قد تجاوز التاسعة صباحًا. كان من المفترض أن يلتقي بها يوسف بعد الظهر لمناقشة بعض الأمور المتعلقة بالعمل التطوعي. كيف ستبدو أمامه؟ هل ستخبرها بما حدث؟ هل ستظهر لها مشاعرها المتضاربة؟
قررت أن تتحدث معه. كان الصدق هو الحلّ الوحيد. كان عليها أن تواجهه، وأن تسمع منه مباشرةً. لكنّها لم تكن تعرف كيف تبدأ.
في غضون ذلك، وصلتها رسالةٌ نصيةٌ من يوسف: "أتطلع لرؤيتكِ اليوم. لديّ أمرٌ مهمٌّ أودّ التحدث فيه معكِ. أرجو أن لا تتأخري."
ارتعشت يدها وهي تقرأ الرسالة. كان الأمر المهمّ هو الذي تتوقعه. لقد كان مستعدًا للحديث، وكان يريد أن يسمع ردّها.
أجابت: "سأكون في الموعد. لديّ أيضًا أمرٌ أودّ أن أتحدث فيه معك."
كانت هذه هي البداية. كانت هذه هي الخطوة الأولى نحو مواجهة الحقيقة.
بعد فترةٍ وجيزة، رنّ هاتفها. كان المتصل هو يوسف. تردّدت للحظةٍ قبل أن تجيب.
"ألو؟" قالت بصوتٍ مهزوزٍ قليلاً.
"نور؟ كيف حالكِ؟" جاء صوته، هادئًا ومعتادًا، لكنّها شعرت بنبرةٍ مختلفةٍ فيه، ربما فيها شيءٌ من الترقب.
"أنا بخير، الحمد لله. وأنت؟"
"بخير، الحمد لله. سمعتُ أن لديكِ أمرًا تودّين التحدث فيه؟"
"نعم، لديّ. لكنّني فضّلتُ أن أسمع منك أولاً."
صمتٌ قصيرٌ ساد بينهما، صمتٌ مليءٌ بالكلمات غير المنطوقة.
"أعلم أنّكِ قد قرأتِ رسالتي." قال يوسف أخيرًا، بصوتٍ مباشرٍ وصادق. "كنتُ مترددًا جدًا في إرسالها، لكنّني شعرتُ بأنّني لا أملك خيارًا آخر. لقد وصلني خبرٌ... خبرٌ جعلني أدرك أنّني قد أفقدكِ."
تجمدت نور في مكانها. "خبرٌ؟ ما هو الخبر؟"
"طلبٌ رسميٌّ من عائلةٍ أخرى لخطبتكِ." قال يوسف، وصوته بدا متألمًا. "وصلني الخبر بطريقةٍ غير مباشرةٍ، ولم أستطع تصديقه في البداية. حينها، شعرتُ بأنّني قد خسرتُ كلّ شيءٍ. وأنّ الوقت قد فات."
كان قلب نور يدقّ بسرعةٍ جنونية. هل كان هذا هو الخبر الذي تقصده والدتها؟ هل كانت هناك عائلةٌ أخرى قد تقدّمت؟
"عائلةٌ أخرى؟" سألت بصوتٍ بالكادِ مسموع.
"نعم. عائلةٌ مرموقةٌ، وجدّتُها تعرف جدّتي. أخبرتني جدّتي بأنّهم يرغبون في التقدم لخطبتكِ رسميًا في الأيام القادمة. بالطبع، لم أعرف ما إذا كان هذا صحيحًا أم لا، لكنّ الفكرة نفسها هزّتني."
"لم أكن أعلم بذلك." قالت نور، وهي تحاول استيعاب كلّ هذه المعلومات. "لم يخبرني أحدٌ بشيءٍ."
"لهذا السبب، لم أستطع الانتظار أكثر. كان عليّ أن أخبركِ بما في قلبي، قبل أن يسبقني الآخرون. قبل أن تضيع الفرصة إلى الأبد."
"يوسف..." بدأت نور، وهي تشعر بأنّ الأمور قد خرجت عن السيطرة.
"أعلم أنّ الأمر مفاجئٌ جدًا، نور. وأعلم أنّكِ قد تكونين مرتبطةً بأشخاصٍ آخرين، أو أنّ لديكِ أحلامًا مختلفة. لكنّني أحبكِ، نور. أحبكِ حبًّا لم أعرفه من قبل. وأنا مستعدٌّ لأن أقاتل من أجلكِ، لأثبت لكِ أنّني أنا الشخص الذي يريده الله لكِ."
كانت كلماته كالصاعقة. لقد زادت من تعقيد الموقف. كانت تعتقد أنّها هي من ستكشف عن مشاعرها، لا أن تكتشف أنّ هناك شخصًا آخر قد يتقدّم لخطبتها.
"يوسف، أنا..." لم تجد الكلمات المناسبة.
"دعيني أنهي كلامي، يا نور. أريدكِ أن تفهمي. لم أكن أجرؤ على البوح بهذا الحبّ خوفًا من أن أخسر صداقتكِ، التي هي أغلى ما عندي. لكنّ هذا الخبر جعلني أدرك أنّ الصمت قد يكلفني أغلى ما أملك. أنا أطلب يدكِ، يا نور. أطلب أن تكوني زوجتي، وشريكة حياتي. أنا لا أريد أن أراكي مع أيّ شخصٍ آخر. أريد أن أراكِ بجانبي، في حلال الله."
شعرت نور بدموعٍ تتجمّع في عينيها. لقد كان الأمر أكبر من أن تتحمله. كان هذا هو الوقت المناسب، والطريقة المناسبة، لكنّها لم تكن مستعدةً.
"يوسف، أنا... أنا بحاجةٍ إلى وقتٍ للتفكير. هذا الأمر كبيرٌ جدًا."
"بالتأكيد، نور. خذي كلّ الوقت الذي تحتاجينه. لكنّني أرجو منكِ أن تفكري في كلامي. وأن تعلمي أنّ قلبي معكِ، وأنّني سأنتظر ردّكِ بصبرٍ وأمل."
"شكرًا لك يا يوسف. سأتصل بكِ لاحقًا."
"في أمان الله، يا نور."
أغلقت نور الهاتف، وشعرت بأنّها على وشك الانهيار. كلّ شيءٍ قد انقلب رأسًا على عقب. لقد كانت تعتقد أنّها تواجه مشاعر يوسف، لا أنّ هناك منافسًا جديدًا قد دخل الساحة.
كانت هناك عائلةٌ أخرى تتقدّم. كان هناك احتمالٌ بأن يتمّ خطبتها لشخصٍ آخر. لقد أصبح الأمر سباقًا ضدّ الزمن. سباقًا بين قلبها، وبين عادات المجتمع، وبين مصيرٍ مجهول.
شعرت بأنّها محاصرة. من جهةٍ، مشاعر يوسف التي فاجأتها، ومن جهةٍ أخرى، احتمال خطوبتها لشخصٍ لا تعرفه.
ماذا ستفعل؟ لمن ستكون كلمتها؟ هل ستطيع قلبها، أم ستطيع ما قد يراه الأهل مناسبًا؟
كانت تلك الأسئلة تدور في رأسها، كدوارٍ لا ينتهي. لقد دخلت في دوامةٍ معقدة، ولم تكن تعرف كيف تخرج منها. رياح التغيير كانت تعصف بها بقوة، ولم تعد تعرف أيّ طريقٍ عليها أن تسلك.