أنت قدري 166
لقاءٌ في عتمة الأسرار
بقلم ليلى الأحمد
فتحت لينا باب الغرفة ببطء، وقد تجمعت حولها الظلال، وكأنها تستقبلها في عالمٍ جديد. وقفت أمام فؤاد، الذي كانت عيناه تفيضان بالقلق والترقب. رأى في وجهها اضطرابًا لم يعهده من قبل، شيئًا جعل قلبه يرتجف.
"لينا! ما بكِ؟ لماذا تبدين هكذا؟" اقترب منها بخطواتٍ متسارعة، ومد يده ليلمس وجهها، لكنه توقف في منتصف الطريق، كأنه يشعر بأن هناك حاجزًا غير مرئيٍّ يفصل بينهما.
نظرت لينا إلى والدها الواقف خلفها، ثم عادت لتنظر إلى فؤاد. كانت تشعر بثقل العالم كله على كتفيها. كيف تبدأ؟ كيف تشرح له ما اكتشفته للتو، ما يُهدد بتدمير كل ما بنياه معًا؟
"فؤاد، نحتاج أن نتحدث. تحدثًا جادًا." قالت لينا بصوتٍ منخفض، لكنه كان يحمل حزمًا أذهل فؤاد.
"بالتأكيد يا حبيبتي. أنا أسمعك. هل حدث شيء؟ هل أنتِ بخير؟"
ترددت لينا للحظة. شعرت بأن الكلمات تخرج من فمها بصعوبة، وكأنها تتصارع مع جدارٍ صلبٍ من الأسرار. "لقد اكتشفتُ شيئًا اليوم. شيئًا يتعلق بعائلتي، وبمستقبلي. شيئًا كان مدفونًا منذ زمنٍ طويل."
أخذت نفسًا عميقًا، وحاولت أن تُسيطر على تضارب مشاعرها. "والدي... لقد كشف لي اليوم عن اتفاقٍ قديمٍ بينه وبين خالِ والدي، خالِك صلاح -رحمه الله-."
ارتسمت الدهشة على وجه فؤاد. "اتفاق؟ ما هو هذا الاتفاق؟"
"اتفاقٌ يتعلق بي. وعدٌ قطعه والدي لخالِك بأن تكوني زوجةً لابنه، أحمد."
صمت فؤاد للحظة، كأنه يعالج هذه المعلومة الصادمة. أحمد؟ نعم، كان يعرفه. كان زميلًا قديمًا له في الجامعة، لكن لم يكن هناك أي تواصلٍ أو معرفةٍ عميقة. "أحمد؟ هل تقصد أحمد ابن عمي؟"
"نعم، أحمد." أكدت لينا، وبدأت عيناها تدمعان. "وقد قال والدي إن أحمد يعلم بهذا الاتفاق، وإنه موافقٌ عليه. بل إنه أصرَّ على إتمامه."
بدأت نظرات فؤاد تتغير. كان يرى في عيني لينا الألم، الحزن، والحيرة. لم يكن الأمر مجرد خبرٍ عابر، بل كان تهديدًا مباشرًا لحياتهما معًا. "لكن... كيف؟ كيف يمكن لوالدك أن يفعل ذلك؟ وهل أحمد... هل هو متمسكٌ بهذا الأمر؟"
"هذا ما صدمَني يا فؤاد. يبدو أن والدي يحاول أن يُرضي وعدًا قديمًا، وأن خالك قبل وفاته كان مُصرًا على ذلك. والدي يشعر بثقلٍ كبيرٍ تجاه هذه المسألة. إنه يرى أن هذا الزواج سيُصلح ما فسد بين العائلتين، وسيحافظ على سمعته."
"سمعة؟ أي سمعةٍ هذه التي تُبنى على تدمير حياة شخصين؟" سأل فؤاد بغضبٍ مكتوم، ولم يستطع إخفاء انزعاجِه. "ولماذا لم يُخبركِ أحدٌ بهذا من قبل؟"
"والدي يقول إنه كان ينتظر الوقت المناسب، وأنه كان يأمل أن تحدث أمورٌ تُغيّر هذا الاتفاق." انتحبت لينا بصوتٍ خافت. "لكن خطوبتي منك... جعلته في موقفٍ لا يُحسد عليه. لقد كان مترددًا في البداية، لكنه في النهاية، وبسبب هذا الوعد، أراد أن يُخبرني."
"وهل أنتِ... هل أنتِ مُجبَرةٌ على هذا؟" سأل فؤاد، وكان صوته مليئًا بالرجاء والخوف.
"لا أعرف يا فؤاد. والدي يرى أنه واجبٌ، ووعدٌ لا يمكن كسره. ولكني... لا أستطيع. لا أستطيع أن أتخلى عنك. لا أستطيع أن أتخلى عن حبنا." انهارت لينا وبدأت تبكي بحرقة.
اقترب فؤاد منها، وضمها إلى صدره بحنانٍ شديد. شعرت لينا بالأمان في أحضانه، لكن الألم لم يختفِ. "اهدئي يا حبيبتي. اهدئي. أنا معكِ. لن أترككِ تتألمين وحدكِ."
"لكنه يقول إن أحمد يريد هذا الزواج. وأن والدي لا يستطيع مخالفة وعده. ماذا نفعل يا فؤاد؟ ماذا نفعل؟"
مسح فؤاد على شعرها بلطف. "لا تقلقي. سنواجه هذا معًا. أنا لن أسمح لأي شيءٍ أن يُفرّقنا. هذا الوعد، مهما كان قديمًا، لا يمكن أن يُلغي ما بيننا. أنتِ لم تكوني تعرفين بهذا، ولم تكوني طرفًا فيه. ولا يمكن لأحدٍ أن يُجبركِ على زواجٍ لا ترغبين به."
"ولكن والدي... إنه يشعر بمسؤوليةٍ كبيرة. ويرى أن أحمد لديه أسبابه. ويقول إن هذا قد يكون قدرًا كتبه الله لنا."
"لينا، القدر لا يعني الجبر. القدر يعني الاختيار. والاختيار في يدكِ. وفي يدي. لا يمكن لأحدٍ أن يفرض علينا مصيرًا لا نريده." قال فؤاد بجديةٍ تامة. "يجب أن نتحدث إلى أحمد. يجب أن نُقابل أحمد."
"تقابل أحمد؟ هل أنت متأكد؟" سألت لينا، والدهشة ترتسم على وجهها.
"نعم، متأكد. يجب أن نفهم موقفه. ربما يكون هناك سوء تفاهم. ربما يكون والدي قد فهم الأمور بطريقةٍ خاطئة. المهم الآن هو أن نواجه الحقيقة، وأن نُدافع عن حبنا."
نظر فؤاد إلى والد لينا، الذي كان يراقب المشهد بصمتٍ، وقد بدت على وجهه علامات الحزن والتردد. "يا عمي، أنا أتفهم موقفك. وأعلم أنك رجلٌ تُقدر الوعد. ولكن لينا ليست سلعةً تُباع وتُشترى. هي إنسانةٌ لها مشاعرها، ولها قلبٌ اختار. وحبنا صادقٌ، وهو مكتوبٌ في السماء قبل أن يُكتب على الورق. أرجوك، لا تجعل هذا الوعد القديم يُدمّر سعادتنا."
تنهد الوالد بعمق. "يا فؤاد، الأمر أعقد مما تتخيل. صلاح كان رجلاً ذا مبادئ، ووعده كان بمثابة دينٍ عليه. وأنا، كرجلٍ له كلمة، لا أستطيع أن أُخالف وعده. ولكني أيضًا أرى سعادة ابنتي. وهذا ما يُعذّبني."
"إذاً، دعنا نُحاول أن نجد حلاً. دعنا نتحدث إلى أحمد. ربما يمكننا أن نتفق على شيءٍ يُرضي الجميع." قال فؤاد، وبدا في صوته تصميمٌ وإصرار. "أنا على استعدادٍ لفعل أي شيءٍ، لأجل لينا. ولأجل مستقبلنا."
نظرت لينا إلى فؤاد، وقلبها يمتلئ بالأمل. لقد وجدَتْ في هذا الرجل سندًا حقيقيًا، شريكًا يُقاتل من أجلها. شعرت بأنها ليست وحدها في هذه المعركة.
"إذاً، سنُقابل أحمد." أكدت لينا، وشعرت بقوةٍ تتسلل إلى روحها. "وسأقول له كل شيء. وسأقول له إنني أحب فؤاد."
"ونحن سنتحدث إليه معًا." أضاف فؤاد، وضغط على يدها بلطف. "معًا، نستطيع أن نفعل أي شيء."
في تلك اللحظة، وفي خضم العاصفة التي كانت تلوح في الأفق، لمعت شعلةٌ من الأمل في قلب لينا. لقد كانت هذه بداية المعركة، لكنها لم تعد تخشى النتائج. لقد اختارت طريقها، واختارت رجلها.