حب أبدي 168
رياح الأمس تحمل أريج الغد
بقلم سارة العمري
كانت الشمس قد بدأت في سحب خيوطها الذهبية من على قمم النخيل الشامخ، ترسم ظلالاً طويلة متراقصة على رمال الصحراء الواسعة، حينما انطلقت "نور" بخطى سريعة، تحمل في قلبها همّاً أثقل من وطأة القيظ. كانت الرياح تلفح وجهها بلسع لطيف، تحمل معها غبار الأرض ورائحة الأعشاب البرية التي تنبت بعد قطرات المطر الشحيحة. تركت ورائها أبواب منزل أسرتها الموصدة، واضعةً ثقتها في قدرتها على إيجاد حل لما بات يشغل بالها ليلاً ونهاراً.
وصلت إلى السوق القديم، حيث تتلاقى الحكايات وتتقاطع الأقدار. كان المكان يعج بالحياة؛ تجار يعرضون بضائعهم الثمينة، نساء يتفاوضن بحنكة وكياسة، وأطفال يركضون بين الأقدام، ضحكاتهم تملأ الأجواء. كانت "نور" تتجول بين الأروقة، عيناها تبحثان عن وجه معين، وقلبها يخفق بشدة مع كل وجه مرت به. لم تكن تبحث عن بضاعة أو سلعة، بل كانت تبحث عن بصيص أمل، عن كلمة قد تغير مسار حياتها.
توقفت أمام دكان قديم، باب خشبي مزخرف بنقوش عتيقة، وجدران تغطيها أرفف مكدسة بالكتب العتيقة والمخطوطات. كان "الشيخ إبراهيم"، خطاط المدينة وعالمها المتبحر، يجلس خلف منضدته، يمسك بقلمه بحركة رشيقة، ترتسم على الورقة البيضاء آيات قرآنية مباركة. كان عالمه مليئاً بالهدوء والسكينة، يختلف كلياً عن صخب الحياة الخارجية.
اقتربت "نور" بخجل، همست بصوت خفيض: "السلام عليكم يا شيخ إبراهيم". رفع الشيخ إبراهيم رأسه، ابتسامة دافئة ارتسمت على وجهه الذي خطه الزمن بحكمته. "وعليكم السلام ورحمة الله يا ابنتي نور. ما الذي أتى بكِ في هذا الوقت؟ هل لي أن أساعدكِ في شيء؟"
أخذت "نور" نفساً عميقاً، ووضعت حقيبتها القماشية على الأرض. "جئتُ أستشيرك يا شيخ. في أمرٍ جلل، يتعلق بمستقبل عائلتي". جلس الشيخ إبراهيم بانتباه، وأشار لها بالجلوس على كرسي خشبي مقابل له. "تفضلي يا ابنتي، قلبي وقلب أذني لكِ".
بدأت "نور" تروي، وصوتها يرتعش أحياناً من شدة القلق. "والدي، حفظه الله، يواجه صعوبات مالية كبيرة. ديون متراكمة، والتجارة لا تسير كما كانت. وقد جاءته فرصة لبيع أرض جدنا، تلك الأرض المباركة التي ورثناها عن أجدادنا، والتي هي كل ما تبقى لنا من ذكريات وأمجاد". تنهد الشيخ إبراهيم، متمتماً: "إنها لأزمة حقاً. الأرض كنز ونسب".
"نعم يا شيخ. ولكن هناك من يريد شراءها، رجلٌ غريب عن بلدتنا، يدعى "أبو الوليد". وقد عرض مبلغاً كبيراً، يكفي لسداد كل ديون والدي، بل وربما أكثر. ولكن…". ترددت "نور" قليلاً، قبل أن تكمل: "ولكن هناك قصة تتردد في البلدة عن هذا الرجل. يقال إنه لا يفي بوعوده، وأنه اشتهر بأساليبه الملتوية في التجارة. البعض يقول إنه انتزع أراضي من آخرين بطرق ملتوية. أبي متردد، لكن الحاجة ماسة".
صمت الشيخ إبراهيم لبرهة، وعيناه تفكران بعمق. ثم قال: "إن المال قد يسد حاجة، ولكنه قد يجلب ألف فتنة. يجب أن نتثبت من أمر هذا الرجل، قبل أن نتخذ قراراً مصيرياً كهذا. هل تعرفين من هم الذين تعاملوا معه من قبل؟" "سمعتُ بعض الأحاديث، ولكن التفاصيل غير واضحة. يقال إنه رجلٌ قوي وذو نفوذ، ولا يخشى أحداً".
"هذا ما يقلقني. الظلم ظلمات، يا ابنتي. والمال الحرام لا يبارك الله فيه. سأحاول أن أسأل عنه. ففي هذه البلدة، لا شيء يمر دون أن يعلمه أهله. لكن… هل هناك حلول أخرى؟ هل حاول والدكِ التفاوض مع أهل البلدة؟ ربما يقرضونه بعض المال حتى تتحسن تجارته؟" "أبي رجلٌ كريم، ولا يحب أن يثقل على أحد. وقد حاول، ولكن الظروف العامة ليست جيدة. الجميع يعاني".
نظرت "نور" إلى يد والدها وهي ترسم على الورق. كانت يد رجلٍ قاوم صعاب الحياة، يدٌ تحمل عبء مسؤولية كبيرة. "أبي رجلٌ طيب، طيبٌ لدرجة قد تكون ضعفاً في زمنٍ كزمننا هذا. هو يثق بالناس، وهذا قد يكون خطأ كبيراً". "الثقة بالله أولاً، ثم البحث عن الصالحين. سأبحث عن أي معلومة تفيدنا. أما عن أبو الوليد، فسأتحدث مع بعض التجار القدماء الذين ربما خالطوه في تجارات سابقة. ولكن أريد منكِ شيئاً يا نور. لا تخبري والدكِ بأنكِ جئتِ إليّ. دعي الأمر يبدو وكأنه رأيٌ مني، أو حلٌ وجدناه سوياً".
ابتسمت "نور" بامتنان. "ما تفعلونه لأجل عائلتنا يا شيخ، سأظل أدعو لكم به ما حييت. ولكن… هل تعتقد أننا سنتمكن من إيجاد حل؟" "كل أمرٍ بيد الله، يا ابنتي. ونحن نسعى وندعو. قد يكون في هذا العرض فرصة، وقد يكون فخاً. سنتحقق. اذهبي الآن، ودعينا ننتظر. وسأتصل بكِ فور حصولي على أي معلومة".
نهضت "نور"، وشعرت ببعض الارتياح لاهتمام الشيخ إبراهيم. كانت خطوة أولى، وإن كانت صغيرة. عادت إلى المنزل، وخطواتها أخف قليلاً. حاولت أن ترسم على وجهها ابتسامة مطمئنة لوالدتها التي استقبلتها بقلق. "هل عدتِ يا ابنتي؟ وماذا قال الشيخ إبراهيم؟" "كل خير يا أمي. لقد استمع إليّ بكل اهتمام، ووعد بأن يبحث لنا عن حل. قال إن الأمور ستكون على ما يرام بإذن الله".
نظرت الأم إلى ابنتها نظرةً طويلة، نظرة أمٍّ تعرف جيداً ثقل ما تحمله ابنتها. "إنكِ خير سندٍ لأبيكِ يا نور. حفظكِ الله لي". في غرفتها، جلست "نور" بجوار نافذتها، تنظر إلى الأفق البعيد. كانت السماء قد امتلأت بالنجوم، كل نجمة تحمل قصة، وكل نجمة تحمل أملاً. تذكرت حديث الشيخ إبراهيم، وتذكرت قصص الأجداد عن قوة الإيمان والصبر. هل ستكون أرضهم كنزاً يباع، أم وصية تبقى؟ هل سيجدون حلاً قبل أن تبتلعهم ديون الأمس؟ تساءلت في صمت، وقلبها يرتجف بين الرجاء والخوف. كانت تعلم أن قصة عائلتها على وشك أن تتغير، وأنها، برغم صغر سنها، أصبحت جزءاً لا يتجزأ من هذا التغيير.