الفصل 7 / 25

أنت قدري 166

أصداء الماضي

بقلم ليلى الأحمد

كانت ساعة الحائط في مكتب أحمد تدق ببطء، وكأنها تحتسب كل لحظة من الزمن الذي يمر، وكل نفس يأخذه. لم يعد الأمر يتعلق بالليل الذي قضاه في التفكير والتخطيط. بل بدأ الأمر يتغلغل في تفاصيل حياته اليومية، يلقي بظلاله على أحلامه، وعلى مستقبل كان يرسمه مع ليلى.

صحيح أنه تخلص من بعض الأشياء، لكن لم يكن ذلك كافيًا. لم يكن مجرد إلقاء بأشياء مادية، بل كان عليه مواجهة ما كانت تمثله تلك الأشياء. لقد كانت هناك لحظات ضعف، لحظات لم يكن فيها هو نفسه، لحظات كان فيها أسيرًا لرغبات لم تكن تعكس قيمه الحقيقية.

كانت ليلى كالنور الذي أضاء زوايا روحه المظلمة، وجعلته يرى بوضوح حجم تلك الظلال. لم يكن يريد أن يخفي عنها شيئًا، ليس لأنه كان يعتقد أنها ستحكم عليه، بل لأنه كان يؤمن بأن العلاقة الحقيقية لا تبنى على الإخفاء، بل على الشفافية والتفاهم.

في أحد الأيام، بينما كان يعمل في مكتبه، وصله اتصال من صديق قديم، صديق كان يشاركه بعضًا من تلك اللحظات التي يتمنى لو استطاع نسيانها. لم يكن الأمر مجرد علاقة عابرة، بل كانت هناك بعض المشاركات التي كان أحمد يعتبرها نقطة سوداء في تاريخه. "أحمد، كيف الحال؟ لم نسمع عنك منذ فترة." "بخير يا خالد، كيف حالك أنت؟" "الحمد لله. كنت أفكر، هل لديك وقت لتناول القهوة غدًا؟ لدي بعض الأخبار." شعر أحمد ببرودة تسري في عروقه. خالد. اسم يثير فيه ذكريات لم يكن يرغب في استعادتها. "غدًا؟ ربما ليس غدًا يا خالد. لدي بعض الالتزامات." "ولماذا كل هذه الالتزامات فجأة؟ هل أصبحت رجلًا عائليًا يا أحمد؟" ضحك خالد ضحكة عالية، وكأنها تسخر من تغيره. "كلنا نتغير يا خالد. الحياة تسير، وعلينا أن نتكيف." "صحيح، صحيح. لكنني كنت أفكر، هل نسيت أيامنا؟ هل نسيت كل تلك الليالي؟"

كانت كلماته كسهام تخترق قلبه. لم يكن يريد أن يذكر هاتين الأيام، ولا حتى يفكر فيها. "لا لم أنس، لكنها أصبحت من الماضي. وأنا لا أرغب في العودة إلى الوراء." "أنا أفهم. ولكن، هل تعلم؟ هناك بعض الأشياء التي لا تختفي بسهولة. هناك بعض الأصدقاء الذين لا ينسون." شعر أحمد بأن هناك تهديدًا مبطنًا في كلامه. لم يكن يريد أن يواجه خالد، أو أي شخص آخر من هذا الماضي. "أنا مشغول يا خالد، علينا التحدث لاحقًا." "حسنًا، كما تريد. لكن تذكر، أنا دائمًا موجود إذا احتجت شيئًا. حتى لو كنت قد تغيرت." أغلق أحمد الهاتف، وشعر بثقل هائل. لم يكن يتوقع أن يواجه هذا الأمر بهذه السرعة. كان يعتقد أن تخلصه من الأشياء المادية كان كافيًا. لكن يبدو أن أصداء الماضي كانت أقوى مما ظن.

تذكر كيف كان خالد شخصًا يؤثر فيه بسهولة. كيف كان يشاركه في بعض الأمور التي كان أحمد يعرف أنها خاطئة، لكنه كان يجد صعوبة في الرفض. كان خالد يتمتع بشخصية قوية، وكان يرى في أحمد نقطة ضعف يستطيع استغلالها.

"هل نسيت أيامنا؟" ترددت كلمات خالد في أذنيه. نعم، لقد نسيها. أراد أن ينساها. لأنه أدرك أن تلك الأيام لم تجلب له إلا الشقاء والندم.

ذهب إلى نافذة مكتبه، ونظر إلى الشارع. كانت الحياة تسير بشكل طبيعي، لم يكن أحد يعلم ما يدور في داخله. هذا هو الحال دائمًا، الناس يرون ما يريدون رؤيته.

"يا رب، لطفك." همس. لقد أراد أن يقطع كل علاقاته بذلك الماضي. لكن خالد كان يمثل حلقة وصل. حلقة وصل قد تظهر في أي لحظة.

فكر في ليلى. كيف كان سيواجهها بهذا الأمر؟ هل كان عليه أن يخبرها بكل شيء؟ كان يشعر بالحرج، بالخجل. لم يكن يريد أن يراها تنظر إليه نظرة مختلفة. لكنه كان يعلم أن الصدق هو الأساس. أن يخفي عنها ماضيه، قد يكون أسوأ من كشفه. ولكن كيف؟ كيف يمكنه شرح كل شيء؟

لم يكن الأمر مجرد أفعال، بل كانت هناك مشاعر، دوافع، ضعف. كانت لحظات ضعف، عندما كان يبحث عن مفر، عن راحة مؤقتة. ولم يكن يرغب في أن تكون ليلى ضحية لضعفه.

"يجب أن أكون قويًا." قال لنفسه. "يجب أن أكون جديرًا بها." لكن كيف يمكنه أن يكون قويًا، وهو يشعر بهذا الخوف؟ خوف من أن يرى الماضي يطارد مستقبله. خوف من أن يخسر كل شيء.

بدأ يبحث في هاتفه عن صور قديمة. لم يكن يبحث عن صورته، بل صور لأشخاص كانوا يمثلون ذلك الماضي. وجد صورة لخالد. كان يبدو مبتسمًا، لكن في عينيه كانت هناك نظرة مختلفة. نظرة كان أحمد يعرفها جيدًا. نظرة تحدي.

"لماذا يا خالد؟ لماذا تفعل هذا؟" لم يكن يسأل خالد، بل كان يسأل نفسه. لماذا سمح لنفسه بالوقوع في هذا الفخ؟

شعر بالحاجة إلى الحديث مع شخص. شخص يمكنه أن يمنحه نصيحة. فكر في والده. لو كان والده موجودًا، ربما كان سيجد لديه الحل. لكنه كان يعلم أن لديه الآن من يلجأ إليه. لديه أمه. والدته، التي كانت دائمًا سندًا له، ونبعًا للحكمة.

قرر أن يزورها في أقرب وقت. ربما يمكنها أن تساعده في تجاوز هذا الأمر. لقد كانت ليلى هي الحلم، أما والدته فهي الواقع الراسخ. كلاهما كان جزءًا مهمًا من حياته.

بينما كان يفكر، دخلت سكرتيرته لتقول له أن هناك زائرًا. "من هو؟" سأل. "سيدة تدعى... أظن أنها ليلى." ارتعش جسده. ليلى. في هذا الوقت. "أدخلها من فضلك."

دخلت ليلى. كانت ترتدي حجابًا أبيض بسيطًا، وابتسامة خفيفة على وجهها. "أحمد، آسفة على الإزعاج. هل لديك وقت؟" "بالتأكيد يا ليلى. تفضلي." جلست أمامه، وشعرت بأن شيئًا ما يزعجه. "هل كل شيء على ما يرام؟ تبدو قلقًا." نظر إليها، ورأى فيها الأمل. الأمل في مستقبل أفضل. "ليلى، هناك شيء أريد أن أخبرك به. شيء ثقيل." "أنا أستمع يا أحمد."

كانت هذه هي اللحظة. لحظة المواجهة. لم يكن الأمر سهلاً. لكنه كان ضروريًا. كان عليه أن يبدأ هذه الرحلة. رحلة التطهير. و ليلى كانت الشريك الذي يحلم به. الذي سيساعده على تجاوز كل العقبات.

شعر بقوة جديدة تدب في عروقه. قوة مستمدة من وجودها. "ليلى، قبل أن نبني مستقبلنا، هناك شيء في الماضي يجب أن نتحدث عنه." كانت كلماته صادقة. خالصة. وكانت تلك هي بداية الخطوة الأهم.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%