الفصل 3 / 25

أنت قدري 166

نافذة على روح

بقلم ليلى الأحمد

بعد ثلاثة أيامٍ من حديثها مع والدتها، تلقت "ليلى" اتصالاً هاتفيًا. كان المتصل هو والدها، السيد "عبد الرحمن"، لكن نبرته كانت مختلفةً هذه المرة، تحمل شيئًا من الجدية والاهتمام.

"ليلى، عزيزتي. السيد 'مالك' يرغب في زيارتكِ غدًا. يريد أن يتحدث معكِ مباشرةً." قال والدها، وكان صوته يخلو من أي ضغط، لكنه كان يحمل ثقلًا لا تخطئه الأذن. "غدًا؟" أجابت "ليلى" بتفاجؤٍ بسيط. "نعم. وقد وافقتُ أنا ووالدتكِ. إنه وقتٌ مناسبٌ لكي تتعارفا بشكلٍ أفضل. تذكري، يا ابنتي، لا يوجد إجبار. أريد أن أعرف رأيكِ بعد اللقاء."

أنهى والدها المكالمة، تاركًا "ليلى" في حالةٍ من التفكير العميق. كان لقاءً غير متوقع، ولكنه بدا حتميًا. بدأت تستعد ذهنيًا لهذا اللقاء، تفكر فيما ستقوله، وكيف ستتصرف. لم ترغب في إعطاء انطباعٍ خاطئ، ولم تكن تريد أن تظهر بمظهرٍ متعجرفٍ أو غير مبالٍ.

في عصر اليوم التالي، بدأت الأجواء في القصر تتغير. كان هناك استعدادٌ خاص، وزينت بعض أجزاء الحديقة بأزهارٍ عطرة. كان "مالك" قادمًا مرةً أخرى، ولكن هذه المرة، لم يكن لقاءً عابرًا.

عندما وصل "مالك"، استقبله والد "ليلى" بحرارةٍ أكبر هذه المرة. ثم، وبعد دقائق قليلة، تقدمت "ليلى" نحوهم، برفقة والدتها. كانت ترتدي فستانًا أبيض بسيطًا، لكنه كان يكشف عن أناقتها الطبيعية. شعرها كان مسدولاً على كتفيها، وعيناها تحملان ذلك القدر من الترقب الذي اكتنفهما منذ الأمس.

"آنسة ليلى، مساء الخير." قال "مالك" بابتسامةٍ لطيفة، كانت نظراته تحمل تقديرًا واحترامًا. "مساء النور، سيدي." أجابت "ليلى" بصوتٍ هادئ، حاولت فيه أن تبدو واثقةً.

أشار والد "ليلى" إلى جلسةٍ قريبة في الحديقة، حيث كانت هناك أرائك مريحة محاطةً بالأشجار المثمرة. ودعاهما للجلوس، ثم انصرف هو ووالدة "ليلى" قليلًا، تاركين الشاب والفتاة ليتحدثا.

جلست "ليلى" على الأريكة، وشعرت بنظرات "مالك" وهي تستقر عليها. لم تكن نظراتٍ فضوليةٍ أو متطفلة، بل كانت تحمل عمقًا، وكأنما يحاول أن يقرأ روحها.

"أشكركِ على منحتي هذه الفرصة، الآنسة ليلى." بدأ "مالك" الحديث. "أعلم أن هذا اللقاء قد يكون غير تقليدي، لكنني أردت أن أتحدث معكِ بصراحة." "على الرحب والسعة، سيدي." أجابت "ليلى"، تشعر بارتياحٍ غريبٍ لنبرته الصادقة.

"لقد سمعت الكثير عنكِ من والدي، ومن والدكِ أيضًا. يبدو أنكِ فتاةٌ ذكيةٌ، مستقلة، ولها رؤيتها الخاصة للحياة. وهذا ما شدني إليكِ." قال "مالك" وهو يحدق في عينيها.

شعرت "ليلى" بأن قلبها يرتفع. لم يتحدث عنها كجمادٍ أو كهدفٍ يسعى لتحقيقه، بل كشخصٍ له كيانٌ ورؤية. "أنا أؤمن بأن الزواج هو شراكةٌ، شراكةٌ تقوم على الاحترام المتبادل، والفهم، والأهداف المشتركة. ولا يمكن لهذه الشراكة أن تنجح إلا إذا كان الطرفان يعرفان بعضهما البعض جيدًا." قال "مالك"، وأصابعه تتلاعب بحافة كوبٍ من الشاي أمامه.

"بالفعل، هذا ما أؤمن به أيضًا." قالت "ليلى" متفقةً معه، وتشعر بأن الحواجز التي كانت تتوقعها قد بدأت تتلاشى. "والدي، رحمه الله، كان دائمًا يقول لي: 'ابحث عن امرأةٍ تستطيع أن تتحدث معها عن أفكارك، وتشعر معها بالأمان، وتجد فيها رفيقة دربٍ حقيقية'. وأعتقد أنني قد وجدت هذه الصفات فيكِ."

كان حديث "مالك" صادقًا، يخلو من أي ادعاء. كانت "ليلى" تشعر بأنها تتحدث مع شخصٍ يعكس قناعاتها. "لكنني لم أعرفك من قبل، سيدي." قالت "ليلى" بصراحة. "وهذا هو السبب في أننا هنا. لا أريد أن أفوت فرصةً قد تكون مباركةً. والدي ووالدكِ يتمنيان هذه الوحدة بين العائلتين. ولكن، في النهاية، السعادة تكمن في قلبيكما. أريد أن أعرف ما الذي تفكرين فيه، وما هي مخاوفكِ."

نظرت "ليلى" إلى حديقة القصر، تتأمل الزهور المتفتحة. "مخاوفي؟" كانت لديها الكثير. الخوف من التغيير، الخوف من عدم التوافق، الخوف من ضياع أحلامها. "أخاف من التغيير، سيدي. وأخاف من أن لا أكون على قدر التوقعات." قالت "ليلى" بصوتٍ خافت. ابتسم "مالك" ابتسامةً دافئة. "التغيير هو جزءٌ من الحياة، والجميع يخاف منه. لكننا نستطيع أن نواجه هذا التغيير معًا. أما عن التوقعات، فليس هناك شيءٌ اسمه 'قدر التوقعات'. هناك فقط ما نحن عليه، وما يمكننا أن نكونه معًا. أنا لا أبحث عن الكمال، بل عن الصدق، والود، والرفقة."

في تلك اللحظة، شعرت "ليلى" بأنها قد وجدت في "مالك" شيئًا أكثر من مجرد رجلٍ يريد الزواج. وجدته شخصًا يفهمها، شخصًا يستطيع أن يتواصل معها على مستوى أعمق.

"ما رأيكِ لو بدأنا بمحاولة التقرب أكثر؟ دعيني أتعرف عليكِ، ودعيني أريكِ من أنا حقًا. لا يوجد استعجال. يمكننا أن نلتقي مرارًا وتكرارًا، تحت إشرافٍ مناسب، حتى تتأكدي من مشاعركِ." قال "مالك"، وكان يقدم لها عرضًا منطقيًا، يحترم رغباتها.

نظرت "ليلى" إليه، وشعرت بشعورٍ غريبٍ يسيطر عليها. شعورٌ بالراحة، بالأمان، وببعض الأمل. ربما، كان هذا الرجل حقًا هو "القدر" الذي تحدثت عنه والدتها. ربما، كان هذا هو المفتاح الذي تبحث عنه.

"أعتقد... أنني أقبل، سيدي." قالت "ليلى" بابتسامةٍ خفيفة.

ارتسمت على وجه "مالك" ابتسامةٌ أوسع، تحمل في طياتها شيئًا من الرضا، وشيئًا من السعادة. "شكرًا لكِ، الآنسة ليلى. سأحرص على أن لا أخيب ثقتكِ."

عندما عاد والدها ووالدتها، نظرا إليهما بفضول. ابتسمت "ليلى" لوالدتها، ثم نظرت إلى والدها. "لقد اتفقتُ أنا والسيد 'مالك' على أن نبدأ مرحلة التعارف." قالت "ليلى" بصوتٍ واضح. ظهرت على وجه السيد "عبد الرحمن" علامات الرضا، وقالت السيدة "فاطمة": "الحمد لله."

كانت "ليلى" تعلم أن هذا مجرد بداية، وأن الطريق ما زال طويلاً. لكنها شعرت بشيءٍ من الارتياح. شعرت بأنها قد اتخذت خطوةً نحو اكتشاف معنى "القدر"، وربما، اكتشاف معنى السعادة.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%