الفصل 6 / 25

أنت قدري 166

أغلال الشوق

بقلم ليلى الأحمد

كانت صدى خطواتها الأخيرة في الممر تتردد في أرجاء قلب أحمد كقذائف لم تنطفئ. كل ذرة فيه كانت تتوق إلى عودة تلك الروح الطاهرة التي ما إن غادرت، حتى انطفأ بريق الحياة من حوله. جلس على أريكة غرفة الجلوس، عيناه زائغتان تحدقان في الفراغ، لكنه لم يكن يرى شيئاً سوى وجهها المنير، ابتسامتها التي كانت تشع بالأمل، وصوتها الذي كان أشبه بتراتيل السكينة.

"ليلى"، همس اسمها، وكأنها ستحضر من محض النداء. لم يكن الأمر يتعلق بشغف عابر، ولا بفتنة لاهية. كانت ليلى هي النقطة التي اجتمع فيها كل ما كان يبحث عنه في الحياة. الأمان، العفة، الرفقة الصالحة، والمستقبل الذي يحلم به. هي البوصلة التي كان عقله وقلبه يبحران باتجاهها.

ولكن، في زوايا روحه المظلمة، كانت هناك ندوب قديمة، وأشباح لم تخمد نارها بالكامل. لم يكن أحمد شخصًا ضعيفًا، بل كان رجلاً تحمل أعباءً ثقيلة منذ صغره. فقدان والده المبكر، مسؤولية إعالة أمه وأخواته، كل ذلك علمه الصلابة، لكنه أيضًا ترك في داخله فراغًا حاول سده بطرق لم تكن دائمًا في سياقها الصحيح.

تذكر تلك الليالي الطويلة، تلك الأوقات التي كان يشعر فيها بالوحدة والعزلة، عندما كان يلجأ إلى ما كان يعتبره مفرًا مؤقتًا. لم يكن إدمانًا بالمعنى السريري، لكنه كان عادة سيئة، تمثل له فسحة من التوتر، وهروبًا من ضغوط الواقع. كان يتجنب الحديث عنها، يدفنها تحت ركام مشاعره، ويعتقد أنه تجاوزها.

لكن لقاء ليلى، هذه المرأة المباركة، جعلته يدرك حجم الخطأ الذي كان يرتكبه. أظهرت له كيف يمكن للحياة أن تكون نقية، وكيف يمكن للعلاقة أن تبنى على أساس متين من الاحترام والتقوى. لقد أيقظت فيه الرغبة في أن يكون أفضل، أن يزيل كل ما قد يشوه صورته أمامها، أمام الله، أمام نفسه.

فتح هاتفه، وتصفح معرض الصور. كانت هناك صور قليلة له، أغلبها صور لعمله، أو صورة واحدة باهتة لأمه. لم يكن مهتمًا بالتقاط الصور لنفسه. لكنه وجد صورًا مبعثرة في هاتفه، صورًا لم تكن تخصه، صورًا التقطها في أوقات سابقة، في لحظات ضعف. كانت تمثل بالنسبة له نقطة سوداء في سجله، علامة على خيوط مظلمة لم يرغب قط في أن تظهر.

شعر بقبضة باردة تتسلل إلى صدره. الخوف. خوف من أن تكتشف ليلى، أو أي شخص آخر. خوف من أن يرى هو نفسه ما كان يمثله في تلك اللحظات. لقد كان يظن أنه قد تخلص من تلك العادات، أنه نضج وتغير. لكن رؤية تلك الصور، حتى لو لم يكن هو من التقطها، كانت تذكره بتلك الأيام، وتثير فيه قلقًا دفينًا.

رفع رأسه، وتوجه نحو النافذة. كانت السماء قد بدأت تتلون بألوان الغسق. لم يكن يريد أن يكون هذا مجرد فصل عابر في حياته. لم يكن يريد أن تكون ليلى مجرد حلم جميل يتبخر. كان يريدها أن تكون واقعًا، مستقبلًا.

صوت رنين هاتفه المفاجئ أخذه من شروده. كانت والدته. ابتسم بخفة، ورغم ثقل ما يشعر به، حاول أن يجعل صوته يبدو طبيعيًا. "أمي، كيف حالك؟" "الحمد لله يا بني. أردت الاطمئنان عليك. متى ستأتي لتناول العشاء؟ جدتك تريد رؤيتك." "بالتأكيد يا أمي. سأكون لديكم قريبًا. هل هناك أي شيء أحتاجه؟" "لا يا حبيبي، فقط حضورك يكفي. أنت تعلم كم نحبك."

أغلقت والدته الخط، لكن كلماتها ظلت تتردد في أذنيه. الحب. العائلة. هذه هي الأشياء التي كانت دائمًا ثابتة في حياته، حتى في أصعب الأوقات. عائلته كانت دائمًا مصدر قوته، ومنبع دعمه.

أدرك أن ما يواجهه الآن ليس مجرد معركة مع نفسه، بل هو محاولة لتطهير روحه، والتخلص من كل ما قد يعيق سعادته مع ليلى. لم يعد بإمكانه أن يعيش حياة مزدوجة. لم يعد بإمكانه أن يخفي أجزاء من ماضيه.

أخذ نفسًا عميقًا، وقرر. لم يكن الأمر سهلاً، ولم يكن سريعًا. لكنه كان ضروريًا. أغلق هاتفه، وتوجه نحو مكتبه. فتح درجًا قديمًا، كان قد أغلقه منذ زمن بعيد. بداخله، كانت هناك أشياء لم يرغب في رؤيتها. علب، وبعض الأشياء الشخصية التي كان يفضل نسيانها.

مد يده، وبدأ يجمع كل ما كان يمثل له تلك الأيام. لم يكن يرميها بدافع اليأس، بل بدافع التحرر. كانت هذه هي الخطوة الأولى، الخطوة الأصعب. أن يواجه نفسه، وأن يقرر التغيير.

كانت ليلى هي الشرارة، وهي الدافع، وهي الأمل. لكن المسؤولية كانت تقع على عاتقه وحده. مسؤولية أن يصبح الرجل الذي تستحقه، الرجل الذي يريده الله له.

بينما كان يجمع تلك الأشياء، خطرت بباله فكرة. فكرة جعلته يشعر ببعض الراحة. لم يكن عليه أن يشارك ليلى كل شيء دفعة واحدة. لكنه كان عليه أن يتخلص من هذه الأعباء، وأن يضع أساسًا متينًا لعلاقتهما.

ثم، تذكر كلماتها تلك الليلة. "أحمد، إن الله مع الصابرين. وكل خير في السعي نحو ما يرضيه." ابتسم. كانت كلماتها كبلسم يداوي جروحه. "سأكون صابرًا يا ليلى"، همس في الفراغ. "وسأكون أفضل."

كانت أغلال الشوق إلى ليلى قوية، لكن أغلال الماضي كانت أشد. وكان عليه أن يتحرر منها، مهما كلف الأمر. ألقى ما جمعه في صندوق كبير، وقرر أن يحمله إلى مكان بعيد، مكان لن يعود إليه أبدًا.

بينما كان الباب مغلقًا خلفه، والشمس قد غابت تمامًا، شعر بخفة غريبة. لم تكن نهاية المعركة، بل كانت بدايتها. لكنه كان على استعداد. كان على استعداد لخوض هذه المعركة، من أجل نفسه، ومن أجلها، ومن أجل مستقبل أراده الله له.

هذا هو طريق التغيير، طريق لم يكن معبدًا بالورود، بل بالصعاب والتحديات. لكنه كان يؤمن بأن النهاية ستكون جميلة، كما وعدته ليلى.

نظر إلى السماء المرصعة بالنجوم، ودعا في نفسه. "اللهم إني أعوذ بك من جهد البلاء، ودرك الشقاء، وسوء القضاء، وشماتة الأعداء. اللهم اغفر لي ما تقدم وما تأخر من ذنبي، واهدني سبيلك، وارزقني طاعتك، وأصلح لي شأني كله."

كانت هذه هي بداية الرحلة. رحلة التطهير، رحلة نحو النور، رحلة نحو القدر الذي رسمه له الله. كانت أغلال الشوق إلى ليلى هي المحرك، أما أغلال الماضي فكانت العقبة. والعقبات، مهما بدت قاسية، يمكن تجاوزها بالإيمان والعزم. كانت هذه ليلته، وهذه هي معركته. وكان منتصرًا، ولو في داخله.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%