أنت قدري 166
لمسة القدر
بقلم ليلى الأحمد
في صباح اليوم التالي، استيقظت "ليلى" على أشعة الشمس الذهبية التي تسللت عبر ستائر غرفة نومها، حاملةً معها دفءً لم تشعر به من قبل. كان قلبها لا يزال ينبض بإيقاعٍ مختلف، إيقاعٍ استيقظ مع لقاء الأمس. لم تستطع أن تتجاهل التأثير الذي تركه "مالك" عليها، ذلك الرجل الغامض الذي ظهر فجأةً في حياتها. لم يكن جماله الظاهري هو ما أثر فيها، بل ذلك الهدوء الذي يلفه، تلك النظرات العميقة التي بدت وكأنها تخترق الروح، والصوت العميق الذي كان يحمل في طياته وعدًا بحديثٍ أعمق.
ارتدت "ليلى" ثوبًا خفيفًا بلون اللافندر، وذهبت إلى جناح والدتها في القصر. كانت السيدة "فاطمة" تحرص دائمًا على بدء يومها بقراءة بعض الأذكار، ثم تتناول إفطارها برفقة ابنتها.
"صباح الخير يا أمي." قالت "ليلى" وهي تقبل يد والدتها. "صباح النور يا حبيبتي. تبدين مستيقظةً مبكرًا اليوم." ردت السيدة "فاطمة" بابتسامةٍ حانية، كانت عيناها تحملان دفء الأمومة وحكمة السنين. "لا أعرف لماذا، لكنني لم أستطع النوم بعمق الليلة. وكأن شيئًا ما كان يشغل بالي." أجابت "ليلى" بصدق. "أعلم. والدك تحدث معي عن زيارة السيد 'مالك'. إنه رجلٌ طيب، وابن رجلٍ صالح." قالت السيدة "فاطمة" بنبرةٍ فيها شيءٌ من الرضا.
شعرت "ليلى" بالحيرة. كانت تتوقع أن يذكر والدها شيئًا عن سبب الزيارة، لكنها لم تفعل. "وهل سبب الزيارة هو مجرد زيارة عمل؟" سألت "ليلى" بفضول. نظرت إليها والدتها بترددٍ لبرهة، ثم قالت: "يا بنيتي، والدك يريد لكِ الخير والسعادة. السيد 'مالك' قد أتى لطلب يدكِ."
تسمرت "ليلى" في مكانها. كلمة "يدِكِ" رنت في أذنيها كصاعقة. لم تتوقع هذا أبدًا، لم تتوقع أن يحدث الأمر بهذه السرعة، وبهذه الرسمية. كانت تعلم أن والدها يهتم كثيرًا بسمعة العائلة، وأن أي زواجٍ سيحدث يجب أن يكون مباركًا ومناسبًا. لكن لم تكن مستعدةً لمثل هذا العرض.
"طلب يدي؟" كررت "ليلى" بصوتٍ مصدوم. "نعم يا حبيبتي. والدك يعرف السيد 'سليمان' منذ زمنٍ طويل، وقد كانا صديقين حميمين. والآن، يريدان ربط العائلتين. السيد 'مالك' رجلٌ صالح، ذو خلقٍ ودين. ووصفه والدك بأنه ذو عقلٍ راجحٍ وقلبٍ طيب." قالت السيدة "فاطمة" وهي تنظر في عيني ابنتها، محاولةً قراءة ما يدور في خاطرها.
جلست "ليلى" على مقعدٍ قريب، تحاول استيعاب ما سمعت. "مالك". ذلك الرجل الذي قابلته بالأمس، والذي تركت نظراته أثرًا عميقًا في نفسها، هو من تقدم لخطبتها. لم يكن الأمر غريبًا فقط، بل كان يتجاوز كل توقعاتها. لم تكن ترى في نفسها مستعدةً للزواج بعد، كانت لا تزال تبحث عن طريقها الخاص، عن معنى أعمق للحياة.
"لكنني... لم أعرفه جيدًا يا أمي." قالت "ليلى" بصوتٍ متقطع. "المعرفة تأتي مع الوقت يا ابنتي. أحيانًا، يرسل الله لنا من يكمل حياتنا دون أن ندرك ذلك. والدكِ وافق مبدئيًا، لكن القرار لكِ. هو يريد أن تكوني سعيدةً ومرتاحةً. لكنه رأى فيه ما يسرّه، ووالده أيضًا. وهما يريدان أن يروا ما إذا كانت هناك فرصةٌ لكما."
نظرت "ليلى" إلى النافذة، تتأمل حديقة القصر الغناء. كانت تعلم أن والدها لن يضغط عليها، لكنها تعلم أيضًا أنه يثق برأيه. "مالك". كانت تتذكر تلك النظرات. هل كان فيها اهتمامٌ حقيقي؟ أم كان مجرد واجبٍ اجتماعي؟
"هل تحدثتِ معه؟" سألت "ليلى". "لا، يا بنيتي. لم يكن ذلك مناسبًا. الحديث سيكون بين الرجال أولاً. ثم، إذا وافقتِ أنتِ، يمكن ترتيب لقاءٍ بينكما تحت إشرافٍ مناسب، لكي تتعرفا على بعضكما البعض أكثر."
شعرت "ليلى" بأنها على حافة قرارٍ مصيري. لم يكن الأمر يتعلق فقط بزواجٍ تقليدي، بل كان يتعلق ببناء حياةٍ جديدة، بشراكةٍ حقيقية. نظرت إلى والدتها، التي كانت تنتظر ردها بصبر.
"أنا... أحتاج بعض الوقت لأفكر يا أمي." قالت "ليلى" أخيرًا. "خذي وقتكِ كله يا حبيبتي. الأمر ليس سهلًا. لكنني واثقةٌ أن قلبكِ الطيب سيختار ما هو خيرٌ لكِ." قالت السيدة "فاطمة" وهي تضم ابنتها بحنان.
في تلك الليلة، لم تستطع "ليلى" النوم مجددًا. كانت تتذكر ملامح "مالك"، صوته، هدوئه. كانت تشعر بخوفٍ ممزوجٍ بفضول. هل يمكن لهذا الرجل أن يكون حقًا "قدَرها"؟ هل يمكن أن تجد معه السعادة التي تبحث عنها؟ كانت تعلم أن هذه مجرد بداية، بداية طريقٍ طويل، مليءٍ بالمجهول. وربما، في هذا المجهول، يكمن سر حياتها.