أنت قدري 166
همسات القدر في ليل الفراق
بقلم ليلى الأحمد
تسارعت أنفاس لينا وهي تنظر إلى طيف والده، ظلٌّ يرسمه ضوء المصباح الخافت على جدار الغرفة. لم يكن مجرد ظل، بل كان بوابةً استحضرت كل ما هو محظور، كل ما كان مدفونًا تحت رمال السنين. أمسكت بيدها كوب الشاي الذي برد في يدها، وارتجفت أصابعها. لم تكن تتوقع قط أن يأتي ذلك اليوم، يومٌ تتقاطع فيه خيوط الماضي مع حاضرها بطريقةٍ ستُعيد تشكيل مصيرها.
كانت ترقب بصمتٍ، وقلبها يدق بعنفٍ كطبلٍ حربيٍّ يُعلن بدء معركةٍ لا تعرف نهايتها. قال الوالد بصوته الرخيم، ذلك الصوت الذي اعتادت عليه منذ طفولتها، صوتٌ يحمل ثقل السنين وحكمة الأجداد: "لينا يا ابنتي، هناك أمرٌ ثقيلٌ على قلبي، أمرٌ كان يجب أن أخبرك به منذ زمنٍ بعيد، لكنني كنت أخشى أن تُثقل عليك الأعباء قبل الأوان."
كانت عيناه، اللتان طالما رأتهما تلمعان بالفخر والحب، تحملان في تلك اللحظة مسحةً من الحزن والقلق. همست لينا بصوتٍ بالكاد يُسمع: "خير يا أبي؟"
أخذ الوالد نفسًا عميقًا، ونظر بعيدًا نحو النافذة التي يتسلل منها نور القمر الباهت. "لقد كان هناك اتفاقٌ بيني وبين خالك، صلاح، منذ زمنٍ بعيد، قبل أن تولدي حتى." توقف لحظة، كأنه يستجمع شجاعته، أو كأنه يبحث عن الكلمات الصحيحة في متاهة الذكريات. "اتفاقٌ يتعلق بمستقبلك، مستقبل عائلتنا، ومستقبل عائلة صلاح."
تجمّدت لينا في مكانها. لم تفهم. مستقبلها؟ اتفاقٌ؟ كيف ذلك؟ كانت تعتقد أن حياتها كانت تسير على مسارٍ واضحٍ ومستقيم، مسارٌ رسمته هي بنفسها، بالتعاون مع والديها. "اتفاقٌ؟ ماذا تقصد يا أبي؟"
"لقد وعدتُ صلاح بأن تكوني زوجةً لابنه، أحمد. كان هذا قبل أن تتغير الظروف، وقبل أن تتشتت عائلتنا. لكن الوعد بقي، ووُثّق."
شعرت لينا بأن الأرض تميد بها. أحمد؟ ابن خالها؟ ذلك الشاب الذي لم تلتقِ به سوى مراتٍ قليلةٍ جدًا في المناسبات العائلية، شابٌّ كان يبدو دائمًا بعيدًا، غامضًا، مختلفًا. لم يكن هناك أي تواصل، أي إشارة، أي اهتمامٍ متبادل. كيف يمكن لوالدها أن يبرم مثل هذا الاتفاق دون أن يخبرها؟
"لكن... أبي، أنا..." حاولت أن تتكلم، لكن الكلمات تاهت في حلقها. لم تكن تعرف كيف تعبر عن صدمتها، عن اضطرابها. "لم يكن هناك أي حديثٍ عن هذا الأمر قط."
"كنتُ أنتظر الوقت المناسب يا ابنتي. كنتُ أرى أن الأمور ستتغير، وأن أحمد قد يجد طريقه إلى قلبك، أو ربما تجدين أنتِ طريقك إلى قلبه. كنتُ أرى أن هذا الزواج سيُصلح ما فسد بين العائلتين، وسيُعيد لنا وحدتنا." قال الوالد، وكان صوته يرتعش قليلًا. "لكن الأيام مرت، والأمور تعقدت. صلاح، قبل أن يتوفاه الله، أصرَّ على تذكيري بهذا الوعد. وحينما علمتُ بأمر خطبتك من المهندس فؤاد، شعرتُ بأنني في موقفٍ لا يُحسد عليه. كنتُ أخشى أن أُخالف وعدًا قديمًا، وأُخالف كذلك رغبتك."
اختلطت مشاعر لينا. الغضب، الحزن، الخوف، وحتى نوعٌ من الشفقة على والدها الذي بدا وكأنه عالقٌ بين مطرقة الواجب وسندان رغباتها. لقد كان وعدًا، اتفاقًا، والوعد في قاموس والديها كان مقدسًا. ولكن خطبتها من فؤاد... كانت تجربةً تعلّمت منها الكثير، تجربةٌ جعلتها تُدرك معنى الحب الحقيقي، معنى التفاهم والانسجام، معنى الشراكة المبنية على الاحترام المتبادل، لا على اتفاقاتٍ قديمة.
"وأحمد؟ هل يعلم بهذا؟" سألت لينا، ونبرة صوتها تحمل شيئًا من التحدي.
"نعم، يعلم. وهو، ولأسبابٍ لا أعلمها جيدًا، وافق على هذا الزواج. بدا الأمر وكأنه رغبةٌ منه أيضًا. لقد تحدث إليَّ أكثر من مرةٍ، وأصرَّ على إتمام هذا الأمر."
صدمةٌ أخرى. أحمد، الشاب الذي لا تعرفه، وافق على الزواج منها؟ هل كان مجرد واجبٍ بالنسبة له أيضًا؟ أم أن هناك شيئًا آخر؟ شعرت بأنها في دوامةٍ من الأسرار والاتفاقات التي لم تكن جزءًا منها أبدًا.
"لكن يا أبي، أنا أحب المهندس فؤاد. خطوبتي منه كانت قرارًا نابعًا من قلبي." قالت لينا، ودموعها بدأت تتساقط على خديها. "لقد أدركتُ معه معنى الحياة، معنى السعادة. لا يمكنني أن أتخلى عنه. لا يمكنني أن أُخالف قلبي."
نظر إليها الوالد بعينين دامعتين. "أعلم يا ابنتي. وأنا أرى سعادتك معه. لكن هذا الوعد... ثقيلٌ جدًا. وخالِك، والد أحمد، كان رجلاً كريمًا، وكان لوعده قيمةٌ كبيرة. وفوق كل ذلك، هناك سمعة العائلة. كيف لنا أن نُظهر للعالم بأننا نُخالف وعدًا قديمًا؟"
شعرت لينا بأن العالم يضيق بها. وعدٌ قديم، سمعةٌ، واجب، وحبٌّ حقيقي. كيف يمكن لها أن تُوفّق بين كل هذه المتناقضات؟ هل كان عليها أن تُضحي بسعادتها من أجل وعدٍ لم تكن تعلم به؟ هل كان عليها أن تتخلى عن حبها من أجل ما يُطلق عليه "الواجب"؟
"أبي، أرجوك. تحدث إلى أحمد. تحدث إليه بصدق. وقل له إن قلبي ليس معه. إن سعادتي مع فؤاد. ربما يتفهم. ربما يجد هو أيضًا طريقه إلى السعادة بعيدًا عن هذا الاتفاق."
"الأمر ليس بهذه البساطة يا لينا. أحمد لديه أسبابه، وأنا لا أستطيع التدخل في أمور عائلته. كما أن خالك، قبل وفاته، وضع كل ثقته فيّ. لا أستطيع أن أخلف بوعده. وإلا، فإنني أُصبح رجلاً لا يُؤتمن على كلمة."
تنهدت لينا بعمق. نظرت إلى والدها، الرجل الذي أحبته دائمًا، الرجل الذي وثقت به. شعرت بخيبة أملٍ عميقة. لم تكن تتوقع منه أن يكون بهذه القسوة، بهذه الصلابة في التمسك بوعدٍ قديمٍ على حساب سعادة ابنته.
"إذاً، هل تعني يا أبي أنني يجب أن أُضحي بكل شيء؟ أن أتخلى عن فؤاد، عن حبي، من أجل وعدٍ لم أكن جزءًا منه؟"
"لا أقول ذلك يا ابنتي، ولكن..."
"ولكن ماذا؟" قاطعت لينا، ونبرة صوتها ارتفعت قليلاً. "هل أنت مستعدٌ لأن ترى ابنتك تعيش حياةً بلا سعادة؟ حياةً مُجبرة؟"
تنهد الوالد بمرارة. "يا لينا، الله سبحانه وتعالى ابتلى عباده بالامتحانات. وهذا امتحانٌ لنا جميعًا. ربما يكون في هذا الزواج خيرٌ لنا، خيرٌ لكِ، وخيرٌ لعائلتنا. ربما يكون أحمد هو القدر الذي كتبه الله لك."
"القدر؟" كررت لينا الكلمة، وشعرت بمرارةٍ لاذعة. لم تكن ترى في هذا سوى قسوةٍ وجبروت. "إذا كان هذا هو القدر، فأنا لا أريده. أنا أريد الحب، السعادة، والاختيار."
أغلقت لينا عينيها، وحاولت أن تستجمع قواها. شعرت بأنها في مفترق طرقٍ خطير، طريقٌ يمتد إلى المجهول، طريقٌ مليءٌ بالالتزامات والأحزان. كان لزامًا عليها أن تتخذ قرارًا، قرارًا سيُحدد مسار حياتها بأكملها. هل ستُقاوم؟ هل ستُسلّم؟ هل ستبحث عن مخرجٍ آخر؟
في تلك اللحظة، سمعت صوتًا خافتًا ينادي اسمها من الخارج. صوتٌ مألوفٌ، صوتٌ جعل قلبها ينتفض. كان فؤاد.
"لينا! لينا، هل أنتِ هنا؟"
نظر الوالد إلى لينا، ثم نظر إلى الباب. "لقد جاء فؤاد. ماذا سنقول له؟"
شعرت لينا بأن هذه اللحظة هي نقطة اللاعودة. هل ستُخبر فؤاد بكل شيء؟ هل ستُشارك معه هذا العبء الثقيل؟ أم ستحاول أن تحميه من هذا الصراع؟
"سأذهب إليه يا أبي." قالت لينا، وصوتها حازمٌ أكثر مما توقعت. "وسأقول له كل شيء. لا يمكنني أن أخفيه عنه."
نظرت إلى والدها نظرةً أخيرة، نظرةٌ حملت الكثير من الأسئلة، والكثير من الآلام. ثم غادرت الغرفة، متجهةً نحو فؤاد، نحو مستقبلٍ لم تعد تعرف كيف سيبدو، لكنها أدركت أنها لم تعد تستطيع مواجهته بمفردها.