أنت قدري 166
لغز الذاكرة
بقلم ليلى الأحمد
تواصلت لقاءات "ليلى" و"مالك"، وكان يبدو أن العلاقة بينهما تزداد قوةً مع كل يوم. كان "مالك" يظهر اهتمامًا كبيرًا بـ"ليلى"، ويسألها عن تفاصيل حياتها، عن أحلامها، وعن أفكارها. كان يستمع إليها بانتباه، ويحاول فهم ما يدور في خلدها. كانت "ليلى" تشعر بالراحة في حضوره، وبدأ الشك الذي كان يساورها يتلاشى تدريجيًا.
في أحد الأيام، بينما كانا يتناقشان حول خطط مستقبلهما، ذكر "مالك" أنه يريد أن يؤسس شركةً جديدة، بالشراكة مع مستثمرين عرب وأجانب. كان لديه خططٌ طموحة، وكان يعتقد أن "ليلى" يمكن أن تكون جزءًا مهمًا من هذا المشروع، خاصةً وأنها كانت تتمتع بخبرةٍ في مجال الهندسة المعمارية.
"أعلم أن لديكِ ذوقًا رفيعًا ورؤيةً واضحة، يا ليلى. أرى أنكِ تستطيعين أن تساهمي كثيرًا في تصميماتنا وتطوير مشاريعنا." قال "مالك" بحماس، وعيناه تلمعان بالأمل. "لكنني لا أزال أتعلم، يا 'مالك'. وأعتقد أنني بحاجةٍ إلى المزيد من الخبرة قبل أن أتولى مسؤوليةً كهذه." أجابت "ليلى" بتواضع. "الخبرة تأتي بالعمل، يا عزيزتي. وأنا واثقٌ من قدراتكِ. بالإضافة إلى ذلك، أعتقد أن العمل معًا سيقوي علاقتنا أكثر، وسيجعلنا نفهم بعضنا البعض بشكلٍ أفضل."
كان اقتراحه مثيرًا للاهتمام، لكن "ليلى" شعرت ببعض القلق. كانت تعلم أن بناء شركةٍ جديدة أمرٌ يتطلب الكثير من الجهد والوقت، وأنها لم تكن متأكدةً من قدرتها على الموازنة بين هذا العمل وبين حياتها الشخصية.
"ما الذي حدث لتلك الشركة التي قرأت عنها في الجريدة؟" سألت "ليلى" فجأة، مستغلةً الفرصة. نظر إليها "مالك" بترددٍ قليل. "أي شركةٍ تقصدين؟" "الشركة التي كانت مرتبطةً بعائلتك. كانت هناك بعض الأخبار عن قضايا قانونية." قالت "ليلى" وهي ترقب رد فعله.
ارتسمت على وجه "مالك" علاماتٌ خفيةٌ من الانزعاج. "آه، تقصدين تلك المشكلة القديمة. كانت مجرد سوء فهم، يا ليلى. كان هناك نزاعٌ تجاريٌ بين والدي وأحد شركائه السابقين. لكن كل شيءٍ تم حله بشكلٍ ودي." "هل أنت متأكد؟" سألت "ليلى"، وتشعر بأنها لا تزال غير مقتنعة. "بالتأكيد. والدي كان رجلًا حكيمًا، ولم يكن ليسمح بمثل هذه الأمور بأن تتفاقم." قال "مالك" بنبرةٍ حاول فيها أن يبدو واثقًا.
لكن "ليلى" شعرت بأن هناك شيئًا ما لا يزال غير واضح. كانت تتذكر أن الخبر كان يتحدث عن أكثر من مجرد نزاعٍ تجاري. كان هناك تلميحاتٌ إلى قضايا ماليةٍ معقدة، وشبهاتٍ حول تلاعب.
"أنا فقط أريد أن أتأكد من أننا نبني مستقبلنا على أساسٍ متين، يا 'مالك'." قالت "ليلى" بصوتٍ هادئ، لكنه كان يحمل نبرةً من القلق. "وأنا أؤكد لكِ، يا ليلى. كل شيءٍ على ما يرام. والدي كان رجلاً نزيهًا، وأنا أسير على خطاه. لا تدعي هذه الأمور القديمة تشغل بالكِ."
في تلك الليلة، لم تستطع "ليلى" النوم. كانت تفكر في حديثها مع "مالك"، وفي ذلك اللغز الذي ما زال يحيط بماضيه. كانت تشعر بأن هناك شيئًا ما يخفيه، شيئًا قد يؤثر على علاقتهما.
في صباح اليوم التالي، قررت "ليلى" أن تقوم ببحثٍ خاص. ذهبت إلى مكتبةٍ قديمة في وسط المدينة، وبدأت تبحث عن أخبارٍ قديمة تتعلق بعائلة "مالك" وعن الشركة التي كانت مرتبطةً بها. قضت ساعاتٍ طويلة في البحث، وتصفحت عشرات الصحف والمجلات.
وأخيرًا، وجدت ما كانت تبحث عنه. كان هناك مقالٌ مفصلٌ في إحدى الصحف الاقتصادية المرموقة، يتحدث عن تحقيقٍ كبيرٍ قامت به السلطات المالية مع شركةٍ كان يمتلكها والد "مالك". كان المقال يتحدث عن تهمٍ بالتهرب الضريبي وغسيل الأموال. كان الخبر صادمًا، ولم يكن يتوافق مع الصورة التي رسمها "مالك" عن والده.
شعرت "ليلى" بالصدمة. هل كان "مالك" يكذب عليها؟ هل كان يخفي عنها حقيقةً مظلمةً عن ماضيه؟ كانت تشعر بأن ثقتها به قد اهتزت بشدة.
في المساء، عندما التقت بـ"مالك"، كان وجهها شاحبًا، وعيناها تحملان تعابير القلق. "مالك، أريد أن أسألك سؤالًا واحدًا، وأريد منك إجابةً صادقة." قالت "ليلى" بصوتٍ متهدج. "تفضلي، يا ليلى." قال "مالك"، وشعر بأن شيئًا ما غير طبيعي. "هل كان والدك متورطًا في قضايا ماليةٍ غير قانونية؟"
نظر إليها "مالك" بصمتٍ لبرهة، ثم تنفس بعمق. "ليلى، الحياة ليست دائمًا سهلة. كانت هناك بعض التحديات، بعض الأخطاء. والدي... كان لديه بعض الاندفاعات. لكنه لم يكن رجلاً سيئًا." "لكن الصحف تقول شيئًا آخر. تقول إنها كانت قضايا غسيل أموال وتهرب ضريبي. هل هذا صحيح؟" سألت "ليلى"، وتشعر بالدموع تتجمع في عينيها.
تنهد "مالك" بحزن. "لقد حاولت حمايتكِ من هذه الأمور، يا ليلى. لم أرد أن أزعجكِ. كانت تلك فترةٌ صعبةً على العائلة، وتأثرنا بها كثيرًا. والدي... لقد اضطررت لإصلاح الكثير من الأمور بعد وفاته."
كان اعترافه قاسيًا، لكنه كان صادقًا. شعرت "ليلى" بأن عالمها قد اهتز. كانت ترى في "مالك" مستقبلها، لكنها الآن شعرت بأن هذا المستقبل قد يكون مليئًا بالظلال. هل كانت قادرةً على بناء حياةٍ مع رجلٍ لديه مثل هذا الماضي؟ هل كان حبها له كافيًا لتجاوز هذه الحقيقة؟ كانت تعلم أن هذا هو الاختبار الحقيقي لعلاقتهما، اختبارٌ سيحدد ما إذا كان "مالك" حقًا هو "قدرها".